فلسطين تراجُع «التدويل» مقابل احتلال مستدام

حجم الخط
2

تنامت الظنون بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربما يكون الأقدر على ممارسة ضغوط على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ كون الأول لا يمكن لأحد في إسرائيل أن يضعف، أو يشكّك في صداقته لها، وهذا منح بعض الفلسطينيين بعض (الأمل) ولاسيما وأنه يبدي تراجعا عمليا عن بعض المواقف المنحازة التي تعهد بها لدولة الاحتلال إبّان حملته الانتخابية.
ومن تلك المؤشرات، أنه جدّد تأجيل نقل سفارة بلاده إلى القدس، ستة أشهر جديدة، متزامنا مع تعيين المندوب الإسرائيلي داني دانون نائبا لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الـ72، في وقت تمعن فيه السياسةُ الاحتلاليَّة بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خفض سقف الحلول والعروض.
وليس تجديد تأجيل نقل السفارة بجديد على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية، وديمقراطية، منذ صدر هذا التشريع الأمريكي سنة 1995، ولكن ترامب، وهو الرئيس الذي بدا أكثر تأكيدا على الوعد بالنقل (فور فوزه بالرئاسة) من أقرانه السابقين، أثار مخاوف حقيقية من التنفيذ الفعلي، قبل أن يعود إلى (رشده)، أو يلتزم بالمصالح الأمنية القومية الأمريكية، والمصالح السياسية، إذ قال إن التأجيل يخدم الفرص لإبرام صفقة سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. مع تأكيد إدارته على أن النيّة باقية، أثناء ولايته، على النقل، ومع التأكيد أيضا على التزام تلك الإدارة الترامبية بأمن إسرائيل، انطلاقا من التحالف الإستراتيجي الثابت والعميق بين البلدين، ومن صداقة سيِّد البيت الأبيض المتينة لها.
ويساعد ترامب في تجنُّب مقاربة سلفه باراك أوباما تزامنُ هذا القرار مع تعيين دانون نائبا للجمعية العامة، بالانسجام مع تبييض صفحة إسرائيل في المحافل الدولية، وفي الأمم المتحدة، وجريا على رفض تعريضها للإدانات الدولية، بالتأكيد على أنّ «زمن إدانة إسرائيل ولّى»، كما قالت نيكي هالي سفيرة إدارته في الأمم المتحدة، بالقطع مع سياسة أوباما التي سمحت حين امتنعت عن التصويت على قرار 2334 بإقراره، وهو الذي أدان الاستيطان الإسرائيلي، بعبارات واضحة، ونبرة حاسمة. وكذلك بالفارق الماثل بينهما في رفض الضغط على إسرائيل بسبب الاستيطان، مع المطالبة بكبحه، دون الإصرار على وقفه تماما، كشرط للعملية السلمية.
ومن الواضح أن ترامب أكثر إصرارا على منع تدويل الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى رأسه الفلسطيني الإسرائيلي، وينسجم توجُّهُه هذا من الأمم المتحدة والمحافل الدولية، لا فقط مع نظرته إلى إسرائيل، و(صداقته) لها ولقيادتها الراهنة المتطرِّفة اليمينية والعنصرية، فقط، ولكن أيضا مع نزعته الانعزالية التي أكّدها مؤخَّرا قرارُ انسحابِه من اتفاقية باريس المناخية، وإيثارُه مرجعيةً مصلحية، (قد تكون ضيّقة)، متخفِّفة من (الأعباء القِيَميَّة) أو (الشِّعارات الإنسانية). وتأتي هذه الخطوة بتعيين السفير الإسرائيلي نائبا للجمعية العامة أيضا، في ظل علاقات أقرب إلى الجفاء والتوتر مع أوروبا، فهي تخدم ولو بطريقة غير مباشرة، استفرادَ واشنطن برعاية العملية السياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولاسيما أنَّ المنافس التاريخي في المنطقة، وقضية فلسطين هي أوروبا، أكثر من غيرها، فهذا التطوُّر (تعيين داني دانون الليكودي المعروف بمواقفه اليمينية المتطرّفة) مِن شأنه أن يصبّ في تهميش – ولو على الأقل في فترة رئاسته الممتدة سنة كاملة – الأمم المتحدة ومؤسساتها، لصالح الرعاية الأمريكية المباشرة، مع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.
وينسجم مع توجُّه ترامب بالحدّ من تدويل النزاع، ما نسبتْه صحفٌ إلى محمد مصطفى المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الفلسطيني محمود عباس، من أنّ الأخير مستعدّ- بعد استعداده للتنازل عن شرط تجميد الاستيطان لتسهيل استئناف المفاوضات – لتخفيف حدّة ووتيرة النشاط الدبلوماسي الفلسطيني في المحافل الدولية، بشأن مقاضاة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية بتهم «جرائم الحرب».
أما الدلالات المعنوية الرمزية لهذا التطوّر فهي بالغة الحدّة، ومثيرة للاستهجان؛ إذ إن الدولة المشهورة في تجاهل قرارات الأمم المتحدة، بل التي لا تتوانى عن مهاجمة هذه المؤسسة الدولية، واتهامها بالانحياز ضدّها، (مثالا: وصف نتنياهو القرارَ 2334 بالمُخزي والمنحاز) هي التي يرتقي ممثلُها لينال هذه المكانة التمثيلية العالية في مؤسسة طالما ندّدت باحتلالها وسياساتها غير الإنسانية وغير العادلة، ولا المراعية للقانون الدولي، حدث ذلك دون أن يطرأ أيُّ تغيير إيجابي في الائتلاف اليميني السياسي الذي يحكم في إسرائيل، أو دون أن يخفِّف من مواقفه المندَّد بها والمدانة، دوليا وأمميا.
هذه الائتلاف الذي يطالب رئيسُه نتنياهو باستمرار السيطرة العسكرية في الضفة الغربية، في حال تحقيق أيّ اتفاق سلام، بعد أن رفض خطّة جون آلن الأمريكية في عهد أوباما، التي تمنح إسرائيل ضمانات أمنية وعسكرية، وترتيبات تُبقي على السيطرة الأمنية والعسكرية كاملة لإسرائيل في الدولة الفلسطينية «منزوعة السلاح»، مع اقتراح نشر قوات أمريكية – إسرائيلية مشتركة في غور الأردن، وتعزيز السياج الحدودي بين إسرائيل والأردن، وبناء سياج موازٍ له في الطرف الأردني من الحدود، مع إقامة مطار مدني في الضفة الغربية. هذه الخطة التي قالت «هآرتس» إنَّ إدارة ترامب تدرس اعتمادَها، رُفِضت من حكومة نتنياهو، التي لا تفضل تواجدا دوليا، حتى ولو أمريكيا في الضفة الغربية، أو على الحدود مع الأردن.
هذه العروض الإسرائيلية المنخفضة السقف والمرفوضة فلسطينيا، كما أعلن الناطقُ باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، معتبرا أنها لن تؤدِّي إلى سلام قائم على أساس الشرعية العربية والدولية، وأنها تكرّس أسباب الصراع المستمر، هذه العروض والمطالب تحاول التذرُّع بغياب الشريك الفلسطيني القادر، بعْدَ الذرائع الأمنية؛ لاستبقاء السيطرة الاحتلالية، لخصوصية الضفة الغربية، والاستيطان والتهويد فيها، وفي القدس، بخلاف قطاع غزة الذي انسحبت منه إسرائيل بمبادرة من رئيس الوزراء الأسبق، أرييل شارون، صيف 2005، الذي رأى ابنُه جلعاد – وفق صحيفة «جيروزلم بوست»- بأن وضع الضفة الغربية يختلف عن وضع القطاع، وأنَّ ما أمكن هناك لا يمكن هنا، مستطردا بأنه لولا قوات الاحتلال لفقدت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية السيطرة لصالح حماس، كما فقدتها في غزة، وأنّ الرئيس عباس لا يستطيع توفير الأمن له في مخيم اللاجئين في نابلس.
هذه النظرة الإسرائيلية الأمنية، أو المُتذرِّعة بالأمن، تستهدف الاحتفاظ بالضفة الغربية، مع حكم ذاتي موسَّع، ربما، دون سيادة حقيقية، ودون انسحاب كامل، تتذرَّع بحماس تارة، وتشوّه تارة بداعش (!) علما بأنها تعمل بقصد على إضعاف رئيس السلطة عباس، حتى بالامتناع عن تقديم إنجازات ملموسة، على صعيد قضايا حساسة مثل الأسرى، أو توسيع مناطق السلطة لتشمل المناطق المُصنَّفة (ج)، علما بأن حماس في ميثاقها الجديد تتيح الفرصة عمليا لحل سلمي قائم على الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، وتستعدّ للانضواء في أُطُر منظمة التحرير، بعد بعض الإصلاحات، غير الجوهرية. ولذلك فإنه إذا كان الامتناع عن نقل السفارة لا يصبّ في تفجير الأوضاع، فإن وصول ممثِّل إسرائيل بمواقفها الاحتلالية المستدامة، يمنحها طوق نجاة من العزلة الدولية التي كانت تضيق عليها. وإذا كان الرئيس الإشكالي ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يأمنان الضغوط الدولية الأخرى، فلنا أن نتصور إلى أي مدى قد تنحدر مستويات (الحلول) التراجعية التي قد تتشكل، أو التي لا يمكن للفلسطينيين أن يسمحوا لها بأن تتشكل.
كاتب فلسطيني

فلسطين تراجُع «التدويل» مقابل احتلال مستدام

أسامة عثمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية