شملت مواضيع امتحانات الباكالوريا الفرنسية في الفلسفة هذا العام الأسئلة التالية: هل الملاحظة كافية للمعرفة؟ هل من العدل أن أفعل كل ما يحق لي؟ وهل الدفاع عن الحقوق هو دفاع عن المصالح؟ أما موضوع الامتحان الذي أرى أنه يجدر بكل إنسان أن يطرحه على نفسه، ولو مرة واحدة في العمر، فهو المتمثل في هذا السؤال: هل يمكن للمرء أن يتحرر من ثقافته؟ وواضح هنا أن المقصود بثقافة المرء هو ثقافة مجتمعه، أي الثقافة التي ولد فيها ونشأ دون اختيار، تماما كما أنه لم يختر والديه ولا بلده ولا عصره.
هل يمكن للمرء أن يتحرر من ثقافته؟ سؤال طالما خطر لي كلما التقيت، أو سمعت، بشخص ولد ونشأ في أوروبا أو أمريكا ثم قادته الهداية الربانية، بعد رحلة بحث طويلة، إلى دين الإسلام (إذ إننا نؤمن، نحن المسلمين، أننا «ما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله»). كنت أسائل نفسي: لو كنت نشأت مثل هذا الشخص الذي ينتمي الآن إلى الإسلام بمحض الاختيار، وليس بالوراثة الاجتماعية، نشأة أوروبية أو أمريكية، هل كنت أستطيع أن أستجمع من استقلالية الذات وشجاعة الرأي ما يجعلني أخرج على السائد في وسطي العائلي والاجتماعي؟ هل كنت أستطيع أن أتحرر من ثقافتي وأختار ديانة غير ديانة أهلي؟
أعرف أن الأستاذ محمد الطالبي، رحمه الله، كان يقول إن الإسلام ديانة وليس ثقافة، بمعنى أنه دين عابر للثقافات أو متعال عليها، وأن البون الثقافي شاسع بين الأفغاني وبين التونسي، على سبيل المثال، رغم اشتراكهما في الديانة. كما أن كليفورد غيرتز، شيخ الانثروبولوجيا الثقافية في أمريكا، كان يقول إنه لا يمكن للعالم الإسلامي أن يشكل خطرا على الغرب لأن الفرق كبير بين الإسلام في أندونيسيا والإسلام في المغرب. ولعل إدراك حقيقة التعدد هذه هو الذي حدا ببلدية باريس عام 2005 إلى إنشاء مؤسسة باسم «معهد ثقافات الإسلام»، هذا فضلا عن أن إذاعة فرنسا الثقافية ظلت تبث طيلة أعوام برنامجا ممتازا بعنوان «ثقافات الإسلام» كان يقدمه الكاتب التونسي عبد الوهاب المؤدب، رحمه الله، وقد خلفه في تقديمه الكاتب الفرنسي عبد النور بيدار ثم المفكر الجزائري غالب بن الشيخ. كما أن من أهم الأبحاث الجديدة حول تاريخ المسلمين وحاضرهم تلك الأبحاث التي ينشرها منذ سنوات مجموعة من الجامعيين التونسيين في سلسلة باسم «الإسلام واحدا ومتعددا».
كل هذا مفهوم. الديانة عابرة للثقافات ومتعالية عليها. ولكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تحجب حقيقة أخرى ملازمة لها: وهي أن كل ديانة قد فعلت فعلها في مختلف الثقافات التي انتشرت في مجالها الجغرافي حتى صارت مقوما من أهم مقومات كل ثقافة من هذه الثقافات. وبما أن تربية الطفل الصغير هي تنشئة على ثقافة معينة، وبما أن هذه التنشئة الثقافية تتضمن وجوبا تلقينا لمبادئ ديانة هي مقوم أصيل في تلك الثقافة، فإن معظم الأطفال إنما يدينون بديانتهم في سياق اكتسابهم العائلي والاجتماعي والمدرسي لثقافتهم. فلا يمكن بعد ذلك الفصل في الضمير الفردي بين الانتماء الثقافي والانتماء الديني لأنهما متضافران متناسجان. ولهذا فإن طرح مسألة الثقافة الاجتماعية يفضي بالضرورة لطرح مسألة الهوية الثقافية. وهكذا تصير الديانة، على المستوى الفردي، مقوما في الثقافة التي هي أهم مقوم في الهوية.
فهل يمكن للإنسان أن يتحرر من ثقافته؟ طبعا هذا ممكن في العموم، ولعله يكون ضروريا في بعض الحالات (مثل حالة الثقافات التي ينتشر فيها الإيمان بالشعوذة والسحر أو التي تضفي شرعية على ظلم المرأة أو تكرس اللامساواة بين البشر). ولكن الإشكالية تقع في تحديد معنى التحرر. إذ تفيد الملاحظة أن التحرر التام شبه مستحيل، وأن أقصى المستطاع هو أن يقرر المرء «التماسف» (حسب ترجمة المفكر الفلسطيني جورج زيناتي لمفردة distanciation) أي اتخاذ مسافة نقدية من الثقافة القائمة والنأي بنفسه عن مظالمها ومفاسدها. والأمثلة كثيرة في التاريخ الحديث والمعاصر لأفراد يتمردون على العنصرية السائدة في ثقافتهم، أو يناهضون الجرائم الاستعمارية التي ترتكبها دولهم باسم رسالة حضارية تختلط فيها حقائق التقدم الثقافي بأباطيل التفوق العرقي. إلا أنه يبقى أن التحرر الفردي من الثقافة الاجتماعية صعب، بل شبه مستحيل، في المجتمعات التي تحرّم حرية الرأي وربما تجرّم حرية الضمير، بل إنها تكاد تمنع الفرد من مجرد التفكير.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي