احتجاجات الحسيمة، كما هي مظهر للتفكير في قوة المجتمع على المطالبة بحقوقه، وإعلان إرادته، وإسماع خطابه، هي ، في الآن نفسه، سعيٌ إلى التذكر: لمَ الأعلام القديمة؟ لم صور محمد بن عبد الكريم الخطابي؟
لمَ أحياء وساحات وشوارع وأزقة بعينها؟ فالذاكرة التي هي مصدر قوة الاحتجاجات في الحسيمة، هي أيضا، بصيرة ونافذة تعتمد الطبوغرافيا ( الحسيمة والريف…) والوصف الدقيق للشوارع والأزقة والأحياء صحبة أسمائها، لدرجة أن المغاربة، من خارج الحسيمة، صاروا يعرفون أسماء شوارع الحسيمة وأزقتها وأحيائها، ربما أكثر مما يعرفون أسماء شوارع مدنهم وأزقتها وأحيائها.
ولعل الاحتجاج بما هو مقاومة للنسيان، هو جزء من فن الذاكرة الذي ظل قابعا داخل نظام العيش لدى الريفيين (ثقافتهم الكلاسيكية)، ثم أعاده مجموعة من الشباب إلى الحياة، وخرجوا للحياة ليزدهر الالتفاف حولهم، ثم تنهار أسوار الخوف. ولعل أحسن ما فعل هؤلاء الشباب أنهم اختاروا أماكن بعينها (ساحات، أحياء، هضاب)، وقاموا بتصوير كل ذلك، حتى تتكون الصور(صور الأشياء)، التي يودون تذكرها كي يحافظوا على نظام الأشياء كما ارتضوه.
وهكذا تَكوَّن لدى هؤلاء المغاربة منهجٌ للاتجاهات (ولعله السبب الذي يفسر استمرارية الاحتجاجات رغم اعتقال القياديين)، لأنه منهج يسهل استيعاب الذاكرة له. وهذه الأماكن الحسيمية الحقيقية والمتخيلة تعمل، الآن، كشبكة تقع عليها صور الاحتجاجات اليومية. ويغنيها الريفيون بمعاودة التجمع، في الأماكن نفسها، وامتلاكها خطوة خطوة. وهكذا حفظ نسق الأماكن (كما في السيرة الذاتية) نسق الأشياء التي يتعين تذكرها. وهذه الأمور هي التي يستحيل على السلطة محاربتها أو تقويضها أو تفكيكها.
ومما زاد من قوة الاحتجاجات واشتعالها حجم المكان؛ فالحسيمة ليست هي الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش ( أماكن النسيان)، إذ ليست مدينة كبيرة، ولا تتميز بسرعة مدوخة، وليست ضخمة، وليست فيها نزعة استهلاكية منفصلة عن عملية العمل، وعمر الأماكن هناك ممتد زمنيا، والنطاق البشري للحياة متجانس، وتجربة العيش والعمل معروفة اجتماعيا.
وهناك، أهم من كل ذلك، تحول عميق فيما يمكن تسميته «معنى الحياة» استناداً إلى «ذكريات مشتركة» وهو ما ليس موجودا في المدن الكبرى ( خاصة الدار البيضاء) التي تآكل هذا المعنى فيها بسبب التحول البنائي في فضاءات الحياة.
ومن المحتمل أن يكون هذا العامل، وغيره، حافزاً على حركة ثقافية وإبداعية، من سمات انتعاش التخييل التاريخي. وقد بدأ هذا التيار يتبلور، مغربيا، ومحليا (مع روائيين متمكنين كالبشير الدامون ومصطفى الورياغلي) في نصوص جديرة بالقراءة والتأويل.
ولعل هذا جانب لطيف وجب أن نتوسل فيه أهواء المغاربة وآمالهم ماضيا وآنا ومستقبلا، كما هو مدعاة للعودة إلى المدونات الحكائية المختلفة ( المناقب والفتاوى والأخبار وغيرها) قصد استجلاء صور فاعلين اجتماعيين وتاريخيين لم تتضح بعد صورهم في مدونة التاريخ المكرس رسميا.
كاتب من المغرب
عثماني الميلود