عصر ما بعد غالبريث
د. عبد الوهاب الافنديعصر ما بعد غالبريث(1)في عام 1977 بدأت القناة الثانية في تلفزيون الـ بي بي سي عرض البرنامج الوثائقي عصر زوال اليقين لمقدمه جون كينيث غالبريث. كنا في ذلك الوقت نقيم في مساكن للطلاب ملحقة بمطار مدينة كارلايل في شمال غرب انكلترا حيث كنا نتلقي دروس الطيران. وكانت هناك مشكلة صغيرة هو أنه كان لدينا في النزل جهاز تلفزيون واحد، وكان بقية الاخوة كلهم يفضلون مشاهدة برامج ترفيهية أخري. ولم يكن هناك حل سوي الذهاب الي البار الملحق بالمطار، حيث كان صاحبه يملك جهاز تلفزيون صغيرا يسمح لي بمتابعة البرنامج عليه في المنطقة الخلفية من البار، وهو أمر حرصت عليه بشدة حتي انتهت الحلقات.(2)كان ذلك أول عهدي بأعمال غالبريث، وكان الأمر يستحق كل ذلك العناء، لأن الرجل قد لخص في تلك الحلقات بأسلوبه الجذاب تاريخ الفكر الاقتصادي الحديث وقدمه في قالب يسهل علي غير المتخصصين من أمثالنا الالمام بكل ما يحتاج المرء الي معرفته. ومنذ ذلك الوقت حرصت علي متابعة أعمال غالبريث الذي كان بحق واحداً من آخر المفكرين العظام في العصر الحديث، رغم أنه لم يفز بجائزة نوبل أو ما شابهها، ربما لأن زملاءه من الاقتصاديين لم يكونوا راضين عن كتاباته الموجهة الي عموم الجمهور.(3)غالبريث الذي رحل هذا الأسبوع عن عمر مديد قارب المائة عام (97 عاماً بالتحديد) يعتبر شخصية فريدة، جمع بين التميز الأكاديمي والعمل العام. ولد في كندا واكتسب الجنسية الأمريكية عام 1937، ثم ما لبث أن أصبح في بداية الحرب العالمية الثانية المسؤول عن سياسية تحديد الأجور والأسعار في الولايات المتحدة قبل أن يتولي مسؤولية تحديد حجم الأضرار التي كان القصف الأمريكي يسببها للاقتصاد الألماني (خلص الي أن القصف كان يكلف أمريكا اقتصادياً أكثر مما كان يكلف ألمانيا!). وفي عصر الرئيس جون كينيدي عين سفيراً للولايات المتحدة في الهند. ولكنه قضي معظم عمره أستاذاً للاقتصاد بجامعة هارفارد.(4)ولعل غالبريث الذي تخرج في كلية الزراعة في أونتاريو في موطنه الأصلي كندا قبل أن يحصل علي دكتوراه في الاقتصاد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي هو آخر الاقتصاديين الليبراليين العظام. فقد اشتهر بنقده الحاد للمقولات السائدة في الفكر الرأسمالي الحديث، مثل الزعم بأن التنافس الحر بين الشركات والمؤسسات هو الذي يحدد الأسعار، أو مقولة أن المستهلك هو صاحب السيادة في النظام الرأسمالي، حيث فند كل هذه المقولات وأثبت عدم صحتها. وقد انتقد في أشهر كتبه مجتمع الرفاه ، 1958، رفاهية القلة وسط فقر الأغلبية واهمال البيئة والبنية التحتية في أمريكا والمجتمعات الصناعية.(5) كان غالبريث أيضاً من أشرس منتقدي مقولات الاقتصاديين النقديين الجدد وعلي رأسهم مدرسة شيكاغو وزعيمها ميلتون فريدمان، وهي السياسة التي طبقها رونالد ريغان وسار علي نهجه فيها كل من بوش الأب وبوش الابن. وقد جادل غالبريث بخطل مقولة أن تخفيض العبء الضريبي علي الأغنياء وتخفيض الانفاق الحكومي هما السبيل لتحسين الاقتصاد، قائلاً بأن من المدهش القول بأن الأغنياء لا يجتهدون في عملهم لأنهم يشكون من نقص الأموال، بينما الفقراء لا يعملون لأنهم يشكون من كثرتها!(6)حجج غالبريث يبدو أنها منطقية، ولكن الواقع صدق مقولات النقديين والليبراليين الجدد، في المدي القريب علي الأقل، حيث حققت السياسات الريغانية والثاتشريين الداعية الي العودة الي الرأسمالية المتوحشة نجاحاً مذهلاً دفع حتي بالاشتراكيين الي تبنيها. اننا علي ما يبدو لا نعيش في عصر ما بعد غالبريث فقط مرحلة انعدام اليقين، بل مرحلة غياب المنطق أيضاً.9