غياب التعاطف مع محنة الطفولة العربية

حجم الخط
2

إضافة إلى ما يكشفه المشهد العربي الحالي البائس من تخبط سياسي تمارسه القيادات السياسية الرسمية والأهلية، ومن مبالغات في التعامل الأمني، ومن تجذر للعهر الجهادي التكفيري الإرهابي المجنون، فإنه يكشف أيضا تراجعا مذهلا في مقدار الحساسية الضميرية والأخلاقية تجاه فواجع ومآسي ذلك المشهد.
منذ نجاح أطراف خارجية وداخلية في حرف حراكات الربيع العربي الجماهيرية العفوية، من كونها سلمية إلى إدخالها في متاهات العنف والعسكرة، ومنذ استبدال الشعارات السياسية الديمقراطية الإنسانية، متمثلة في الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية، بشعارات طائفية وعنصرية عرقية ملتهبة، ومنذ فتح الأبواب أمام القوى الجهادية التكفيرية الطائفية الإرهابية لتندس وتقحم نفسها في صلب حراكات الربيع الشعبية تلك، من خلال دعمها بالمال والسلاح والتدريب، وتسهيل انتقال أفرادها من كل بقاع العالم، إلى ساحات التوترات في الوطن العربي، ومن خلال مدها بأيديولوجية سبي النساء وتجنيد الأطفال وقتل أصحاب الديانات الأخرى لتشويه صورة الإسلام ونفيه في هذا العالم، منذ حدوث ذلك كله، في شكل مؤامرات دنيئة وجنون سياسي وأمني قل مثيله، بدأ موضوع الضمير والقيم والأخلاق الدينية والإنسانية يطرح الأسئلة بقوة متزايدة. ما عاد المشهد سياسيا وأمنيا فقط، وإنما أصبح أخلاقيا أيضا.
أول سؤال بديهي مطروح: هل تجرد قادة السياسة والجيوش والأمن في بلاد العرب من فضيلتي التعاطف والرحمة؟ ليس هذا سؤالا فلسفيا متحذلقا، إنه من صلب واقع الحياة الإنسانية.
الجانب الواقعي لذلك السؤال هو: كيف يستطيع أولئك القادة العرب أن يناموا ليلهم بهدوء وراحة بال، بعد أن يشاهدوا طيلة النهار مشاهد الجحيم الذي تعيشه أرض العرب؟ هل يستطيع من لديه ذرة من ضمير حي أن يرى يوميا وجوه أطفال العرب الخائفة الباكية المتسائلة، الذين أضناهم الجوع والعطش، والنوم في الخرائب والطرقات، وأرعبتهم رؤية الجثث والجيف من حولهم، وسماع ضجيج طلقات الأسلحة النارية طيلة النهار والليل، أو الذين أضناهم المرض لتصبح أجسادهم هياكل عظمية وعيونهم زائغة حزينة دامعة، وهم يرقدون على خرق بالية في المستشفيات المدمرة المغلوبة على أمرها بلا دواء ولا غذاء ولا طباعة؟ هل يستطيع من يرى تلك المناظر أن ينام على فراشه بهدوء وأن يغط في نوم عميق؟ ألا يرى دموع ودماء أولئك الأطفال وهي تقطر من يديه وتستصرخه أن يفعل شيئا؟ أن يتنازل عن كبريائه، عن طموحاته الأنانية المريضة، عن مشاعر الغضب القاسي في داخله، ويستبدلها بمشاعر التعاطف والشفقة والرحمة الإنسانية؟
أسأل نفسي مرارا: ألا يقوم هؤلاء المسؤولون من نومهم فزعين، بعد أن يكونوا قد رأوا في أحلامهم مشاهد المدن المدمرة المحترقة، ومشاهد الملايين الهائمين على وجوهم في الطرقات وخيام المنافي الرثة وساحات التسول وبيع العفاف والشرف؟
أسأل نفسي مجددا: هل ماتت فضيلتا التعاطف والرحمة في أرض العرب، وحلت محلهما رذيلتا التشفي والقسوة؟ وأتذكر هنا قول رب الرحمة: «ولا تكونوا كالذين قست قلوبهم، نسوا الله فأنساهم أنفسهم». ويلح عليّ السؤال: هل نسي مسؤولو العرب الله فأنساهم أنفسهم؟
هنا أتذكر ايضا قول الفيلسوف شوبنهاور من أن التعاطف هو القوة الكبرى التي وراء كل قيم الأخلاق، وأنه يقود إلى العدالة ومحبة الخير للناس، فهل غياب التعاطف إعلان عن نهاية الأخلاق في أرض العرب؟ وتاريخ البشرية يعلمنا بأن أرفع وأنقى أنواع الحكمة هي التي تتغذى على فضيلة التعاطف مع آلام الآخرين، بل إننا لا يمكن أن نتكلم عن تواجد الإنسانية في البشر، إلا إذا التزم هؤلاء بحمل المسؤوليات التي تتطلبها فضيلة التعاطف وبالشعور بالإخوة الإنسانية مع المتوجعين، واعتبارهم إخوة لنا في السراء والضراء.
نحن هنا لا نقصد تعاطف المتصدق الذي يمن على الضحية بمساعدته المادية أو المعنوية. فأطفال العرب ليسوا بحاجة لمثل ذلك التصدق المتعالي المتكبر. نحن هنا نتكلم عن أحاسيس تحركها عذابات الآخرين المساوين لنا في القيمة الإنسانية، وعن قيمة أخلاقية يحتاج الإنسان إلى أن يتعلمها وينميها في أعماق نفسه، خصوصا إذا كان سيتحمل مسؤوليات القيادة.ولذلك فالتعاطف الذي لا يؤدي إلى حمل مسؤولية يتبعها فعل لن يكون إلا أحاسيس جوفاء وتخديرا لمواجهة عذابات الضمير.
تمر الأيام والشهور والسنون وعذابات الطفولة العربية في ساحات اليباب تزداد وتسوء لتصبح فاجعة إنسانية ملحمية. لكن القادة يذهبون كل ليلة إلى أسرتهم وينامون، بينما تغيب أية مبادرات أو اجتماعات أو محاولات عربية، من أي نوع كان، وعلى أي مستوى، لإيقاف فجيعة الطفولة العربية.
إنه موت التعاطف الإنساني وسقوط الأخلاق في أرض العرب. إنه انتصار لرذيلة القسوة الشيطانية في النفس العربية.
كاتب بحريني

غياب التعاطف مع محنة الطفولة العربية

د. علي محمد فخرو

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية