يسحقون القانون… سكرة القوة

حجم الخط
0

لو كان ناشر تلقى مسودة لكتاب جديد، يتحدث عن محققي وحدة النخبة في الشرطة تدخل دون تردد إلى دار نشر تقع في قلب صحيفة كبيرة في إسرائيل، فتصادر حواسيب ومواد، وتأمر مدير عام دار النشر الذي هو ايضا صحافي قديم ويحمل بطاقة صحافة أن يرافقها للتحقيق، لكان هذا الناشر رفض المسودة على الفور. كان لا بد سيقول للكاتب المنفعل: «هذا خيالي جدا، وينتمي إلى صنف علم الخيال. مثل هذا الأمر لا يمكن أن يحصل في إسرائيل».
غير أن مثل هذا الأمر حصل في إسرائيل. خمسة محققين، ليس اقل من الوحدة القطرية للتحقيقات في الجرائم الدولية دخلوا يوم الخميس مكاتب دار نشر «يديعوت للكتب» التي تقع في الطابق الثالث من «مقر يديعوت احرونوت»، اخذوا معهم حواسيب ومخطوطات (لكتب عديدة، وليس فقط لكتاب اولمرت الذي يوجد في بؤرة الخلاف وحوله صدر الأمر)، أمروا صحافيا كبيرا ان يرافقهم للتحقيق في مكاتب لاهف 443، وبالتوازي اجتاحوا منزل محرر الكتب في دار النشر. وكل هذا لماذا؟ لملاحقة الأسرار التي «سربها» السجين اولمرت.
عندما فهم رجال الشرطة والنيابة العامة برئاسة النائب العام للدولة شاي نيتسان بأنهم تورطوا، وجدوا لأنفسهم الامعة الجديد، مسؤول الامن في وزارة الدفاع، قوي النفوذ، المسؤول عن الأمن. ومنذ نهاية الاسبوع، ومرة أخرى اليوم بتوجيه من «مسؤول كبير في النيابة العامة» حاولوا أن يلقوا عليه بالملف. غير أن مسؤول الأمن، نير بن موشيه، غير مستعد لأن يحمل هذا الملف على كتفيه العريضين. فهو لم يعرف عن ذاك الاقتحام بل وليس من صلاحيته أن يقره. صحيح أن مندوبه كان يجلس في نقاش طرحت فيه مسألة كتاب اولمرت والوثائق موضع الحديث، ولكن من هنا وحتى إسقاط الملف عليه؟ هذا لا.
وبشكل عام، فإن «المسؤول الكبير في النيابة العامة» تعلق أمس بأمر المحكمة. ولكن ينبغي السؤال: أي قاض اصدر على الاطلاق امر تفتيش شامل لحاسوب كامل لصحافيين، محررين، لدار نشر؟ اي أدلة عرضت عليه كي يقر خطوة بعيدة الاثر بهذا القدر؟ وليس مهما إذا كان قاض اقر لهم هذه المصادرات، الاخطر هو أنهم على الاطلاق يرفعون طلبات لمثل هذه المصادرات.
ألا يعرف «المسؤول في النيابة العامة» إياه بأنه هكذا بالضبط تعمل هذه الطريقة منذ أجيال؟ لدى الصحافيين توجد مادة كثيرة، بعضها سري. كل صحافي وكل دار نشر تعمل بموجب القانون، مع الرقابة العسكرية. فهم يرفعون لها موادهم. ما يرفض ـ لا يصدر. وبدلا من التمترس وراء روايته، فينثر تلميحات عن اسرار اخرى سربها اولمرت زعما (ومرة اخرى ينبغي القول: سرب لمن؟ فالمسودة على اي حال ترفع للرقابة)، خير كان يفعل «المسؤول في النيابة العامة» لو كان يعترف: أخطأنا. سرنا شوطا ابعد مما ينبغي. إذا كان اولمرت ارتكب مخالفة انضباطية ـ فليعاقب. إذا كانوا يريدون معالجته ـ فليعالجوه. اما السير هكذا نحو دار نشر، ومصادرة مواد والتحقيق مع صحافيين ـ هذا بات فقدان للحدود.
صعب قليلا القول ان لرقصة الشياطين من النيابة العامة ضد اولمرت يوجد دافع سياسي. بعيد عن ذلك. ولكن لا ينبغي لهذا ان يكون سياسيا كي يكون له رائحة كريهة. لأن رجال النيابة العامة لم يكونوا أذكياء كبار على الناس الاقوياء. فهم ينتظرون اللحظة التي يبدأ فيها السياسي الشهير، المعروف، كلي القدرة، بالسقوط أو حينها ينضمون. لسنوات عرف كثيرون بأن رائحة غير لطيفة تنم عن سلوك اولمرت. والامور نشرت. شيء لم يجدِ نفعا. اولمرت كان في حينه رئيس وزراء شعبي وقوي. والنيابة العامة لم تتجرأ على الخروج ضده. والتدخل القانوني دخل إلى العمل بالضبط عندما اهتزت مكانته الجماهيرية، في اعقاب حرب لبنان الثانية. يا له من توقيت رائع.
لم تكن هناك نية مبيتة، لم يكن شيوخ النيابة العامة الذين يخططون لمؤامرات في الليل. يدور الحديث عن بشر. وهم يعملون حسب الريح التي تهب. اولمرت تحول من صخرة صلبة إلى كيس ضربات. ولكنهم لم يهدؤوا. كان يخيل لهم بأن كل شيء مسموح لهم بما في ذلك اقتحام دار نشر بل ومصادرة مخطوطات. كان يخيل أن هذا العهد، الذي تسكر فيه القوة رجال النيابة العامة، قد انتهى. فلسنوات كانت لديهم ملفات مفتوحة ضد شخصيات عامة، كي يمتشقوها في اللحظة المناسبة. روبين ريفلين، كما ينبغي ان يتذكر كان يفترض ان يدخل إلى مكتب وزير العدل. فخرج رجال النيابة العامة مع اشتباه ما مشكوك فيه والتتمة معروفة. هذا ليس اضطهادا. هذه ليست جريمة. وهم يمكنهم ان يواصلوا دحرجة العيون إلى السماء. ولكن هذا كان كريه الرائحة.
يعلم الله أني لست من مؤيدي اولمرت. ولكن عندما ينظر المرء إلى كسل النيابة العامة حيال رئيس الوزراء والنشاط المذهل حيال اولمرت ـ فإن الاحساس سيء. في الولايات المتحدة يتحدثون في هذه الايام بلا توقف عن «تشويش اجراءات التحقيق». ما يفعله هذه الايام رجال النيابة العامة، بسلوكهم الذي كله تمييز بتمييز، ينتمي إلى دائرة التشويش. لا توجد هنا جناية، يوجد هنا تشويش يصرخ إلى السماء لقواعد العدل ومظهر العدل. لم يعد واضحا إذا كانت طواحين العدالة تطحن ببطء ام بسرعة. فإن شاءت تفعل ذلك وان شاءت تفعل النقيض تماما. الواضح هي انها تطحن العدالة.

يديعوت 19/6/2017

يسحقون القانون… سكرة القوة
خيرا كان سيفعل «المسؤول في النيابة العامة» لو اعترف: أخطأنا
بن ـ درور يميني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية