لندن ـ «القدس العربي»: برر وزير التعليم السعودي أحمد العيسى سحب مؤلفات المفكر الإسلامي يوسف القرضاوي من المدارس والجامعات السعودية بدعوى أنها تمثل خطراً على فكر الطلاب والطالبات.
واعتبر الوزير سحب المؤلفات أمراً عاجلاً. وليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها القرضاوي أو أي من المفكرين الإسلاميين المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين للمنع والهجمات، فعندما ألف الشيخ محمد الغزالي كتابه عن السنة تسابقت أقلام المشايخ في السعودية للرد عليه ومهاجمته إلى درجة أن عدد الكتب فاق الثلاثين.
ويأتي الهجوم على الشيخ القرضاوي بعد تكريمه من المؤسسة السعودية وفي الإمارات حيث حصل على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 1994 وجائزة سلطان العويس للثقافة الإماراتية عام 1998. ولكن البلدين نفسيهما صنفا القرضاوي في قوائم الإرهاب وهذا هو سبب قرار الوزير السعودي سحب كتبه.
ويضيف مراسل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «دايلي تلغراف» سبباً آخر يفسر الهجوم على القرضاوي وهو برنامجه «الشريعة والحياة» الذي ظل النافذة التي يسأل فيها متابعو قناة «الجزيرة» القطرية من كل أنحاء العالم الإسلامي الشيخ أسئلة تتراوح بين حكم التدخين أثناء الصيام إلى تلك الخاصة بعلاقة الرجل بزوجته والعمليات الانتحارية أو الاستشهادية وما إلى ذلك. واستمر البرنامج مدة 20 عاماً حيث استفاد منه عشرات الملايين من نصائحه وفتاواه الدينية.
وفي عام 2013 أوقفت «الجزيرة» البرنامج إلا أن اعداءه لم ينسوه كما يقول سانشيز. فقد تم وضعه على قوائم الإرهاب في مصر والسعودية والإمارات والبحرين وكجزء من حملة دبلوماسية منسقة لعزل وتركيع قطر.
ويضيف أن أحد أهداف الحملة هو إغلاق قناة «الجزيرة» التي تملكها الدولة.
وأغلقت مكاتبها في السعودية والأردن وتعرض موقعها على الإنترنت للهجمات الألكترونية فيما منعت السعودية يوم الجمعة الفنادق توفير القناة للنزلاء. وترى الدول العربية المعادية لقطر أنها قناة دعائية تستخدمها الحكومة لإثارة المشاكل في الشرق الأوسط. ويتهمون القناة بدعم «الإرهابيين» في سوريا وتحريض السكان في كل أنحاء المنطقة للثورة ضد حكوماتهم. وينقل عن علي النعيمي، المقرب من الحكومة الإماراتية أن القناة تنشر التطرف ويجب فهمها ضمن سياق الثقافة العربية وليس الغربية.
صوت شجاع
ويرى أنصار الجزيرة أن الشبكة تعتبر صوتاً شجاعاً ومستقلاً في منطقة تتبع فيها القنوات الفضائية الأخرى الخط الحكومي. واتهامات دعم الإرهاب ما هي إلا مبررات معروفة تقوم بها الأنظمة المستبدة التي تخاف من الإعلام الحر.
ويقول القائم بأعمال مدير قناة «الجزيرة» الإنكليزية غايلز تريندل «من الطبيعي أن يلجأ الذين يرغبون بتحديد تدفق المعلومات والآراء الأخرى لإضعاف القناة التي تقدم تعددية في الأصوات». وأضاف «أعتقد أنهم يريدون العودة لوضع ما قبل الجزيرة عندما كان يتم نشر الرواية الرسمية باعتبارها الرأي الوحيد وبـدون السـماح لصـوت الشـعب».
و»الجزيرة» مكونة من قناة بالعربية والإنكليزية، يعمل في الشبكة الإنكليزية العديد من المراسلين والمحاربين السابقين في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وتعتبر شبكة إخبارية على مستوى عالمي. وفي أثناء الربيع العربي تجمع حولها مسؤولو البيت الأبيض وفي دوانينيغ ستريت لفهم ما يجري من اضطرابات في الشرق الأوسط.
أما الشبكة العربية فتقدم خدماتها للمنطقة من خلال برامج إخبارية ورأي ورأي آخر ومن منظور إسلامي أصبح واضحاً بعد ثورات الربيع العربي 2011.
وقارن هيو مايلز مؤلف كتاب «أثر الجزيرة» الشبكة العربية بشبكة أنباء «فوكس نيوز» الأمريكية التي يملكها روبرت ميردوخ وتبث تقارير يمينية متطرفة غاضبة وثوران لقاعدتها البيضاء التي تتابعها.
وقال «الجزيرة العربية متحيزة وتدعم الإسلاميين. وأعتقد أن هذا موقف يمكن الدفاع عنه نظراً لوجود الكثير من الإسلاميين ونظرتهم الشعبية في أجزاء مختلفة من العالم. وهي ليست مقبولة من الدول العربية التي تراها تخريبية ومهددة ولكنها تقدم منظوراً».
ويشير سانشيز إلى أن الكثير في الغرب بدأوا يسمعون باسم الجزيرة بعد هجمات أيلول/سبتمبر 2001 عندما كان أسامة بن لادن، زعيم تنظيم «القاعدة» يقوم بإرسال أشرطته من مخبئه في باكستان، إلا أن القناة بدأت برامجها في عام 1996 لتعزيز موقع قطر على الساحة الدولية. وجاءت انطلاقتها بعد عام من وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة.
وعزم الزعيم الجديد تشكيل خط مستقل في السياسة الخارجية ونظر للشبكة الإخبارية كوسيلة لتوسيع حضور بلاده دولياً. وتجاوزت القناة الحدود وتوسعت مشاهدتها بين سكان العالم العربي البالغ عددهم 400 مليون نسمة خاصة بعدما أصبحت الصحون الفضائية متاحة للجميع.
ووسعت القناة مساحة الرأي حيث قدمت منبراً للمعارضة بكل أطيافها بل واستضافت مسؤولين إسرائيليين وهو أمر لم يكن مقبولاً على القنوات الرسمية.
وكان برنامج «الاتجاه المعاكس» الذين يجمع بين أخبار المساء والبرنامج الحواري لجيري سبرنغر حيث يتحول النقاش أحياناً لمواجهة وضرب جسدي. وعلى خلاف الدول الخليجية الأخرى دافعت القناة عن الربيع العربي بل وناقش بعض المحللين أن الانتفاضات العربية لم تكن لتنجح لولا تغطية القناة المستمرة للتظاهرات وتوزيعها أشرطة فيديو التي لولاها لظلت حبيسة في فضاء اليوتيوب. ومنعت القناة في مصر عام 2013 وتعرض مراسلوها للتحرش والاعتقال والترحيل على يد حكومات فلسطين والسعودية والعراق. واعتقل الأمن المصري ثلاثة من مراسليها بعد انقلاب عام 2013 واتهموا بالإرهاب قبل الإفراج عنهم بعد عامين.
والسؤال هو فيما إن كانت الحملة الدبلوماسية والحصارالاقتصادي ستكون كافية بدرجة تجبر الحكومة القطرية على إغلاق القناة. ونقل عن صحافي الشبكة قوله إن الاحتمال القائم هو موافقة قطر على إعادة تشكيل القناة كجزء من المفاوضات لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها وحتى هذا فإنه أثار «الذعر» بين الطاقم في القنوات العربية التابعة للشبكة. وقال الصحافي «الخوف هو عندما تنتهي المفاوضات ويتم تعيين إدارة جديدة حيث يتم التخلي عن كل شخص له موقف».
والمشكلة ستكون معقدة بالنسبة للسوريين والمصريين الذين تعتمد إقامتهم على عملهم في الشبكة وفي حالة عادوا إلى بلادهم فستكون علاقتهم مع القناة مبرراً لسجنهم أو أسوأ.
وعلق الصحافي أن إغلاق «الجزيرة» يعني أن هؤلاء سيكونون بدون بلد لأنهم لا يستطيعون العودة إلى أوطانهم. ومع استمرار الأزمة الدبلوماسية استمر العاملون في الشبكة العربية والإنكليزية في أعمالهم حيث كان الموقف كما يقول تريندل «الهدوء ومواصلة العمل». وقد تكون هناك محادثات جارية على مستويات دبلوماسية «ومن جانب الجزيرة فنحن واثقون أننا هنا لنبقى ونحن ملتزمون بمواصلة عملنا الصحافي».
علبة الكبريت
وتناولت صحيفة «فايننشال تايمز» في تقرير لمراسلتها إريكا سولومون أثر حصار قطر على مصير المحطة «قناة الجزيرة مستهدفة في الحملة ضد الدوحة».
وذكرت في بدايته بكلمات الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي زار مقرها في الدوحة قبل فترة من اندلاع ثورات الربيع العربي التي أطاحت به وعلق ساخراً «هل علبة الكبريت هذه، سبب إزعاجنا». وأشارت الصحيفة إلى أن القناة أثارت الكثير من الجدل في العالم العربي منذ تأسيسها ولغاية يومنا هذا.
وقالت إنها غيرت وجه الإعلام الناطق باللغة العربية وتتعرض لهجمة اليوم. فهي احد أهداف الحملة السعودية ـ الإماراتية من أجل الأخذ على يد الجارة الصغيرة التي تغرد خارج السرب، قطر المتهمة بتمويل الإرهاب والتقارب مع إيران عدوة السعودية اللدودة. فإلى جانب السعودية والإمارات ومصر والبحرين لم تغلق.
وتعتبر شبكة «الجزيرة» بالنسبة للجمهور المتابع لها مهمة لأنها قامت بتقديم آراء متعددة ومتباينة في منطقة راكدة يعتمد المواطنون فيها على الأخبار والمعلومات التي مرت من تحت يد الرقابة الحكومية.
وهناك من يراها مسيسة وأعطت صوتاً قوياً للإسلاميين ولراعيتها الدولة القطرية ـ البلد الصغير الغني دوراً أكبر من حجهما وتأثيراً على الرأي العام في العالم العربي. وحسب رشا عبد الله، المحاضرة في الجامعة الأمريكية في مصر:»عندما قررت قطر إلغاء وزارة الإعلام رحبنا بالخطوة لنكتشف مع مرور الوقت أن الجزيرة لم تصبح وزارة الإعلام القطرية بل وزارة خارجيتها».
وتضيف الصحيفة أن القناة ستكون محور المساومة الرئيسية في أي مصالحة تبرمها الدوحة مع جيرانها في الدول الخليجية. وأضافت الصحيفة أن الكثير لوح بأنها ستغلق. لكن المعلق السياسي الإماراتي عبد الخالق عبدالله قلل من أهمية هذه التكهنات قائلا إن الهدف هو الحد من الأفكار المؤيدة للإسلامين خاصة الإخوان المسلمين وتلك الناقدة للحلفاء في السعودية والبحرين.
وقال «سيطلب منهم التخفيف من الآراء السياسية في برامجهم» وليس إغلاقها مضيفاً «إنها القناة الرائدة من بين الفضائيات العربية أحببت أم كرهت». وعبرت قطر عن ترحيبها بالمبادرة الكويتية وأنها ستتفهم مطالب جيرانها لكن لا يعرف إن كان هذا التفهم يشمل «الجزيرة».
ونقلت الصحيفة ما قاله سفير الدوحة في واشنطن «لو شعروا أن الجزيرة تهددهم فالسؤال سيصبح فلسفياً أكثر» مضيفاً «هل هم خائفون من الإعلام الـحر وحـرية التعـبير؟».
وتتحدث الصحيفة عن دور «الجزيرة» في الإحتجاجات التي أطاحت بأنظمة ديكتاتورية. ويرى نقادها أن القناة ظهرت داعمة للرئيس السابق محمد مرسي وناقدة لعبد الفتاح السيسي. وتقول رشا عبدالله من الجامعة الأمريكية «منذ عام 2013 غيرت من مهنيتها وأصبحت مؤيدة بشكل كامل للإخوان المسلمين».
وتعلق الصحيفة أن «الجزيرة» حتى لو استطاعت الصمود أمام الضغوط السعودية ـ الإماراتية فشعبيتها تتراجع، بسبب انتشار الفضائيات ومعظمها تتبنى القضية نفسها ولهذا السبب تجذب المشاهدين الذين تابعوا «الجزيرة» منذ البداية.
كما وتواجه الآن منافسة شديدة من «سكاي نيوز عربية» و»العربية» المدعومة من السعودية والميادين اللبنانية. وهناك عامل آخر في التراجع وهو زيادة استخدام الوسائل الإجتماعية التي تجذب الجيل الجديد. وهناك من يشعر بالإحباط حتى بين متابعيها مع أن ما تقدمه يخدم فكرتهم مثل الثورة السورية. ويرى ناشط سوري «إنها متحدث باسم الإخوان المسلمين، واختفت الإثارة لمتابعة برامجها أثناء الثورة.
قصة اللوبي
وفي تقرير كتبه مراسل صحيفة «الغارديان» بيتر بيومنت من الدوحة التي يتسيد فيها حديث الناس «الوضع» الذي نتج عن الحصار المفروض من الدول الجارة عليها. فهو موضوع يشغل الجميع في حفلات ابناء الجاليات الوافدة واللقاءات العرضية وبين الأكاديميين في الجامعات الأجنبية ومراكز البحث ويسيطر على الإعلام.
ويقول إن المسؤولين الحكوميين يسألون الصحافيين الزائرين عن «الوضع» وكأن الكلمات التطمينية والداعمة من هؤلاء كافية بجعل المشكلة تختفي. ويعلق بيومنت أن القطريين بعد أسبوع من الأزمة لا يزالون يحاولون الكشف عن الأسباب التي فجرتها وإلى أين يسير الوضع.
وكشف التقرير عن آثار الحصار الاجتماعية والاقتصادية وعلى الملاحة الجوية ونقص العملة الأمريكية في محلات الصرافة التي تستخدمها العمالة الأجنبية التي تشكل نسبة 90% من مجمل السكان.
وينقل عن العامل الفلبيني جون فينسنت، الذي يعمل في تصليح المكيفات «تحدثت هذا الصباح مع زوجتي وطلبت مني أن أرسل كل ما وفرته، هم خائفون وأنا لست خائفاً». ورغم وصول منتجات الألبان التركية التي اختفت من السوق لمدة قصيرة بعد قطع السعودية منتجان الألبان عن قطر وإرسال إيران أربع طائرات شحن محملة بالطعام وخطط لتزويد الدولة بـ 100 طن من الخضار والفواكه يومياً .ويقول إن القلق متمكن لكنه غير واضح. ويقوم محامو شركات الإنشاءات الكبيرة بالنظر في العقود الموقعة بسبب تأخر مواد البناء أو انتهائها.
وتساءل نادر قباني، مدير البحث في معهد بروكينغز ـ الدوحة «إلى أين يتجه كل هذا؟ وهذا هو السؤال الذي يسأله كل واحد» و»في الوقت الحالي يحاول الإستنتاج وكل هذا قائم على التكهن». ويرى بيومنت أن السبب الظاهري وراء الحصار هو ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ان قطر الممول للإرهاب، لكن السبب الحقيقي هو محاولة السعودية والإمارات لمعاقبة قطرعلى سياستها الخارجية المستقلة واستثماراتها الواسعة التي تمتد من لندن إلى طوكيو.
ويقول جنيد أحمد، الأكاديمي المقيم في الولايات المتحدة والذي درس الخليج إن «العداوة القطرية ـ السعودية تبدو أنها جاءت من لا شيء» و»في الحقيقة فإنها موجودة منذ زمن. فكل اللغة المغالية التي سمعناها الأسبوع الماضي من السعودية وحلفائها ـ كيف دعمت قطر الحوثيين في اليمن وشيعة البحرين- كلها عن كون قطر محايدة. ولا يمكن التسامح مع الحياد خاصة عندما يتعلق الأمر بإيران».
تداعيات سلبية
ويرى الكاتب أن الحصار يحمل مخاطر على السعودية خاصة أن وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني طاف على العواصم الأجنبية وحصل لبلاده الصغيرة على تعاطف دولي رغم التصريحات المتناقضة الصادرة عن ترامب والمسؤولين الكبار في إدارته.
وأشار لمخاطر تقارب أكبر بين قطر وإيران بسبب الأزمة بالإضافة للدعم التركي المتزايد لها. وحذر الكاتب من التداعيات المالية للأزمة على جيران قطر التي بدأت تبحث عن ميناء بديل وترتيبات للإمدادات.
وتقوم قطر باستشارة فريق من المحامين في لندن وواشنطن وأماكن أخرى لتحدي مبررات الحصار وأثره على طيرانها الوطني ومحاولة الحصول على تعويضات عن الخسائر. وهناك سؤال يتعلق بالحملة المنسقة التي ركزت الانتباه على جيران قطر وأجندتهم وعلى اتهامات القرصنة الألكترونية التي استعانت الدولة بمحققي مكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي أي» للنظر بها.
كما ربط المسؤولون القطريون الحملة بأخرى مارسها اللوبي المضاد لها في واشنطن والتي تعود إلى كانون الأول/ديسمبر 2016. وقال مدير مكتب الإتصالات الحكومي الشيخ سيف أحمد آل ثاني « بالنسبة لنا فهذا عمل عدواني ويجب التركيز جريمة القرصنة التي حدثت. ويجب أن لا نتحرك من نقطة التركيز هذه».
وتظهر التسريبات لرسائل سفير الإمارات العربية المتحدة في واشنطن عمليات لوبي واسعة ضد قطر. وكما يقول الباحث كريستوفر دافيدسون مؤلف كتاب «حروب الظل: المعركة السرية على الشرق الأوسط»، «أعتقد أن معارضي قطر كانوا يقومون بعمليات ضغط» مضيفاً «أظن أن المستقبل الذي يرونه لقطر، ليس تغيير النظام بل تجريدها من سياستها الخارجية ومصادرها السياسية المستقلة، ويجب أن تكون تابعة».