استوقفتني عبارة في قصة غسان كنفاني (موت سرير رقم 12) يمكن إسقاطها علي واقعنا الآن بعد 44 عاماً من كتابتها، تقول وسمعت صوت الممرض يقول ببساطة في الممر المجاور للباب: مات سرير رقم 12؟! . تم تجاوز إنسانية المريض، محمد اكبر، واختصرت الي رقم. وهذا ما يحصل في واقعنا حين تتعامل بعض وسائل الإعلام بأنواعها مع شهداء فلسطين والعراق، وهذا ما اعتاد عليه عامة الناس المتلقين لرسائل الإعلام.
استشهد في يوم ما عدد من الفلسطينيين…. أحياناً يذكرون كيف وأخري ينتقلون مباشرة الي الخبر التالي. يتجاهلون حقيقة أن كل فرد من هؤلاء الشهداء إنما هو إنسان، كأي متلق لهذا الخبر، له عائلة، وربما هو معيلها، له طريقته الخاصة للحياة تختلف عن أي إنسان آخر… له زوجة، عشيقة، أصدقاء، عمل، أناس لم يحبهم، أمور شخصية تميزه عن غيره، موهبة ذهنية أو مهارة يدوية، ربما كان يحضر القهوة بطريقة خاصة…. إنسان، ذكر اسمه في ميثاق حقوقه. كما الشهداء، كذلك الحال بالنسبة للأسري واللاجئين الفلسطينيين، فهنالك حوالي عشرة آلاف أسير وأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني لا يمكنهم العودة الي قراهم التي هجروا منها من قبل العصابات الصهيونية. إن الاستخفاف بحياة وحقوق وخصوصيات وعموميات إنسان واختصارها إلي رقم بحجة لا يصرحون بها وهي انه الضعيف و(المغلوب علي أمره)، إن ذلك الاستخفاف في الإعلام (يمكيج) من بشاعة فظاعات ترتكب بحق الإنسان الفلسطيني والعراقي. إن قيمة الإنسان في انخفاض مستمر طالما هنالك محتل، طالما هنالك مستغل، طالما هنالك (الإنسان ـ الحيوان) الذي شرع توفيق زياد الحرب عليه، والذي تخلي عن الإنسانية بكل حروفها ومضامينها، وطالما هنالك من يقف في وجه فضح هذه الحقائق والممارسات كما هي واقعاً وطالما كانت الغاية عند بعض وسائل الإعلام تجارية ربحية مجردة من الوطنية والإنسانية.
إلي متي ستبقي قيمة الإنسان مستهلكة بل ومنتهكة لأسباب، ومهما كانت، لا أعيرها أي تقدير؟ وإلي متي سيبقي الإعلام رهينة فئة تجارية تؤجر إنسانيتها مقابل الدولار؟ غير مدركة بانحراف هذا الإعلام عن رسالته وإن أدركت يوماً، من يكترث. لا يهم لمن وكيف يروجون، فمن حيث يدرون أو لا يدرون، طالما هنالك أرباح… فالضمير مرتاح!
سليم البيكرسالة علي البريد الالكتروني6