الحركة/ النصّ/ الثورة

حجم الخط
0


الحركةُ علاج المرضى وبلسم المسافرين الذين لا أمل لهم في الرجوع، وعلاج من لا علاج له أو علاج من كان فاسدَ المزاج.
لا يعرف الحركة من هو كسيح مُقْعد تحت سياط أمطار نازلة مَحْضَ عطاء.
النصّ هو المحرّك والحركة شوقُ النصّ الأبديُّ إلى الأفعال والأسماء والكلمات والحروف والعلامات والإشارات…
ثمّتَ من لا يعرف من المحرّك سوى صوته، والحركة هي فِعْل المحرّك فيمن ‘لا حراك به’.
بالحركة تكتمل الدائرة التي هي أصل وكمال الأشياء في الأشكال والوجود. النّصّ حركة الحركات لا يحتاج إلى أحصنة إلاّ إذا كان عربة، وصهيل الأحصنة غبار ذهبيّ أو ألف فراشة ذهبية. وقُيل للمحرّك (الآلة) إنّه بقوّة ألف حصان مثلا، فلماذا لم يقولوا إن المحرّك بقوة ألف بغل أو ألف حمار أو حتّى بقوة ألف ذبابة؟ فما أكثر البغال والحمير والذّبابَ وما أقلّ الأحصنةَ والجياد الأصيلةَ.
‘ الشّاعر يشبه حصانا أسودَ وحيدا
عُرْفُهُ خصلة نار
وصَهيل مُبلّل بالانكسار
يجري في دوران دائم’.
و’الحصان لا يعدو من أجل أن يُرخي له الفارس العنان ويخزه بمهمازه’. فلماذا لم يشبّه ‘شيركو بيكه سِ’ الشّاعر إلاّ بالحصان، ولم يشبّهْه ببغل أو حمار أو ثور أو فيل.
والحركة حركات، أما إذا كان النصّ هو المحرّك نفسه الذي يتحرّك من داخله فهو العالَم، حيث لا وجود لمُحرّك يتحرّك وحده، إلاّ إذا كان وجوده هو الحركة الوحيدة ذاتها بما هي علّة وجوده أو علّة العلل، طالما كانت في شوق طبيعي إلى الحركة أو إلى محرّكها.
ولمّا كانت كلمة ‘كن’ محرّكة للعالم، فهي نصّ يفترض وجود محرّك. وإذا كان النّصّ حركةَ ذاتٍ سمّيناها ‘ذاتا شاعرة’ باثّة مرسلة منشئةً، سمّيناها نشْئا وإنشاء وتنْشئةً. فالذات محرّكة خالقة والنّصّ متحرّك مخلوق’ في دوران دائم’ مثل حصان ‘شيركو بيكه سِ’ الأصيل.
والنّصّ هو الجواد الأصيل وهو في الآن ذاته صهيل وحمحمات وعرقٌ.
وإذا كان النّصّ جماعة أو نصوصا أو حركات فهو جمْع لذوات محرّكة (خالقة) متحرّكة (مخلوقة) في آن فهو حركة ذوات مُحرِّكة مُتحرّكة، وهو حركة نصوص تصهل في الصّدى، والصهيل موسيقى أو إيقاع (وقّعت المطر أي أصابت أرضا ولم تصبْ أخرى) وهو رؤى وأخيلة راقصة مجنّحة لدى جماعة أخرى.
ولزمرة القائلين بالقصب والناي، فيما يتعلّق بأصل الغناء والقصب والهواء ونافخه، القصب مادّة مثقوبة بالهواء (مادة وكتلة وحجم)، يشكل بها الخالق (الشاعر لدى اليونان) أو المُنشئ أو المحرّك نايا يجري فيه إيقاع النّصّ (الحركة أو فعلها) أو مجموع أصواته أو إيقاعاته أو صداه أو صهيله، والنّافخ في القصب هو خالق الناي (من مادة القصب) فإذا كان النّصّ (إيقاعا) فله صوت وإذا لم يكن صدى فليس له صوت أصلا، فهو في لجّة العدم. والقصب إذا تشقق بعد جفافه انكسر واحترق وتحوّل رمادا أو دُبالا تعفّر بالتّراب والماء تحت الأشجار حتى تحول سمادا، والنصّ إذا تشقق تفجر نبعا وماء. فأين الموتى من تشقيق النصّ/الحركة أو النصوص/الحركات.
وبناء على ذلك، الحركة فعل تحرّر من القيود والمشتَرَكِ. وكل حركة لا تحمل ثورة هي سكون وعدم وموت وفناء وانتفاء.
الحركة حياة والجياد الأصيلة عرقٌ في الأصل وجهد وعمل وبناء وفعل. وفعل الأمر من تحرّك بمعنى ثُرْ أو قم بثورة فالحركة ثورة وحياة وبناء.
أما تعريفنا للميّت (الذي لا حراك به) فهو ‘الذي لا يملك غير رأسه وفردة حذاء’ كما يقول ‘غارثيا لوركا’.

*عضو نقابة كتاب تونس وعضو حركة نص

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية