لا حدود للمفارقة في عالم فيه تتقدم شبكة «الجزيرة»، التي مصدرها المال والمصالح لنظام شمولي، التماسا إلى محكمة العدل العليا ضد اغلاق فرعها في إسرائيل، بل وبدعوى ان هذا سيكون «مسا بالقيم الديمقراطية وحرية التعبير». عبث لدرجة أنه لا يمكن له أن يمر بصفته نكتة. «يتلبسون»، اشتكى مدير المحطة هذا الاسبوع «هذا نوع من التحريض». الرحمة، حقا. فالجزيرة كما هو معروف، هي شبكة تلفزيون طاهرة لم تعن بالتحريض أبدا.
كان محقا من قال ان الكذبة الافضل تقوم على جزيئات من الحقيقة. هكذا بحيث يكون من الصعب دحضها. هذا هو نهج الجزيرة التي يدعي مسؤولوها بأنه بالنسبة للمحطات التلفزيونية العربية الاخرى فإنها متنورة وغير منحازة. بشكل نسبي قد يكون هذا صحيحا، ولكن بالذات بسبب تخفيها في صورة شبكة «بالاجمال تقوم بعملها الصحافي»، فإن دعاية الجزيرة، التي أفادت «يديعوت احرونوت» بالنية لاغلاقها أول أمس، أسوأ من محطات عربية اخرى. فالشعارات التي تطلق باللغة الليبرالية تختلط هناك بطلاقة «صحافيين» ذوي مسحة غربية من أجل خلق تحريض مناهض لإسرائيل يكون ذكيا مع طعم من الثقافة الدولية. في نظرة الجمهور العربي قد يكون بالفعل يدور الحديث عن أهون الشرور، حيث ان الإسرائيليين لن ينالوا هناك تسمية «الخنازير» و «القرود». ولكن في النظرة الغربية فإن الجزيرة هي آلة تشهير مشحمة من قبل قطر.
المحزن هو انه في عالم لا حدود فيه للمفارقة، يتبين أن قطر والجزيرة ليستا وحيدتين. فمن يقول الحقيقة في هذه القصة؟ لا أحد. لقد سارع ليبرمان إلى القول ان «هذه آلة تحريض من النوع الاكثر حقارة، على نمط المانيا النازية». ليت هذا كان صحيحا، إذ أنه لو كانت الجزيرة بالفعل «قناة دعاية نازية» لكان من السهل نزع شرعيتها. المشكلة مع الجزيرة هي التشهير الرقيق، الذكي، الذي يدعي الموضوعية. المشكلة هي في التخفي.
اكثر من هذا، لو كان الحديث يدور عن «قناة دعاية نازية»، فلماذا كان الكثير من الشخصيات العامة الإسرائيلية يظهرون فيها هناك؟ الجزيرة تشهر هنا بمتعة منذ عشر سنوات، فما الذي حصل الان؟ ما حصل هو أن ترامب كان في المنطقة، احتك بالسعوديين، طلب من إسرائيل التعاون في المقاطعة على قطر، ونحن، الصهاينة، الذين ملتنا جدا الدعاية اللاسامية فقط عندما تكون هذه مناسبة لمصالحنا، قررنا اغلاق الجزيرة.
ان الموقف الليبرالي من الجزيرة لا يقل سوءاً. «نحن لا نحرض، بل ننقل الاخبار، واذا كانت الاخبار بشعة ـ فهذا ليس ذنبنا»، يشكون في الجزيرة، وفي واقع الامر يحاكون التلون الليبرالي الذي يسمح بالكراهية، طالما تصاغ بالكلمات الصحيحة. هذا التلون يسمح لوسائل الاعلام مثلا، بأن تغطي بتوسع ادعاءات المدير المضطهد للجزيرة، ولكن تتجاهل منع بث فيلم وثائقي عن اللاسامية في فرنسا وفي المانيا كي لا يمس بمصالح فلسطينية.
اليسار يتنازل للجزيرة لانها تتحدث بلغته وهي اقل سوءا من الشبكات العربية الاخرى.
تعالوا نقول انه إذا الغت السعودية المقاطعة على قطر، فحتى الوطنيون الذين يقودوننا سيقبلون بخنوع استمرار التشهير الثابت بإسرائيل وسيعودون للظهور في هذه القناة الدعائية كل يوم. كل واحد يتنازل لهذه الفضيحة المتواصلة انطلاقا من مصلحته.
معاريف 15/6/2017