تلك الهزيمة

حجم الخط
0

شاب يلبس الابيض، لوحظ وهو يسير في أحد الوديان في الضفة الغربية، كان ذلك في زمن حرب الايام الستة، وكان يبدو لي أن الشخص ينتمي للمكان والزمان، عندما اقترب منه أحد سكان المكان، عرف أن الشخص بالابيض هو جندي اردني قام باستبدال زيه العسكري بـ «بدلة» مصنوعة من اكياس الطحين لاخفاء هويته. ليس مجرد اكياس طحين، بل الاكياس التي كانت تقدم فيها الولايات المتحدة المساعدات للاجئين الفلسطينيين. وفوق البدلة كان مكتوب «هدية من الشعب الامريكي الى الشعب الفلسطيني».
هذه فقط قصة واحدة من القصص الكثيرة التي جمعتها لمى رباح وقامت بنشرها في مقال هام بعنوان «كيف يتذكر الفلسطينيون الجنود العرب في النكسة». المقال الذي نشر في 5 حزيران/يونيو من هذا العام في مجلة «اتجاه» كان في ملحق خاص بمناسبة مرور خمسين سنة على هزيمة حزيران – نشرة استثنائية ولدت نتيجة التعاون بين ثمانية كُتاب من دول عربية. ويمكن تسمية هؤلاء الكُتاب بشكل عام «معارضة»، لكن الحديث لا يدور عن معارضة سياسية مباشرة، بل عن انتقاد المجتمع، والفن الناقد واعادة النظر في الامور المتفق عليها والنقد التاريخي.
حول مراجعة النفس العربية سياسيا وعسكريا بعد 1967، تم تأليف كتب كثيرة من قبل المؤلفين والخبراء العسكرييين والمثقفين العرب. وقد حظيت رواية الهزيمة بتفسيرات شعبية، مثلا في اغاني احمد فؤاد نجم المصري. وفي افلام مثل «الابن الضال» ليوسف شاهين وكتب اخرى كثيرة – مثلا كتاب عصام دراز «ضباط حزيران يتحدثون»، الذي شمل شهادات لجنود مصريين حول الاوامر التي حصلوا عليها وحول ظروف الحرب. ولكن الملحق الخاص قام بتوسيع دائرة التحليل، حيث قال بتحليل التحليلات واعادة النظر في الروايات الثابتة، من اليسار أو اليمين، واسماع اصوات جديدة، لا سيما المواطنين العاديين أو الجنود البسطاء الذين يعبرون عن نظرة جديدة وغير موثقة لتجارب الحرب.
في أحد المقالات الهامة يقوم شاكر جرار من عمان بتصفية الحساب مع موقف «جميعنا نتحمل المسؤولية» الذي تجذر في النقاش الجماهيري العربي، وخاصة المصري. ويتطرق تحليله الى اتجاهين مقبولين في التفسير على جمهور المثقفين. الاول هو العلماني الذي يتحدث عن الطابع العربي وغياب الثقافة كسبب للهزيمة. أما التفسير الثاني، الديني، فيقول إن الابتعاد عن الدين وتبني الثقافة الغربية هي سبب الهزيمة. هذان التفسيران، كما قال جرار، مريحان جدا للانظمة العربية، وهما يعفيان الزعماء من المسؤولية عما حدث – عدم الاستعدادية، الاكاذيب ونقص المعلومات الاستخبارية.
يتحدث جرار كمثال عن المؤرخ المصري الشهير لويس عوض الذي حاول تفسير سبب هزيمة مصر في العام 1967، «في حرب الـ 1967 هرب الجنود والضباط وتركوا سلاحهم لأنهم كانوا في وضع اجتماعي سيء، أما في حرب العام 1948 فقد كان المقاتلون هم أبناء طبقة، ومن ضمنهم أبناء الباشاوات وغيرهم، وقد خجلوا من الاستسلام والعودة مهزومين وفقدان مكانتهم في اوساط عائلاتهم وفي نظر المواطنين الآخرين». التفسير الاجتماعي النفسي هذا أغضب جرار، الذي وجه سهامه ايضا ضد هذه الثقافة التي تبنت نظرة «جميعنا نتحمل المسؤولية»، واهتمت بتفكيك ما يسمى «الشخصية العربية» أو «التفكير العربي» أو «الانسان المصري».
لقد حظيت الحرب بنظرة مختلفة في عدد من المقالات التي كتبها خالد فهمي – مثقف ومؤرخ مصري – في مجلة «مدى مصر». «رغم مرور خمسين سنة على الهزيمة، نحن لا نعرف بعد ماذا حدث»، قال فهمي في احدى المقابلات. ما زال التاريخ مخفيا عن الشعب المصري وعن الباحثين وعن الذين يريدون معرفة اسباب الهزيمة. هل سبب عدم حصول عبد الناصر على تقارير دقيقة هو أن ضباطه وخاصة يده اليمنى عبد الحكيم عامر، تخاصموا معه قبل الحرب، أو لأن الاستخبارات المصرية فشلت بالفعل ولم تعرف عن نية إسرائيل؟ يتساءل فهمي. وهو يقتبس من «ضباط حزيران يتحدثون» شهادة الطيار هشام حسن الذي اختار هو وقائد القوات المصرية في العريش اهدافا للهجوم: «الصور الجوية للاهداف كانت مشوشة، وعندما سألت عن عمر الصور قال الضابط إنها من فترة الحرب في 1948».
لقد نشر فهمي مؤخرا شهادات جنود مصريين تم وضعهم في جزر تيران وسنفير قبل الحرب، ولم يعرفوا عن نشوب الحرب. هذه الشهادات قد تساعد الآن في النقاش في البرلمان المصري حول ملكية هذه الجزر، هذا الموضوع الذي أصبح مثار خلاف قومي في اعقاب الموافقة على اعادتها للسعودية.
الامر الملفت هو أنه بعد مرور خمسين سنة تحظى الهزيمة بعلاج لا يعرف الرحمة من قبل المثقفين، في الوقت الذي تصمت فيه وسائل الاعلام الرسمية وتنتظر يوم احياء ذكرى حرب تشرين 1973 للتفاخر بالنصر.
هآرتس 12/6/2017

تلك الهزيمة
بعد مرور خمسين سنة على نكسة 1967 ما زال المثقفون في العالم العربي ينشغلون بأسباب الفشل 
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية