أخيرا سمحوا له بلقاء بعض اقربائه، ولاسباب غير معلومة فقد اختاروا التاسع من رمضان موعدا لزيارة جاءت التفاصيل الوحيدة حولها في بيان صدر عن الأسرة، وتضمن التنويه بأن المقابلة التي دامت خمسا واربعين دقيقة «دارت في مجملها بعد حرمان وانقطاع من التواصل مع الوالد الرئيس محمد مرسي لمدة أربع سنوات، في سياق الاطمئنان عليه، وعلى أحواله المعيشية وحالته الصحية».
وأن «موقفه ثابت ولم يتغير في رفضه كل الإجراءات المتخذة منذ الثالث من يوليو، تاريخ الاطاحة به في انقلاب عسكري». مع التأكيد على أن صحته جيدة ومعنوياته عالية وثقته في الله لا حدود لها.
وربما كانت تلك الاشارة السريعة إلى أن الرئيس مرسي ثابت على موقفه من الانقلاب، هي اقصى ما يمكن أن نسمعه منه في مثل تلك الظروف. ومن المؤكد أن الهدف الاول من الزيارة كان الاطمئنان على صحة وأحوال أول رئيس مصري منتخب. ولاشك في أن ذلك امر عادي ومشروع، فمن حق عائلته أن تسأل عن تفاصيل حياته في السجن، وكيف يعيش وكيف يمضي وقته؟ وهل انه يعامل معاملة لائقة أم لا؟ لكن خارج تلك الدائرة العائلية فان ما يلاحظ هو أن الاهتمام بحال الديمقراطية والشرعية وحقوق الإنسان في عهد العسكر، انحسر وتقلص للاخر. وربما حصل ذلك لان الحكام نجحوا في افهام الشعوب بأن ما يقومون به «شأن داخلي» بحت لا يهم احدا غيرهم، أو ربما لان هناك من اخذ العبرة من الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، الذي جلب لنفسه كثيرا من الخصوم و الاعداء، حين طالب السلطات في خطاب في الامم المتحدة بان «تطلق سراح محمد مرسي وجميع المعتقلين السياسيين» وصار يفضل الصمت على جني المشاكل والمتاعب، أو ربما لان كثيرين باتوا يقولون في سرهم إن «العين بصيرة واليد قصيرة» مقرين بعجزهم عن فعل أي شيء لتغيير الاوضاع.
المهم هو أن من قرروا النأي بانفسهم عن كل اهتمام، ومن ماتوا من الإحباط، لم يعودوا مصدرا لأي قلق أو إزعاج. أما غيرهم، ممن ظلوا يرددون ذلك المثل المعروف، فقد بقوا يمثلون الخطر الحقيقي. إنهم بحسب التصنيفات الرسمية متعاطفون مع «تنظيم الإخوان الارهابي» وبالتالي فإن دماءهم وأعراضهم واموالهم، وكل ما يملكون مستباحة، وهم ملاحقون إلى أن يزولوا تماما من على وجه الارض. أما كيف نعرفهم وما الذي يميزهم؟ ومن الذي يستطيع أن يقرر ما اذا كانوا متعاطفين أم لا؟ فكل ذلك يبقى من مشمولات النظام وصلاحياته الحصرية. فهو يقدر على قراءة الافكار ويعرف حتى النوايا والمشاعر والأحاسيس وأدق التفاصيل الشخصية للافراد. ويعرف ايضا كيف يقسم شعبه إلى وطنيين صادقين وخونة ارهابيين. وهو في ذلك لا يبتكر جديدا، لأن معظم الأنظمة العربية فعلت ذلك وتستمر في فعله مع شعوبها. ولكن الابتكار الرمضاني لهذا العام، الذي لم يكن ليخطر على البال، هو ذلك الذي توصلت له في العاشر من رمضان ثلاث دول خليجية بالشراكة مع مصر وتجاوز عزل قطر وحصارها، إلى إقامة ما يشبه محاكم التفتيش في ضمائر الناس ومشاعرهم، لفرز الموافقين والمباركين لذلك الحصار الشامل، من الرافضين والمنكرين له ولو بقلوبهم، على اعتباره منافيا لما عرفوه من حقائق التاريخ والجغرافيا. لقد اعلنت تلك الدول قرارا سرياليا، بأن مجرد الإعجاب باي شيء قد يشير أو يدل على قطر، ولو كان علامة أو بحرا أو حتى سماء وصحراء وظباء هو تهمة في حد ذاته. وتكفل النائب العام في الامارات ببعض التفصيلات حين قال إن «ابداء التعاطف أو الميل أو المحاباة تجاه تلك الدولة (اي قطر) أو الاعتراض على موقف دولة الامارات العربية المتحدة، وما اتخذته من اجراءات صارمة وحازمة مع حكومة قطر، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات أو مشاركات أو بأي وسيلة اخرى، قولا أو كتابة يعد جريمة» عقوبتها «السجن المؤقت من ثلاث إلى خمسة عشرة سنة، والغرامة التي لا تقل عن خمسمئة ألف درهم» لما يترتب عنها «من إضرار بالمصالح العليا للدولة والوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، فضلا عما لتلك الممارسات من أثر في إضعاف النسيج الاجتماعي للدولة ووحدة شعبها». ثم زادت وزارة الاعلام البحرينية فقالت هي ايضا انها تحذر من «من نشر أو تداول ما يشكل اعتراضا على قرارات المملكة، أو الدول المتضامنة معها في هذا الشأن، مما يتضمن في محتواه ما ينال من هيبة البلاد واعتبارها أو مسايرة سياسة دولة قطر أو تبريرها ايا كانت وسيلة النشر والتداول».
وإذا كان من المفترض أن مثل تلك الاجراءات غير المسبوقة في تعامل الخليجيين مع بعضهم بعضا لن تستمر طويلا وستزول بزوال أسبابها، أي متى تم التوصل لتسوية ما للخلاف مع قطر، فإنها تلقى في سياق مقابل تساؤلات حول ما اذ ا كانت ستشكل نقطة انطلاق لاستنساخ إجراءات مماثلة أو شبيهة، قد تؤخذ هذه المرة تجاه مسألة اخرى بعيدة عن البيت الخليجي. وما نقصده هنا بالتحديد هو تعامل العرب مستقبلا مع القضية الفلسطينية، ومع ما يعرف بالتطبيع مع العدو الاسرائيلي. فما الذي يمنع غدا دولة أو دولا عربية من أن تطبق على فلسطين مثل تلك القرارات الغريبة وغير المسبوقة، التي تحظر على الافراد اظهار تعاطفهم، مثلما تطبقها الان على قطر، مدعية أن ذلك سيحفظ المصلحة القومية، وما دام قد تم الوصول إلى اتفاق ما مع اسرائيل، فإنه صار محظورا على الافراد أن يظهروا اي مشاعر قد تدل على التعاطف مع الفلسطينيين، أو تشير إلى الكره والعداء لاسرائيل.
قد يرى البعض أن في ذلك نوعا من المبالغة والتجني، وقد يرد آخرون بأن ذلك لم يحصل حتى بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد، ولكن هل كان صدفة أن يقول افيغدور ليبرمان السبت الماضي، أي في عز الازمة الخليجية الاخيرة لوسائل إعلام اسرائيلية «نحن قريبون اكثر من اي وقت مضى من ابرام اتفاق سياسي اقليمي. فمن وراء الستار تحدث اشياء يمكن أن توصل إلى اتفاق تطبيع كامل مع الدول العربية السنية، دون صلة لما يحدث على القناة الفلسطينية». وهل كان صدفة ايضا أن واحدا من بين الاسباب المعلنة لحصار قطر هو دعمها لحماس التي صارت بنظر دول خليجية وعربية «ارهابية»؟ إن المثل الفرنسي يقول «لا اثنتان من دون ثالثة» والأرجح انه بعد التطبيع مع الانقلاب في مصر والتطبيع مع الحصار في قطر سوف يطلب قريبا من العرب أن يقدموا على الخطوة الثالثة والاهم وهي التطبيع الكامل مع اسرائيل، وقطع كل المشاعر والروابط التي تشدهم بفلسطين. أما كيف ستتصرف شعوبهم ساعتها، وهل ستصمت وتنسى كعادتها؟ أم لا؟ فذلك ما ستكشفه الايام بالتأكيد.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية