أتمنى أن يتوقف بسرعة فصيل من الإعلام الخليجي يتعامى عن المصدر الأول للإرهاب العالمي، ماديا وفقهيا وأيديولوجيا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، عن ادعاء أن الحصار الذي تتعرض له قطر على يد السعودية والإمارات والبحرين، ليس هدفه سكانها.
أتأمل في قليل من الحياء، فقد أصبحت نكتة لا طائل من تكرارها. عليهم أن يتشجعوا ويقولوا بصراحة ومسؤولية إن الحصار هدفه الضغط على الناس في حياتهم اليومية واحتياجات أولادهم لدفعهم إلى موقف معاد تجاه سلطات بلادهم. وعندما لم يحدث ما خططوا له، وفي اليوم الخامس من الحصار، تبدّلت النغمة وأصبح القول إن قطر لم تُخضَع لحصار ومن الخطأ مقارنتها بغزة لأن مجالها الجوي مفتوح ومنافذها البحرية كذلك، وأن «المقاطعة» جزئية لا تؤثر على حياة الناس.
مرة أخرى، هي نكتة سمجة، فقد بلغ هذا الإعلام مبلغا يجعل من كلامه لعنة ومن صمته ورطة.
لا تثريب على هؤلاء، ولا لوم ولا صدمة، فقد نالوا من مكانات الناس والعائلات ونهشوا فيها وانتهكوا أقدس ما في أعراف المجتمع العربي والخليجي: الأعراض.
وصل الأمر إلى نقطة اللارجوع و»اللاترقيع». لم يسبق أن بغت فئة من الإعلام الخليجي، وفي ذروة الأزمات والخلافات، مثلما بغى هؤلاء. لا تطاول على العائلات في أعراف المجتمع الخليجي كما فعل هؤلاء هذه المرة بالعائلات القطرية. السبب بسيط: المنطقة كلها تُركت بلا «كبير». هي اليوم بلا عقلاء (كان الناس يخافون عليها من إيران، واليوم يخافون عليها من الإمارات والسعودية). تلكم هي مصيبة هذا الجزء من العالم. وذلكم هو تفسير هذا السعار الذي نتفرج عليه مذهولين.
لم يعد أيّ تضليل وأيّ تدليس يثير الصدمة أو الاستغراب أو الاستهجان. بالعكس، أصبح كل يوم يدفع المرء إلى الاستعداد لما هو أسوأ في اليوم الذي يليه. إنه «التطبيع» مع «العيب».
لم يكن هذا الإعلام لينبس بحرف لولا ضوء أخضر من فوق. هذا تحصيل حاصل ونافلة كلام. وعلى قدر بساطة «تحصيل حاصل»، على قدر حجم المصيبة. مهما كانت الذرائع، ليس مقبولا أن يصل «الكبار» ومن كانوا «كبارا»، و»العقلاء» ومن كانوا «عقلاء» إلى هذا المستوى من اللاعقل. يصعب وسط هذه المعمعة المحزنة والمخزية، الامتناع عن طرح السؤال: ماذا أصاب علماء ورجال دين هذه المنطقة؟
لا يبدو أنهم تعلموا من درس 1990 عندما أفتى أحدهم بجواز إحضار قوات أمريكية إلى أرض الحرمين. ليس النقاش في حرمة الوجود الأمريكي من عدمها، بل في المبدأ وسهولة إصدار الفتوى تحت الطلب.
اليوم التاريخ يعيد نفسه: الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام الحرم المكي: حصار قطر خطوة سديدة (ثم سيل من الدعاء لأوليّ الأمر). الشيخ عبد العزيز آل الشيخ (مفتي السعودية): مقاطعة قطر فيها خير لأهلها وللمسلمين (لا فض فوك يا شيخنا!). الشيخ محمد العريفي: صمت مطبق. الشيخ عائض القرني: خارج التغطية إلا من دعاء أن يحمي الله «المملكة من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، مرفوقا بصورة له مع «أوليّ الأمر». دون المغامرة بموقف تاريخي لن يأت ولا يتأمله أحد أصلا، كان بإمكان هؤلاء أن يطلبوا من «ولاة الأمر» تحييدهم من هذه الأزمة الدبلوماسية والسياسية، حفاظا على مكانتهم كعلماء ورموز، وحفاظا على ما تبقى من سمعة المؤسسة الدينية. أما وقد انجروا إلى ما انجروا إليه فلن يكون سهلا بعد اليوم أن يثق مسلم في فتوى آل شيخ دون أن تعود ذاكرته إلى «الخير الكثير الذي سينال القطريين» من الحصار الذي ضربته السعودية عليهم. وكان أحرى بـ»وليّ الأمر»، وهو يقرر هذا العقاب الجماعي لسكان قطر، أن يُبقي «علماءه» بعيدا، لأن حشرهم فيها لن يفيده ويضر بهم، وفتاويهم لن يصدقها أحد. وها قد تحوّلوا إلى «مضحكة» في وسائط التواصل الاجتماعي. سيحفظ التاريخ أن هؤلاء تخلوا عن أحد عشر ألف مواطن خليجي يعيشون في قطر متزوجين زواجات مختلطة (خليجية)، تطالبهم حكومات السعودية والبحرين والإمارات بأن يعودوا فورا إلى أوطانهم من دون أزواجهم وزوجاتهم وأبنائهم وبناتهم إذا كانوا قطريين أو قطريات.. هكذا ببساطة! كأنهم يطلبون منهم التخلي عن أثاث عتيق انتهت الحاجة إليه.
وسيحفظ التاريخ كذلك أنهم تخلوا عن رجال أعمال وتجار أُمهلوا أسبوعين (نظريا) لكي يغادروا الدول الثلاث تاركين وراءهم ما راكموا من جهود سنين. تخلوا أيضا، وتلك الطامة، عن أطفال ونساء مُنع عنهم الحليب واللبن والخضار الطازجة.
تخلوا كذلك عن مسافرين، وبينهم مئات وربما آلاف المرضى والمنهكين، تحولت رحلاتهم لتصبح ضعف مدتها الزمنية.
تخلوا عن معتمرين قادمين من قطر عوملوا شرّ معاملة في المطارات والفنادق وسيقوا إلى الكويت والعاصمة ومسقط كي يتسنى لهم التوجه إلى بلادهم.
باختصار، سيحفظ التاريخ أن «علماء» بلاد الحرمين تخلوا عن هذه المنطقة الجريحة.. بترابها وهوائها ونخيلها ومياه خلجانها، وهي في أشد الحاجة لعزاء صغير منهم في هذا الحقد الجارف الذي تفتق في العاشر من شهر لم يملوا هم ذاتهم من القول إن أوله رحمة.
صحيح أنها فتنة، لكن أكثر ما يؤلم ما فيها مواقف «العلماء».
كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي