ثلاثية: «الخمسون»

حجم الخط
0

لا يتعلق الموضوع بثلاثية روائية كما قد يعتقد، وإنما بالتزامن بين أحداث تجمع بين السياسي والثقافي، حيث مر عليها وإلى اليوم خمسون سنة. واللافت أن السياسي لم يتخذ درسا بليغا، ما ضاعف حدة التراجعات على كافة المستويات. أما الثقافي في شقه الفكري والأدبي، فامتلك راهنيته واستمراريته في/ وعلى التأثير.

1/ 5 يونيو/حزيران 1967
5 يونيو 2017
مضت خمسون سنة على هزيمة يونيو/ حزيران، أو ما دعي بالنكسة. ومن المفارقات، أن تحل الذكرى على وقع أزمة عربية تمثلت في ما يعرفه الخليج العربي من تحولات النص الغائب فيها «إسرائيل». إذ الجيل الجديد من الحكام العرب، يسارع تحت ضغط الإيقاعات الأمريكية ذات الهاجس الاقتصادي، إلى تجسير العلاقات بعيدا عن الهم القومي، والاحتكام إلى التصورات العقلانية.
بيد أن ما يلفت، كون أي أزمة عربية بين دولتين، تقود إلى الدعوة لحشد تضامن موسع لمن تربطه صلة بالموضوع، ومن يخشى عقاب «الأب» في المستقبل. وهنا بالضبط أستحضر ما عبر عنه عبد الله العروي، رغم طوله وأهميته في محاضرة له: «إرث النهضة وأزمة الحاضر» بدعوة من مؤسستين «رينيه معوض» و«فريدريش ناومان». ( نشرت أشغال الندوة في المركز الثقافي العربي/ 2000)، حيث رسم صورة عن حال الأزمة العربية عندما تكون بين دولتين: «لا أزمة إلا ما يعانيه كل بلد عربي من جراء قراراته الحرة المستقلة. والبلد المعني، المسؤول وحده على ما يلحقه من أضرار، وحده قادر على تشخيص الأزمة الخاصة به وتجاوزها. كل تدخل من أي بلد عربي آخر لا يزيد المشكل إلا تعقيدا. هذه الأزمات القطرية، في أشكالها المختلفة، تمثل نسيج الحياة الدولية، لا تدوم إذا حلت ولا تخمد إلا لتشتعل مجددا. لم تطلب ولم تنتظر جديا الأرجنتين، عندما قررت بمحض إرادتها استرجاع جزر المالوين (الفوكلاند) بالقوة، أن تغامر معها دول أمريكا اللاتينية الأخرى، كما لم تطلب ولم تنتظر جديا بريطانيا، عندما قررت بمحض إرادتها ترجيح الحل العسكري لمواجهة الأزمة، أن تساندها دول الحلف الأطلسي. فلماذا تنتظر دولة عربية كالعراق مثلا أو ليبيا أو مصر الناصرية، عندما تقدم على عمل معين دون سابق إنذار، أن تساندها في الحين سائر الدول العربية ، حتى إن وجد عملها صدى في بعض الأوساط الشعبية، كما وجد الإجراء الأرجنتيني صدى عند بعض الأمريكيين الجنوبيين والرد الأنكليزي مساندة عند بعض الأوساط الأووربية؟ «.

2/ «الأيديولوجية العربية المعاصرة»

