تزاحمت وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة بأخبار وتحليلات سياسية على المستويين الإقليمي والدولي عن الحصار الذي ضرب فجأة على قطر من قبل دول عربية على رأسها السعودية ومصر والإمارات. استجمعوا كل قواهم وعتادهم وألقوا به في هذا الحصار الكئيب.
يرمون من وراء ذلك تركيع قطر وإحكام السيطرة عليها وعلى القرار فيها فقد أغضبتهم أيما غضب وأقلقت أرباب هذه الأنظمة الثلاثة بعد أن عرتهم وكشفت عن سوء نواياهم. تارة عن طريق «قناة الجزيرة»، التي ما عادوا يتحملون ما تبثه من فضائحهم، وتارة عن طريق مواقف قطر الشجاعة الداعمة للقضية الفلسطينية وأهل غزة المحاصرون بينما هم غارقون في تطبيع سري مع العدو الصهيوني. فلا غرو أن باتت قطر ممقوتة أشد المقت لدى هذه الأنظمة المستبدة وأنه يتحتم بناء على ذلك إنزال أشد العقاب بها ووضعها تحت السيطرة .
هؤلاء الثلاثة الكبار مجتمعين يتهمونها بهتانا بأنها ترعى الإرهاب وتدعمه. ومن سخرية القدر أن يصرح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن على قطر أن تتوقف عن دعم «حماس» التي تكاد تكون المقاومة المسلحة الوحيدة ضد الاحتلال الصهيوني بأرض فلسطين! بل وممن أدرجوه على لائحة الإرهاب لدى قطر فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي» رئيس « الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين» . ولكني لن أخوض كثيرا في سخف هذه الاتهامات . ويبقى السؤال الأهم : هل ستصمد قطر أمام هذا الحصار الغاشم وتخرج منه ظافرة؟ إني والله لأراها على جادة الصواب وأرى محاصريها مكبلين بالخسارة والتراجع، وأرى أن مآلات الأمور ستؤول إلى إنصافها ونصرتها فقد صرح أميرها أنه يفضل تحمل هذا الحصار إلى الأبد ولا يقبل الذل والانصياع . إن قطر ستخرج من الحصار ظافرة منتصرة لأن من دبروا هذا الأمر بليل نسوا عناصر عديدة.
أولا نسوا أن قطر ليست وحدها لا على المستوى الإقليمي ولا العالمي فحليفتها تركيا سارعت لإرسال قوات عسكرية إليها كما تقف إلى جانبها سياسيا. أما على المستوى الأوروبي فإن وزير الخارجية الألماني صرح مرارا بدعم بلاده لقطر وكونها شريكا استراتيجيا في حربها على الإرهاب . وكذا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اتصال هاتفي أعرب عن دعمه لقطر وعن رغبته في تطوير العلاقات معها. كما أبدت القيادة في روسيا دعمها لقطر وهذا قد يفتح الباب للصين أن تدلوا بدلوها في محاولة لكسب مزيد من عقود العمل في قطر . ومن حماقة هذا الحصار أيضا أن يفتحوا الباب واسعا لإيران التي تستغل الفرصة فتعرض خدماتها على قطر، وحينئذ لن يجرؤ أحد على إلقاء اللوم على الدوحة، ناهيك عن اشتراكهما في بئر للغاز المسال تحت سطح البحر. ثم نسوا أن قطر هى الأولى على مستوى العالم في تصدير الغاز المسال وأن حصارا كهذا لن يجعلها تخضع ولها في «حصار غزة» الأسوة الحسنة وهم الفقراء المحاصرون برا وبحرا وجوا ولم يركعوا.
والمواطن القطري هو الأعلى دخلا على مستوى العالم بفضل الاقتصاد القطري القوي . ثم نسوا أن داعمهم الأول في هذه المؤامرة يواجه في هذه الآونة بالكونجرس تحقيقات غاية في الحساسية قد تأخذه إلى مصير سلفه الأسبق ريتشارد نيكسون. ساعتها سيكون الثلاثة في خندق المؤامرة وحدهم وسط انتقادات دولية لن ترحمهم . ومما يهون من شأن هذا الحصار أن ادعاءاتهم لا تخرج عن كونها اتهامات إذ لم يقدم أحد منهم ما يثبت تورط قطر بالإرهاب أو دعمه . بينما دولة الإمارات متورطة بالأدلة الدامغة والموثقة في حركة الانفصاليين في اليمن، وكذا إمدادها قوات العقيد حفتر المناهض لحكومة الوفاق الوطني في لبيا بمروحيات قتالية. سيصل الذين يحاصرون قطر إلى لا شيء.
كاتب من مصر
محمد زوام