المدرسة تقع على بعد أمتار قليلة من الطريق بين رام الله وقلقيلية. الكثير مما فيها يذكرني بتلك التي كنت أتردد عليها في قريتي العلا في عمق ريف القيروان في تونس. بناية صغيرة ذات واجهة بسيطة فيها ثلاث قاعات دروس. ساحتها ترابية توجد في طرفها بضعة تجهيزات رياضية قديمة. مدرسة مثل العديد من المدارس الابتدائية في فلسطين. إلا أن ما يميزها هو أنها تقع في منخفض تطل عليه مستوطنة إسرائيلية (كل المستوطنات التي شاهدتها مبنية على هضاب وتلال ومرتفعات). استقبلنا مدير المدرسة بحفاوة. في كل مكان حللنا به استقبلنا الفلسطينيون بالترحاب.
إن وجود روائيين من عدة بلدان عربية في رام الله للمشاركة في تظاهرة ثقافية مهمة (ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية) يخفف قليلا من إحساسهم بالعزلة والحصار ويربطهم بمحيطهم العربي، الذي تحاول اسرائيل بكل الوسائل أن تعزلهم عنه، ويشعرهم بأنهم يساهمون مثل غيرهم من العرب في خدمة الثقافة العربية. وكان ترحابهم هذا يبهجنا كثيرا وفي الآن ذاته يربكنا، فنحن لم نفعل شيئا سوى تلبية دعواتهم. أما الصعوبات التي لقيناها ونحن نجتاز المعابر للوصول إلى رام الله فهي لا تساوي شيئا أمام العذاب الذي يتجرعونه هم كل يوم، وهم يتنقلون في بلدهم. قادونا إلى مكان خلف المدرسة، حيث يمكننا رؤية المستوطنة. جلسنا على مقاعد خشبية. وزعوا علينا قناني ماء بارد. ثم أخذ المدير يقص علينا القصة. أقول القصة لأن في كل مكان في فلسطين قصــة تـروى عـما يعانيـه الفلسطينيـون.
كل يوم وهم يحاولـون أن يعيشوا في بلدهم. لا أتحدث هنا عن المقاومة، وإنما عن مجـرد حقهم الطبيعي والمشروع في أن يعيشوا مثلما يعيش البشر في كل مكان من هذا العالم. والقصة هذه المـرة عجيبة ومؤلمة في الآن ذاته، إنها قصة حمام، نعم حمام للبنات! لم يكن هناك في المدرسة سوى حمام واحد يستعمله الصبية والبنات. وحفظا لحميميتهن بنت المدرسة لهن حماما صغيرا، إلا أن إسرائيل التي تعرف كل جدار يشيد في فلسطين بفضل كاميراتها المزروعة في كل مكان وأقمارها الصناعية التي تتجسس على الفلسطينيين، هدمت الحمام بذريعة أنه شيد دون أن تمنح المدرسة ترخيصا بذلك.
ظلت المدرسة لفترة طويلة دون حمام للبنات. ولم يرخص لها الاحتلال ببنائه إلا بعد أن قام سفير كندا بزيارة إلى المدرسة. تأثر السفير بما شاهد وسمع وتبنى المسألة. ليس سياسيا كما يؤكد لنا المدير، بل إنسانيا. وعرضها على رئيس الوزراء الاسرائيلي. هكذا سمحت سلطة الاحتلال أخيرا لبنات هذه المدرسة الصغيرة بأن يقضين حاجاتهن في مكان يضمن حميميتهن ويحفظ كرامتهن مثل كل البنات في مدارس هذا العالم. إلا أن قصة هذه المدرسة الابتدائية الصغيرة مع المعاناة لم تنته. فبعد حل مشكلة حمام البنات ظهرت
مشكلة أخرى أكثر غرابــة وعبثيـــة بسبــب هذه المستوطنة التي شــــاءت الصدفـــــة اللعينة أن تكون بالقرب من المدرسة. البيوت التي تقع عند حدود المستوطنة وتطل على الجزء الخلفي من المدرسة يسكنها مستوطنون مهووسون بالألوان هوسا مرضيا على ما يبدو، لذا فإنهم لا يتوقفون عن التشكي والتذمر لمدير المدرسة، وفي بعض الأحيان لا يتورعون عن قذف المدرسة بالحجارة والزجاجات وبكل ما تقع عليه أيدهم من قاذورات. والسبب هو أن اللون الذي طليت به الجدران الخلفية للمدرسة لا يروق لهم، بل يشيع في نفوسهم إحساسا بالكآبة.
المديــر مصمم على عـــدم طـلي الجدران بلـون آخر فـهو يرفض بشــــدة الاستجابـــة لمطالب غريبة مـن هذا النوع، والمستوطنـون لا يتوقفـون عن مطالبته بذلك. يريدون لونا جميـلا زاهيا يبعث في نفوسهم الانشراح عندما يفتحون نوافذ بيوتهم في الصباح ويشاهدونه. إنهم يعتقدون أن فلسطين وكل ما فيها ملك لهم. لهم وحدهم.
لذا يمنحون نفوسهم حـق التدخل في كل شيء. حتى في بناء حمام للبنات واختيار لون الجدران الخلفيــة في مدرســة فلسطينية صغيرة.
٭ روائي تونسي
الحبيب السالمي