بورخيس ‘ النموذج’

حجم الخط
0

عشيّة ليلة عيد الميلاد في الأرجنتين عام 1928، يحملُ شابٌ ظريفٌ نسختهُ الظريفة من كتاب ‘ ألف ليلة وليلة ‘ التي حصل عليها توّاً ويصعد الدرج مسرعاً إلى حيث يسكن، قبل أن يصل يتعثر ويصطدم بشباكٍ مفتوح يُحدث فتحةً في رأسهِ ويفقد الوعي على إثرها و القدرة على النطق.
تتحرك ألسنةٌ الخيالِ في عقلهِ في تبدّلٍ غير مرئيّ لوظائف الأعضاء وترتفع درجة حرارتهِ ويدخل في غيبوبة، لشهر يتأرجح الشاب خلالها بين الحياة والموت، حين يفيق يطلبُ الطبيب منهُ في محاولة للاطمئنان على نطقهِ أن يتكلم، فيصمت الشاب ويظن الكل أنهُ دخل في ملكوت الخرس :
– لن ينطق في حياتهِ إن لم ينطق الآن : يقول الطبيب للوالدة المرافقة فيرد الشاب الظريف :
– شكراً أيها الطبيب، مؤكداً أن اللسان ما زال يعمل لكن ليست العينين على أية حال .
كان هذا هو لويس خورخي بورخيس الشاب النشيط والمُصنِّف في مكتبة البلدية وكاتب الأشعار الرومانسية البسيطة، بعد هذه الحادثة ولنصف قرن يليها واظب بورخيس على تطوير قراءاتهِ وكتاباتهِ بعينين مطفأتين، ليصل في نهاية الممر المظلم الذي نسميه الحياة للنطق بعبارةٍ مبالغٍ فيها نوعاً ما في وصفِ مكانتهِ الأدبية فيما بتعلق بفن القصّ، لكن فيها من الصحة ولو القليل:
– ‘ أنا النموذجُ والآخرون مجرد بشر ‘ .

الذي جرى بين حادثة الدرج وحتى تأكّدَ ‘ النموذج’

