د. صبري صيدم
قبل أيام وفي لقاء جمع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي برأس الدبلوماسية الأمريكية جون كيري تقدم نتنياهو بشكوى إلى ضيفه حول أغنية فلسطينية، قال عنها وحسب الإعلام الإسرائيلي “تحريضية” كونها تشير إلى حيفا وبيسان وغيرهما من المدن التي تعتبرها إسرائيل اليوم مدناً إسرائيلية.
وبذلك يضم نتنياهو إلى قائمة التحريض والممنوعات أغنية فلسطينية تراثية أصيلة، موسعاً بتلك القائمة المزيد من القيود لتشمل، وحسب نتنياهو وأباطرة اليمين في إسرائيل، القدس التي يرونها “عاصمة أبدية” ولا حق للفلسطينيين بها، وحق العودة الذي يقولون فيه بأنه يهدد هوية الدولة العبرية، وحدود الرابع من حزيران التي يقول نتنياهو اليوم صراحة بأنها ليست المرجعية لأي شيء، ناهيكم عن حل الدولتين المبتور حسب رؤيته، والمستوطنات والجدار والأغوار ويهودية الدولة والأسرى والمياه، والقائمة تطول لتشمل الاحتجاج على تسمية شوارع بأسماء شهداء فلسطينيين قضوا خلال عقود الصراع.
ولا أستبعد أن يأتي يوم تعتبر فيه كلمة “فلسطيني” تحريضاً سافراً فيعود رئيس الحكومة الإسرائيلية للشكوى والأنين جراء استعمالها.
نتنياهو بطبيعة الحال يفترض أن الفلسطينيين ولدوا خرافاً يسوقها كما يشاء وينحرها متى يشاء، ويقدم لها قائمة ممنوعاته ويطلب منها أن تطيع أوامره وتتربع أمامه مستقبلة الركل والنحر وحد السيف باستسلام وروية.
منطقٌ لم يسبق أن سمعناه أو درسناه في حكايا التاريخ وعبره، بل ان الخراف ذاتها تحاول جاهدة الدفاع عن نفسها، فما بالكم بمن اكتوى بنار الاحتلال لعقودٍ خلت.
المحرض الأول على إسرائيل للذين يهتمون بترجمة مقالاتي للبحث في ثناياها عن مواد التحريض فينشرونها في مواقعهم ومراصدهم هو نتنياهو ذاته، الذي بغطرسة أدائه وتصريحاته ومواقفه ومواقف حلفائه وإئتلافه يعتبر المحرّض الأول على إسرائيل، لأنه وبمنطق القوة وجبروت القمع وسيف الاستيطان ومفهوم الإكراه يجر على إسرائيل الحنق والنقمة، ليس فقط من الفلسطينيين فحسب وإنما أيضاً من قبل العالم الحر، بمن فيهم حلفاء إسرائيل وإصدقاؤها الذين يفكرون بالمستقبل الذي سيشهد تغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية مما سينعكس لا محالة على الدولة العبرية.
وهنا أذكر وفي معرض لقائي ذات يوم بأحد الوفود الأوروبية، ذلك الرجل الطاعن في السن الآسيوي الأصل الذي قدم نفسه على أنه عضوٍ في مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزبه فاستعجبت لأمره، خاصة أنه من مجتمع لطالما ناصب الاحتلال تاريخياً العداء، فسألته عن سبب اهتمامه بأن يكون صديقاً لإسرائيل فقال بأن إسرائيل تحتاج لأصدقاءٍ عقلانيين اليوم حتى ينبهوها إلى أن ما تفرضه زمن القوة لن يشفع لها زمن الضعف، وأن إكراه الناس لا يجر المحبة عنوة وأن الجدران العالية لن تخلق لك جيراناً يقبلونك.
هذا المنطق في مخاطبة إسرائيل بات يردده الكثيرون ممن يحذرون حكومة الاحتلال من العزلة والقطيعة، جراء قناعة العالم بأن قصة الاحتلال وتصرفاته وغطرسته باتت قضية مملة ومفضوحة وواضحة تحتاج إلى خطوةٍ جريئة لإنهائه، بحيث لا يكون نهم السيطرة على امتارٍ مربعة من الأرض أهم من سلامٍ عادلٍ وصريح.
اليوم يختار رئيس حكومة الاحتلال أن يفرد جانباً من وقته الرسمي ليشكو أغنية فلسطينية، وبالأمس وجد غيره الوقت ليسرق أكلاتنا الشعبية وأزياءنا وحصيلة تراثنا. واليوم يعود نتنياهو من جديد بصحبة إئتلافه الاستيطاني العنصري ليطلب من الفلسطينيين أن يقبلوا بتصرفاته، من دون أن يمتلكوا حق الشكوى لا لضيوفهم ولا لمؤسسات الأمم المتحدة وربما لا لرب العباد! منطق القوة يحاول من جديد وباستماتة أن يغلب منطق العقل… التاريخ بيننا.
*كاتب فلسطيني