هل ستضيع القوي الحية هذه الفرصة التاريخية لبناء الدولة الحديثة في اليمن؟
احمد صالح غالب الفقيههل ستضيع القوي الحية هذه الفرصة التاريخية لبناء الدولة الحديثة في اليمن؟ القاضي امذيب اسم علي مسمي، فالحرفان (ام) اللذان يسبقان الاسم هما مثل ال التعريف أو الف ولام العهد كما يحلو للدكتور أبو بكر السقاف تسميتهما، وهو بالمناسبة من الحوطة، حيث اصدر القاضي الشجاع أمذيب صالح منصور البابكري، (محكمة الحوطة الابتدائية)، حكمه هذا الأسبوع والذي تضمن إعدام 11 متهما حداً وتعزيرا، ومصادرة مزرعة ومعسكر اللواء الخامس سابقاً للمصلحة العامة وتحويله إلي حديقة عامة، وتغريم وزارة الدفاع 32 مليون ريال تعويضات لأسر المتهمين والضحايا.وكان 14 متهماً من اللواء 39 مدرع قد اتهموا بتشكيل عصابة مسلحة، والقتل العمد، والشروع بالقتل، لمهاجمتهم موقعا بجوار بئر ناصر علي الطريق الذي يربط محافظتي عدن ولحج، في آذار (مارس) قبل الماضي، في إطار صراع علي أراض بين متنفذين في المؤسسات المحكوم عليها.وكان قد قتل في الحادثة حميد محمد أحمد ضيف الله، من حراسات نائب سابق لفرع الأمن السياسي بالمحافظة. وقد حكم القاضي بإدانة 11 متهما وإعدامهم (حداً وتعزيراً)، وقبول الدفع المقدم من اثنين آخرين، ورفض الدعوي من أولياء الدم بالحق الشخصي بالقصاص، مع قبول الدعوي المدنية بالحق المدني المرفوعة من ثلاثة متهمين، ومصادرة كافة المضبوطات. والزم حكم القاضي امذيب النيابة العامة بالتحقيق مع وزير الدفاع، ومحافظ المحافظة، وقائد المنطقة، وقائد المعسكر، وقائد اللواء (39) مدرع، وقائد الكتيبة باللواء الخامس، ورئيس مصلحة أراضي وعقارات الدولة، للإهمال والتقصير بأعمالهم، والتستر علي المخالفين، واستغلالهم لوظائفهم لجمع ثروات مالية خلافاً للقانون.والزم الحكم النيابة العامة والجهات المختصة بإخراج المعسكرات وكافة وحداتها العسكرية من المدن الرئيسية وعواصم المحافظات إلي أطراف الحدود البرية والبحرية.ويحمل هذا الحكم كل مواصفات الحكم التاريخي لانه:أولا: يصدر في حق مسؤولين في اليمن، ولأول مرة، دون توجيه من السلطة الحاكمة في البلاد، التي يعيث محاسيبها، وقادة معسكراتها فســـادا في البلاد، دون رادع أو حسيب أو رقيب.ثانيا: لأنه يأمر بالتحقيق مع مسؤولين كبار من درجة وزير دفاع، ومحافظ محافظة، وقائد لواء مدرع، وقائد كتيبة، ورئيس مصلحة تابعة لرئاسة الجمهورية، وكلهم طبقا للعرف السائد من المحصنين ضد أي مساءلة، ما لم يغضب عليهم رئيس الجمهورية ويحيلهم إلي التحقيق. ثالثا: أن الحكم يصدر إثباتا لحق القضاء في محاسبة جميع المواطنين، مسؤولين وغير مسؤولين، عسكريين ومدنيين، متجاهلا كل الاعتبارات التي أرستها في هذه البلاد عقود من الفساد، وحكم القوة، ونفوذ العصابات المتحكمة بالسلطة، والتي تفرض علي المجتمع بكل أطيافه إرهابا مخيفا لا يستثني منه قاض، أو حامل فكر، أو صاحب رأي أو قلم. رابعا: إن هذا الحكم يفعل النصوص الدستورية والقانونية المهملة، والتي جري العرف المفروض بالقوة الغاشمة بتجاهلها، واعتبارها حبرا علي ورق. خامسا: يأتي هذا الحكم في مفصل هام من مفاصل الحراك السياسي في اليمــــن، حيث طلبت المعارضة من خلال مبادرتها للإصلاح السياسي والوطني الشامل، بإرساء حكم القانون في البلاد، وجعل المساءلة الوجه الآخر الملزم للمسؤولية التي تناط بشاغل المنصب أو الوظيفة، دون استثناءات أو مجاملات. سادسا: يقرر هذا الحكم مبدأ هاما حول وظيفة القوات المسلحة، وانه حماية الحدود وليس حماية الحاكم، وإرهاب ومحاصرة العاصمة وعواصم المحافظات.سابعا: صدر هذا الحكم وأعين العالم كله، أو علي الأقل القوي الفاعلة فيه، مسلطة علي اليمن، وجميعها يطالب بالإصلاح في مختلف جوانب الإدارة العامة والقيادة السياسية. واجب المجتمعلقد أخذ القاضي امذيب الخطوة الأولي الشجاعة، ويأتي الدور علي القوي الحية في المجتمع اليمني، في الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، لجعل تنفيذ هذا الحكم قضية كل يوم، حتي تنصاع السلطة، وينصاع أنصارها لحكم القانون، مع ممارسة أقصي ما يمكن من الضغوط المعنوية والأدبية علي النيابة والقضاء، بعدم الإخلال بواجباتهم، والوقوف مع الحق في درجات التقاضي المختلفة اللاحقة. ولضمان قيام النيابة العامة بدورها في تنفيذ أمر القاضي، بالتحقيق مع وزير الدفاع، ومحافظ المحافظة، وقائد اللواء 39 مدرع، وقائد الكتيبة، ورئيس مصلحة عقارات أراضي الدولة، وكل من آمر القاضي بالتحقيق معهم. وان من واجب الصحافة وأجهزة الإعلام المستقلة، مداومة تسليط الضوء علي هذه القضية، ومتابعة تطوراتها، وتعريف العالم بها، حتي تتحول إلي قضية رأي عام يلتف حولها الرأي العام المحلي والدولي. إن الإصلاح الذي يأتي عن طريق القضاء هو أقوي أنواع الإصلاح، وأبعدها أثرا، لأنه يقوم علي حكم القانون، والانتصار لأحكامه، ولأنه يحمل قيمة العدل الذي هو هدف المجتمع الإنساني منذ اجتمع الناس في مجتمع وحتي اليوم. شواهد عالميةفي العام 1993م تسلم قاضي التحقيق دي بيترو وثلاثة من زملائه، أسمتهم الصحافة والجمهور فيما بعد (الأيدي النظيفة)، قضية من قضايا العصابات لها علاقة بالفساد الحكومي، فذهبوا بالتحقيق إلي أقصي مدي، وشملت تحقيقاتهم الجمهورية الإيطالية كلها.وقد تمكنوا من خلال عقد اتفاقات مع بعض المدانين، تقضي بتخفيف الحكم عليهم مقابل قيامهم بالشهادة علي زملائهم، من اعتقال العشرات من موظفي الدولة الفاسدين، بما فيهم اثنان من محافظي المقاطعات، منهم محافظ ميلانو، إضافة إلي المسؤول المالي للحزب الديمقراطي المسيحي، اكبر الأحزاب السياسية الإيطالية. وقد كشفت التحقيقات فضائح ربطت بين المافيا وبين شركات ومؤسسات أعمال، ورموز كبار في أحزاب سياسية إيطالية. وبلغت التحقيقات ذروتها حين أدت إلي محاكمة السياسي المخضرم جوليو اندريوتي، الذي تسلم منصب رئيس الوزراء الإيطالي سبع مرات، وذلك بتهم تتعلق بعلاقته بالمافيا، اضافة الي اتهامه بالتورط في مؤامرة أدت إلي اغتيال صحافي في العام 1999م. ولم تلبث المجموعة المكونة من قاضي التحقيق بليترو وزملائه (الأيدي النظيفة)، حتي جلبت الي المحكمة، رئيس الوزراء حينها، بتينو كراكسي الذي فر هاربا الي تونس وطلب اللجوء السياسي فيها، وقد حكم عليه غيابيا. كما طالت المحاكمات شخصيات سياسية كبيرة أخري. الفساد شبكةقادت التحقيقات النزيهة في إيطاليا إلي كشف شبكة واسعة للفساد، حيث جر التحقيق مع شخص أشخاصا آخرين، وأدي كشف فساد في واقعة معينة الي كشف ممارسات فساد أخري، وهكذا دواليك، حتي بلغت الموسي ذقون الكبار. ويستطيع وكلاء النيابة والقضاة في بلادنا مؤيدين بالشعب والصحافة الشريفة، ان يقوموا بعمل مماثل، يؤدي عل الأقل إلي إيقاف الفـــــساد المستشري عند حده، ليدخل القضاء اليمني بذلك التاريخ كرائد للقضاء العربي في محاربة الفساد والقضاء عليه. وها هي الفرصة قد جاءت إليهم علي طبق من ذهب ممثلة في الحكم التاريخي للقاضي أمذيب صالح منصور البابكري (محكمة الحوطة الابتدائية). إن ثورة ينفذها ويقودها القضاء لن تصيب الا المجرمين. وستكون أطهر الثورات وأنقاها وأكثرها عدالة. وقد كان لأجهزة القضاء في بلادنا سوابق من هذا النوع.فقد وجهت نيابة الغيظة الابتدائية بمحافظة المهرة في تموز (يوليو) 2002، أمرا بإلقاء القبض علي مدير مكتب أراضي شحن، ومهندسين من ذلك المكتب، وإيداعهم الحجز، بعد أن تلقت النيابة بلاغات من الاخوة المواطنين يشكون فيها من قيام تلك الجهة ومنسوبيها بصرف أراضيهم، المملوكة لهم بموجب وثائق رسمية، لأشخاص آخرين فوجهت نيابة الغيظة الابتدائية إلي من ذكرنا، تهمة ارتكاب مخالفات تتنافي مع واجبات عملهم. وقد كتبت حول هذه الحادثة في حينه وأشدت بما قامت به النيابة. تحية للقاضي امذيب الذي كان له هذا الشرف الكبير في التصدي لفساد الكبار واثبت فعلا ما امتلأت به كتب التاريخ التي علمتنا في مواقف كثيرة انه ليس أمام القضاء كبير. كاتب من اليمن8