تقول الحكاية باقتضاب وهي متواترة النقلِ على أيّة حال :
قطٌ أرجنتينيّ يُلاحقُ – في دورانٍ محمومٍ – ذيلهُ بصدد القبض عليهِ، فيدخلُ في متاهة الدائرة .
وكمالة الحكايةِ، أن ليلةً من ليال شتاء عام 1928 في أحد ضواحي بوينس ايرس، لمحَ فيها بورخيس وقبيل حادثة الدرج المؤسفة بيومٍ واحدٍ فقط، ظلالاً تموء، تقول الحكاية كما تُروى هناك :
– لمح الشاب المشرف على العمى، ظلَّ القطِّ يُلاحقُ ظلَّ الذيل، فتوقف لثلاث سنوات عن القراءة، إذ أنه أدركَ أن للمعرفةِ متاهةُ الدائرة، وللخلاص من ألم المعرفة يلزم الدخول في المتاهة الثانية، متاهة ظل القط الذي يطارد ظل الذيل.
هذا في البداية أما ما حصل بعد ذلك فيمكن أن نبدأهُ من هذه الحكايةِ وهي ليست ببعيدة :
لما أفرغَ الأطباء في المستشفى جِراب معرفتهم لتفسير فقدان بورخيس بصرهُ المفاجئ وغير المتوقع ولم يفلحوا بمطابقة قواعد الطب على حالتهِ قامت الوالدة برد السبب لعرقٍ دساسٍ في سلالة ابنها واختصرت الفاجعة بجملة رمتها على مسامع الأطباء قبل أن تخرجه من المستشفى :
– العمى فيهم هواية يمارسونها منذ ستة أجيال، وأخذت ابنها للبيت لتؤنسهُ على طريقتها :
‘ أرادت أمي أن تقرأ لي كتاباً طلبتهُ ( خارج الكوب الصامت ) لــ سي اس لويس، وخلال ليلتين أو ثلاث كانت أمي تتقدم في القراءة، في النهاية أثمرت إرادتها وبعد أن سمعتُ صفحة أو اثنتين انفجرتُ في البكاء، سألتني أمي عن معنى هذه الدموع فقلت :
– أبكي لأنني أفهم ‘
وظلت الوالدة تقرأ لابنها إلّا أن جاء يومٌ شعرت فيه بأنها غير قادرة على مجاراة ولع بورخيس بالاستماع، إذ أنه كان يطلب المزيد، شاخت فجأةً وبدورهِ صار هو يكثر من جولاتهِ في المدينة ليتصيّد من يقرأ عليهِ إذ أن هذا الميكانيكيّ، الساعاتيّ، راصدُ حشرجة الوقتِ في ساعة الحائط عند حلول الظلام، ظل يُردّدُ عندما اكتمل عماه :
– الدقائق الأليفةُ في النور، الموحشة في الظلمة كنتُ أحصيها بأذنيّ
تك تك تك
تك تك تك .
– ما الذي تنتظرهُ في هذا الليل ؟
– فتىً في السادسة عشر من عمرهِ يعمل في دار بغماليون إحدى المكتبات الانجلو ألمانية الموجودة في بيونس آيرس لصاحبتها ليلي باخ صادفتهُ عصر هذا اليوم وأخذتُ منهُ موعداً ليأتي عندما يهبط الظلام .
جاء الفتى أخيراً ودون تأخرٍ – هذه الحادثة وقعت تماماً في سنة 1964- وطرق باب شقة بورخيس فأدخله دون أن يشعر أحد إلى غرفة نومهِ وهناك على أريكةٍ فخمةٍ أرشدهُ لكتاب ‘ كيبلينغ ‘ ليقرأ لهُ، ساعتان متواصلتان يقرأ فيها الفتى والأعمى يفتح عينيهِ على الصوتِ ويفرشُ له ذاكرتهُ بالسجاد الأحمر .
كان ذاك الفتى ‘ألبيرتو مانغويل’ الكاتب والباحث الأرجنتينيّ الذي سيصبح فيما بعد واحداً من أشهر الأرجنتينيين في عالم الأدب.
بعدها بعشرة أعوام تقريباً وبالتحديد في ظهيرةٍ من أيلول عام 1975 ستشاء الصدف أن يزور الشاعر الأمريكي ‘ ويليس بارنيستون ‘ الأرجنتين قاصداً منزل بورخيس، ولن ينجُ هو الآخر طوال الفترة التي أقامها في بوينس ايرس من جلسات القراءة التي فرضها عليهِ بورخيس كتكلفةٍ منخفضة نوعاً ما، مقابل الجلوس والحوار معهُ، لم يكن لعقل الأمريكي على موسوعيتهِ أن يجاري ‘ النموذج ‘ في الحوارات لذا ‘ وفي ظهيرةٍ مسوّدة بعد بضعة أسابيع لاحقة، بدا بورخيس مغروراً بشكل خاص وممتلئاً بالأوهام والمغامرات، بدا بامتحاني يقول بارنيستون في ذلك اليوم كنتُ ميّالاً للتأمل وربما للكآبة ولا أرقى إلى ذكائهِ الحاد، لكنني كالمعتاد كنتً أتماشى مع ألعابهِ، وإذا حدث وأظهر تواضعاً مزيفاً لم أكن استطيع إخراجهُ من مزاجهِ بمجرد الموافقة على امتهانه لذاته باختصار كان يحب المزاح :
– هل تعلم، لست بذاك الكاتب على الإطلاق، لا مخيلة، لا أستطيع أن أبتكر شخصيات، ثمة شخصية واحدة ‘ وكل ما اكتب تنويعات عليها، لا عليك لنكمل القراءة الآن، ويكمل بارنيستون القراءة على بورخيس فتصفو نفسُ ‘ النموذجُ ‘ قليلاً ويبتسم للصوت وكان كأنه يصنع بأذنيهِ ما كان الآخرون يفعلونهُ بأعينهم، كان يُسجل الصفحة المقروءة عليه في داخلهِ من أجل البحث عن كلمة أو جملة أو مقاطع كانت قد خلّفت أثراً في ذاكرتهِ وغالباً كان يُقاطعني ويعلق على النص من أجل كما أظن أن يتشبع به ويُوغله في أعماقه أكثر وأكثر ‘
الأم، مانغويل، بارنيستون، وعابرون كثيرون، طلاب وكتّاب، خادماتُ كان يشترط ليعملن في شقتهِ أن تعرف واحدتها القراءة، كل هؤلاء علقوا بصنارة بورخيس ليقرءوا له وما كفاه، كان كأنهُ هوّةٌ تبتلع الماء دون أي أثرٍ، وفي نهاية الأمر لم يكن ليشكو من عماه بقدر ما كان يتذكر فيه صباه :
– حين لم تكن موجوداً، حين كنتُ أرعى وحيداً في أوربا في صباي قرأتُ وأعدتُ قراءة الكوميديا الإلهية في أكثر من اثنتي عشر طبعة مختلفة باللغة الإيطالية فهل هذا الهراء الآن يكفي ؟

وربما كان للخطأ أو المبالغة الصحفية التي نشرها المحرر الأرجنتيني في صحيفة la Naciùn الأرجنتينية السيد خورخي كروز وقعٌ مبالغٌ فيه حين كتب عنواناً لمقابلته مع بورخيس ‘ الأعمى الذي قرأ ضعف ما قرأته البشرية، الذي قرأ كتباً غير موجودة لكتابٍ غير موجودين ‘ .
كانت كلمات خورخي كروز الوحيدة التي يمكن أن تصف ولع بورخيس في القراءة .

قاص وكاتب عربي
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية