الأحداث الجارية في العالم العربي تركز على الاهتمام بمفهوم الديمقراطية وهو مفهومٍٍ يبدو غامضا في نظر الكثيرين الذين لا يرونه أكثر من نتيجة العملية الانتخابية التي تكون في صالح المجموعة التي تطمح إلى الحكم سواء كانت تلك المجموعة ذات توجه ديمقراطي حقيقي أم ذات توجه طائفي أو أيديولوجي يقصي الآخرين عن المشاركة في الحكم بطريقة فعالة، وذلك ما يجعلني أتوقف لاستيضاح المدلول الحقيقي للديموقراطية وكيف يتم تنفيذها في بلدان العالم الغربي على نحو الخصوص.
يقول المختصون، الديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه، وقد يركزمدلولها على الديمقراطية الليبرالية السائدة في بعض بلدان العالم الغربي .وهو ما يعتبره المختصون خطأ فادحا. ومن هذا المنطلق يكون التركيز – دائما – على أن الديمقراطية هي النظام السياسي الذي تحكم فيه الأكثرية مع التداول السلمي للسلطة . أما الليبرالية فتعني التركيز على حقوق الأفراد والأقليات وإلزام الأكثرية بمراعاتها في كل الظروف.
و قد يكون هناك تقارب أو تباعد بين مفهومي الديمقراطية والليبرالية يشبه ما قد يكون بين مفهومي الديمقراطيية والعلمانية بحسب رأي الأغلبية، ذلك أن التركيز على حكم الأغلبية قد لا يضع قيدا لها في مسألة الاقتناعات التي هي وليدة ثقافة اجتماعية سائدة.
وعلى الرغم من القلق الذي يساور الكثيرين في مسألة تطبيق الديموقراطية فإن أكثر من نصف سكان الأرض يمارسون شكلا من أشكالها كما هو الشأن في أوروبا والأمريكتين والهند وكذلك الصين التي تقول انها تمارس نوعا من أنواع الديمقراطية تطلق عليه اسم الديموقراطية الشعبية. وهذا الوضع يعكس حقيقة واقعة هي أن مصطلح الديمقراطية قد يضيق في مدلوله وقد يتسع عندما يعبر عن ثقافة مجتمع بأكمله، ذلك أن كثيرا من الأحزاب قد لا تركز على برامج أو مدلولات سياسية ويكون تركيزها على نوع الثقافة التي تؤمن بها.
وإذا توقفنا عند البلاد التي تطبق النظام الديمقراطي وجدنا أن الولايات المتحدة تأتي دائما في المقدمة، ويسيطر على الساحة السياسية فيها حزبان هما الحزب الديمقراطي الذي تأسس في عام 1834والحزب الجمهوري الذي تأسس في عام 1854ويتداول الحزبان السلطة في البلاد منذ الحرب الأهلية ويعتبر الرئيس ‘ثيودور روزفلت’ هو الرئيس الوحيد الذي كان ينتمي إلى حزب ثالث هو الحزب التقدمي.
ومن خلال هذا النظام تمكن الرئيس ‘باراك أوباما’ الذي يرجع إلى أصول أفريقية من الفوز في انتخابات الرئاسة في عام 2008.
وتعتبر المملكة المتحدة من أهم النظم الديمقراطية في العالم، وهي تعتمد على نظام ملكي دستوري تكون فيه الملكة في قمة الهرم تملك ولا تحكم، والملاحظ هو أن النظام الديمقراطي في المملكة المتحدة يعمل بدستور غير مكتوب ولكنه مدعم بالمصادر المتمثلة في فتاوى القضاة والسوابق القضائية والمعاهدات الدولية ويستطيع البرلمان البريطاني أن يجيز قوانين يصبح من الصعوبة بمكان في المستقبل تغييرها .
ويلاحظ أن النظام الديمقراطي البريطاني هو الذي يحتذى في جميع أنحاء العالم، ويتكون هذا النظام في قمته من مجلس العموم الذي يتم انتخابه ومجلس اللوردات الذي يتم تكوينه عن طريق التعيين .ويتم اختيار رئيس الوزراء بعد الحصول على ثقة مجلس العموم بكونه الزعيم لأكبر حزب فاز في الانتخابات العامة. ورئيس الوزراء يشكل وزارته وتتم الموافقة على تعيين رئيس الوزراء والحكومة بواسطة الملكة، وتحترم الملكة في العادة اختيارات رئيس الوزراء .
ويوجد في المملكة المتحدة في الوقت الحاضر ثلاثة أحزاب رئيسية هي ‘حزب المحافظين’ و’حزب العمال’ و’الحزب الديمقراطي الليبرالي ‘.
أما نظام الحكم في ألمانيا فيتميز بأنه نظام اتحادي، ولذلك سميت بجمهورية ألمانيا الاتحادية، وهذا النظام يمازج بين السلطات المركزية المتمثلة في الحكومة الاتحادية والمجلس النيابي الاتحادي وبين السلطات المتمثلة في السلطات المحلية للولايات الست عشرة .
وإلى جانب هذه النظم فإن هناك ما يعرف بالنظم شبه الرئاسية كما هو الشأن في فرنسا حين قام الرئيس شارل ديغول في عام 1958بتأسيس الجمهورية الخامسة >
وفي النظام شبه الرئاسي تكون السلطة موزعة بين الرئيس ورئيس الوزراء ويكون من حق الحكومة إصدار القوانين بشرط أن يوافق عليها رئيس الجمهورية وتستطيع الحكومة طرح القضايا التي يناقشها مجلس الشعب وقد يكون هناك إلزام بأن يجيب عليها بنعم أو لا بدون تعديل أو إضافة.
وفي النظام شبه الرئاسي يستطيع رئيس الجمهورية حل البرلمان أو مجلس الشعب. وتستطيع الجمعية الوطنية فصل رئيس الوزراء. وفرض حالة الطوارىء واستفتاء الشعب قي قضايا مهمة.
أما المرجعية الدستورية في هذا النظام فتكون في يد مجلس دستوري .
وتنشأ المشكلة الرئيسية في النظام شبه الرئاسي عندما تتصادم مصالح رئيس الجمهورية مع مصالح رئيس الوزراء وتعرف هذه المشكلة في فرنسا بمشكلة التعايش المزدوج خاصة عندما يكون رئيس الجمهورية من اتجاه فكري مناقض لاتجاه رئيس الوزراء. وكما نرى فإن أنظمة الحكم الديمقراطي تتعدد في أشكالها وتوجهاتها ولكنها جميعا تحترم إرادة مكوناتها الرئيسية، إذ لا يحاول اتجاه أن يتغول على حقوق اتجاه آخر لحرمانه من ممارسة حقه.
ويبدو واضحا أن كثيرا من الاتجاهات التي ذكرناها تستند إلى أسس ثقافية ولا تستند بالضرورة إلى أسس سياسية خالصة، ولا يبرر هذا الاستناد أن تعتدي هذه الاتجاهات على حريات الآخرين، لأن أهم ما يميز النظام الديمقراطي هو التعايش السلمي بين سائر الأطراف، وإذا تساءلنا عن الأسباب التي تجعل هذا النظام غائبا في العالم العربي في معظم صوره وجدنا أن السبب الرئيسي هو أن بعض الاتجاهات لا تريد أن تتنازل إلى اتجاهات أخرى بمنحها مساحة في التعبير عن نفسها .وذلك ما يجعل من الصعب ممارسة القيم الديمقراطية كما ينبغي. ونستطيع أن نرى في ما يحدث في بعض البلاد العربية في الوقت الحاضر نموذجا لما ذهبنا إليه وذلك هو السبب في تعطل كثير من الدول العربية عن أداء مهامها المعتادة والانصراف إلى حلقة مفرغة من الصراع.
‘ كاتب من السودان