أ ـ مضت خمسون سنة على صدور كتاب عبد الله العروي «الأيديولوجية العربية المعاصرة» (ماسبيرو / 1967). ذلك ما لفت انتباهي إليه الصحافي إسماعيل بلا وعلي، ولم أكن انتبهت، ولا غيري، إلى هذا الدرس العميق الذي لن يتجاوز.
ب ـ صدرت الترجمة الأولى لهذا الكتاب في بيروت عن دار الحقيقة (1970) موقعة باسم محمد عيتاني. بيد أن ما تتفرد به الترجمة الحفاظ على تقديم المفكر مكسيم رودنسون، إلى التصدير الذي مهد به العروي للترجمة، الذي تغيى في الأساس إيضاح معنى كلمة «الإييولوجية» علما بأن منطلق المشروع المفاهيمي للعروي تجسدت نواته في كتاب « الأيديولوجية» (الأدلوجة). على أن مما ورد في تقديم رودنسون التالي: «هذا كتاب مرموق، بصفاء نظرته وإخلاصه، ولسوف تبدو الدهشة يوما لأنه لم يكتب قبل هذا الحين، لشدة ما يبدو من أن الحاجة تتطلبه. لكن الأمر هو، كما قال قائد عسكري عظيم أو لاعب ماهر في الشطرنج، ما عدت أذكر اسمه، إنه بعد كسب معركة ما، ينبغي كسبها مجددا». ويضيف: «ويثبت عبد الله العروي أنه جدير بذلك. ونظرا لأن عبد الله العروي ضليع، على حد سواء، بالتاريخ الأيديولوجي للعالم العربي ولأوروبا، ومطلع على طرائق التحليل التي صاغها العالم الحديث، ونظرا لأنه يحسن تقييمها دون اللجوء إلى ما يراه من ازدراء غير متفهم، لدى أولئك الذين يريدون أن يتخففوا من عناء دراستها، ودون الرضوخ الذليل الذي يبديه أولئك الذين لا يحسنون السيطرة عليها، ولأنه منفتح وإيجابي إزاء كل ما يستحق انتباه رجل ذكي وحر، فقد أخضع أهم قضيا العالم الذي ينتسب إليه للتحليل الأكثر إنصافا وعقلانية».
بيد أن ظهور الصياغة الجديدة للكتاب، التي أقدم عليها العروي (1995)، جعلته يحذف مقدمة رودنسون، وأيضا تصديره، مع تثبيت تقديم جديد لهذه الصياغة التي تعد في الجوهر الترجمة المعتمدة.
ت ـ على أن من المسائل الشخصية والذاتية، حكايتي مع الترجمة الأولى والثانية. ذلك أني حصلت النسخة الأولى وأنا بعد في السنة الخامسة من التعليم الثانوي. وأذكر أني اشتريتها من كتبي اسمه إدريس في مدينة الجديدة، إلى كتاب العلامة علال الفاسي «النقد الذاتي». وأعترف بأني بذلت جهدا لأفهم وأستوعب الأفكار الواردة في الكتاب، لولا أني لم أدرك سوى القليل في تلك المرحلة من العمر، وما زلت أحتفظ، إلى اليوم، بهذه النسخة.
أما حكاية الصياغة الجديدة، فأوكل لي ناشر الكتاب مهمة نسخها وتحريرها الأولي، فكانت العملية صعبة، خاصة أن العروي، كان يصوب ويضبط تصحيحاته على صورة نسخة مصورة من ترجمة عيتاني. وأذكر بالمناسبة أني حررت ثلاثة دفاتر بخط اليد، ليقوم العروي في مرحلة ثانية بالتحرير النهائي.
وأبديت حينها ملاحظات في ما يتعلق بالفصل الموسوم «العرب والتعبير»، خاصة ما يتعلق بالتجربة الروائية لنجيب محفوظ، حيث بدا أن العروي يقيم التجربة على ضوء المنجز المتمثل في الثلاثية وما أعقبها، دون إيلاء الأهمية للآثار الروائية المتأخرة كـ»صباح الخير»، «ليالي ألف ليلة»، «رحلة ابن فطومة»، «العائش في الحقيقة»، وغيرها من النماذج التي تعد وليدة التحولات الأدبية والاجتماعية.
وأعتقد أن ما ألمح إليه حينها بنسالم حميش، متمثلا في ضرورة التحيين يجسد رأيا صائبا. ولئن كان للعروي رأيه الخاص المؤكد في تقديم الصياغة الجديدة.

3/ «كونديرا «ومئة عام من العزلة

مرت خمسون سنة على ظهور «مئة عام من العزلة» رائعة غابرييل غارسيا ماركيز. ومن المتوقع أن يتم الاحتفاء بهذه الخالدة. على أن من أطرف الآراء النقدية المعبر عنها بصدد «مئة عام من العزلة»، ما أبداه التشيكي ميلان كونديرا، المتميز بالموازاة بين الإبداعي والنظر النقدي الدال عن قارئ متمكن واسع الثقافة روائيا، فلسفيا وموسيقيا.
يرى كونديرا أن «مئة عام من العزلة» تجسيد لنقلة في الكتابة الروائية العالمية، وثم سر قوتها. هذه النقلة كما عبر عنها في كتابه « لقاء» (ترجمة : محمد بنعبود. المركز الثقافي العربي 2014) بمثابة تكسير لحلم. حلم الأزمنة الحديثة الذي يحصر معنى الكتابة الروائية في تمجيد الفرد من منطلق كونه حسب هيدغر: (الذات الحقيقية الوحيدة): «وحدها الرواية تعزل شخصا وتنير سيرته الذاتية وأفكاره، وتحيله غير قابل لأن يعوض: تجعله مركز كل شيء».
على أنه ومادام «ليس لأبطال الروايات العظيمة أبناء» وهي ملاحظة رائعة ، أي أنهم يعانون العقم فإن «مئة عام من العزلة» كسرت الحلم، واستبدلت مفهوم الكتابة الروائية، إذ جعلت «فن الرواية ، مع مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز يخرج من هذا الحلم، لم يعد مركز الرواية هو الفرد، وإنما موكب كامل من الأفراد». أعتقد بأن هذه الخالدة لن تتكرر عالميا.

٭ كاتب مغربي

 ثلاثية: «الخمسون»

صدوق نورالدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية