معرض للفنان التشكيلي السوري كاظم خليل في باريس: مادة القهوة وسيطا لتجربة فنية تتجاوز الحدود المألوفة

حجم الخط
0

معرض للفنان التشكيلي السوري كاظم خليل في باريس: مادة القهوة وسيطا لتجربة فنية تتجاوز الحدود المألوفة

محمد يوسف ديوبمعرض للفنان التشكيلي السوري كاظم خليل في باريس: مادة القهوة وسيطا لتجربة فنية تتجاوز الحدود المألوفةكعادته يريد الفنان التشكيلي المتمرد بطبعه أن يقدم المفاجأة باعتماده دائما علي الدهشة في تقديم أفكاره ، لكن هنا، بالإضافة إلي اعتماده الشكل في المفاجأة، تري روح النص في اللوحة، ولم لا ؟ فالمادة ومن خلال التقديم لنص بالإنجليزية عن القهوة العربية وما يرتبط بها من ذاكرة ونشاط إنساني بشرح مبسط وسلس يقدمه كاظم للزائر وهو يشاهد العرض وإن كانت مقحمة بالنسبة للزائر العربي لكنها مهمة للزائر الاجنبي في باريس لأنه لا يمتلك تلك الخلفية عن تفاصيل ارتباط هذا المشروب بذاكرتنا في الشرق.قبل أكثر من خمس سنوات، ومنذ آخر لقاء لنا في إحدي أهم صالات العرض بدبي، تواترت مشاركات كاظم خليل في معارض جماعية وبيناليات مختلفة لم تشبع طموحه الجامح بأن يخرج للعالم من إحدي أهم بواباته الفنية كباريس. كانت الظروف السيئة تقف عائقاً إلي أن أتت اللحظة ففوجئت عند تحدثي معه بالهاتف أنه يقيم معرضا فنيا في صالة من صالات العرض الموجودة في باريس قريبة من اللوفر. ومع أن الوقت ضيق لأني سأسافر إلي روان لحضور افتتاح معرضنا علي شاطئ النورماندي ، لكن اشتياقي كان أكبر من كل الدوافع لمشاهدة آخر ما وصل إليه كاظم الذي فاجأني بمعرضه الأخير حيث اضاف إلي سجله الثوري البصري نموذجاً آخر من التجربة التشكيلية والتقنية هذا إن أردنا التحديد أكثر ،المفاجأة تكمن بالطريقة الجديدة التي تحمل رياح التمرد الشكلي والتقني ، لوحات علي ورق خاص بالقهوة وبتعبير أدق إنها ملحمة من الخط والشكل تصيغها القهوة . وأول ما يفاجئك ملصق المعرض الذي يتحدث ببن القهوة عن صراع ملحمي بين ثور الحقيقة وترانيم الحلم ، تتعري الأشكال لتكشف عن حقيقة الجسد خارجة عن إطار التشريح لتأخذ نسبها الخاصة من خيال الفنان وكأنها علامات موسيقية خرجت من سيمفوني صاخب مع محافظتها علي روح الجسد. وعند الخوض أكثر في التقنية يتحدث كاظم بأن كل المواد المستخدمة في اللوحة كانت مواد خاما عزفها بأنامله وركّبها بطريقته الخاصة ابتداءً من المادة المتمثلة بالقهوة مروراً علي الورق المصنع يدوياً وانتهاءً بمثبتات اللون لإضفاء روح الديمومة علي اللوحة. ومن الافت للنظر الانسجام الكامل للأعمال المعروضة من جهة والتناغم البصري بهذه اللوحات مع المكان من جهة أخري لتتكون في النهاية ملحمة بصرية قوامها اللوحة وأرضيتها المكان . هل لأن كاظم أراد أن يتدخل حتي في المكان ( وهذا من حق أي فنان عندما يفكر في عرض أعماله الفنية بأن يختار المكان المناسب) وهذا ما يفتقده أحياناً أي معرض من خلال الهوة القائمة بين صالة العرض والعمل الفني في ظروف العرض المفروضة علي الفنان. إذاً، يمكننا القول بأن لهذا المعرض خصوصية بصرية خاصة، فبإمكان أي شاعر أن يجلس بين الأعمال ضمن صالة العرض ليخط علي الورق الكثير من النثر والكثير من الشعر دون أن يشعر بالملل.وهنا ينطرح السؤال: هل هو سحر القهوة وما تمتلكه هذه المادة من روح ؟ أم خصوصيتها المشبعة بالتاريخ ولها أهميتها، فهي، إضافة لكونها المادة الأولي للضيافة ورفيق الفنان والأديب والباحث في ليالي السهر والعمل والشعر ، وقد تدخلت في كثير من الكتابات والقصائد ولكن أثرها التشكيلي كان غير مباشر إلا من بعض التجارب الخجولة في التعامل معها. وهنا يلفت نظرنا إلي تعامل المنجمين مع هذه المادة إذ نجد بعض الترابط في الاعتماد علي الشكل من خلال مؤثراتها البصرية علي الفنجان ، إذاً هناك نوع من الترابط بين قارئة الفنجان والتشكيلي الذي يصيغ من هذه المادة لوحات لكن هنا يكون بمثابة المايسترو ، أما في التنجيم فالقهوة هي التي تشكل ذاتها بذاتها من خلال المصادفة .كاظم يأتي ليكسر القاعدة ، فهو لم يكن مستخدماً المادة بشكلها المجرد فقط بل تخطي ذلك إلي الخلفية والمواد الأخري فهرب من محدودية المادة لتكون أشبه بالحبر الذي يمتلك النسب الكبيرة من التدرج فكانت أكثر من قوام للون وأهم من مادة القهوة الهشة .إن من يري اللوحات ولا يقرأ التعليق علي المادة المستخدمة لا يمكنه اكتشاف تقنية المادة بهذه السهولة، وهذا أحد مقومات قوة العرض، فيمكن للمشاهد التخمين بأنها مواد أخري أو ألوان مائية شفافة تعتمد اللون البني وتدرجه ، لكن عندما تدخل بحوارية مع الفنان عن تقنية المادة يأخذ تقييمك للعمل منحيً آخر وتعيد من جديد جولتك البصرية لقراءة اللوحة ولكن من منظور آخر.ويمكن ان يري المشاهد العادي مدلولا عكسيا لبساطة المادة ولكن لمن لديه قراءة خاصة وخبرة في مشاهدة التقنيات وخصوصيتها وجهة نظر أخري.، فالتعامل مع هذه المادة والرسم بها ليس بالأمر السهل وهو نوع من الابتكار البحثي ويحمل مقومات الدهشة البصرية.ان ما وصل إليه كاظم في بحثه مهم جداً ولم يأت من قبيل المصادفة ، انه وسيلة لطرح الموضوع وإضافة مزيد من المفاجأة إليه وهو امر لا يقل عما فعلته المادة والتقنية فكانت المواضيع منسجمة مع طريقة المعالجة من الصخب الكامن في اللوحة الخارج من قرني الثور الهائج المعبر عن روح التمرد داخل الفنان إلي الرقصات الجسدية آخذة عين المشاهد إلي حركية مذهلة وإيقاع متفرد وإن تخلله بعض الفوضي، فيزيح صمت الرتابة لتبقي العين تتحرك ضمن مسار اللوحة دون ملل وعندما تغادر في ومضة إلي لوحة أخري تجد أنها باقية بتسلسل منطقي إلي فقرة أخري دونما انقطاع لتكمل اللوحة التساؤل المثار من اللوحة السابقة .إن ملامح الرقص الجسدي لمصارع الثيران مع الحركة الانسيابية للثور تؤكد في إحدي اللوحات رسالة بصرية يود الفنان إيصالها، ربما توحي إلي تلك الفوضي العارمة في الداخل والتي تريد أن تخرج إلي الوجود بأي شكل وأي منحي . وبانتقالنا إلي الأعمال الأخري التي تعطيك انطباعا، لأول وهلة، أنك أمام تجربة تتجه للتجريد ولكن بإمعانك أكثر في تفاصيل اللوحة تجد بعض التفاصيل الواقعية وأحيانا هناك نوع من التبسيط في الشكل من خلال انطباع شكلي لا لوني فهناك موضوع خلف تلك اللوحات لتخرج بمفهوم معين وليست مجرد تجربة قوامها الشكل لا أكثر، لذلك لا يمكن أن تمر علي المعرض بصورة عابرة بل تحتاج اكثر من جولة، وقد تكرر زيارة المعرض لتشاهد تفاصيل أكثر لم تشاهدها في زيارتك السابقة . إنها، بببساطة، تجربة متفردة عزفها كاظم بدقة وبدراسة وافية وليست مجرد تجربة عفوية أوإنما من خلال مسار من البحث المحدِدْ ليخرج من ذلك بنتيجة مختلفة مع المتلقي عبر مادة يومية موجودة في حياتنا علي نحو دائم. فنان تشكيلي من سورية يقيم في ابو ظبي0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية