ذات يوم في منتصف السبعينيّات من القرن الماضي، أقسمتْ الخالة وداد على الولاء لجلالة الملكة إليزابيث الثانية وخلفائها، وعلى التقيّد بالقوانين الكنديّة، وفق ما تنصّ عليه شعائر اكتساب الجنسيّة الكنديّة. لا أدَّعي علم ذاتِ الصدور، ولكنّ الأرجح عندي أنها كانت صادقة في قسمها ــ أقَلَّه في الفِلْقَةِ الثانية منه.
فإذ عزمت الخالة وداد وزوجها على اصطحاب عائلتهما الصغيرة، وعلى الهجرة من لبنان إلى كندا، بعد هجرة أولى مِنْ مصرَ إلى لبنان، فإنما فَعَلا طلبًا للعيش في بلد أَدنى غرورًا وعنجَهِيَّةً وتيهًا بنفسه من لبنانَ ومن مصر. كان ذلك، ولكن الصدق في القسم على احترام قوانين بلد ما شيء والإقامة، ملء ما تعنيه اللفظة، شيء آخر. نعم، هاجرت الخالة وداد إلى كندا، وأقسمت على التقيّد بقوانينها، ولم تحنث بقسمها طيلة عقود، ولكنني في شك مِنْ أنها أقامت هناك… بل في أيّ مكان آخر.
يجمع بين الخالة وداد والوالدة أن قاهرة الثلاثينيّات مَسقطُ الرأس منهما ومربَعُ الصبا، ويجمع بينهما أنّ بيروت التي نزلتاها أواسط الخمسينيّات كانت بَدَلًا عن بَلدٍ ضائع؛ والبلد الضائع في وُجدان السيّدتين ليس مصر، بالمعنى الجغرافيّ، وإنَّما سيرة عائلتيهما اللتين اختارتا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في زحمة التبدّلات العميقة التي عصفت بهذه الأجزاء من الإمبراطوريّة العثمانية، الهجرة من جبل لبنان ومن دمشق إلى القاهرة، عاصمةِ الحداثة الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة أيّامذاك.
من أوَّلِ الأمر، إذًن، جمع بين السيدتين، في حلّهما وتَرحالهما، شيء لا اسم له هو مزيج من الحنين إلى بلدانٍ، لا إلى بلد بعينه، واشتياق إلى أزمنة لم يبق منها سوى ما غَبَرته ــ شيء لا يوجد إلّا في الروايات، ويفترض أن يكون الواحد ممن يرفعون الروايَةَ إلى مصافّ الحياة الحقيقيّة التي لا يفعل البشر، في ما يأتونه من عمل، وما يشعرون به من شعور، سوى محاكاته وتقليده ليُصدّق أنَّه يوجد أصلًا.
هاجرت الخالة وداد إلى كندا وحكمت المقادير على الوالدة بالبقاء في بيروت ولكنّ بُعد الشَّقّة بين البلدين وبين القارَّتَين لم يحل بين السيّدتين ومواصلة حياة افتراضيّة، على هامش من مسؤوليّاتهما العائليّة والمهنيّة، من خلال الهاتف والبريد، متابعةً تفصيليّة حثيثةً لأخبار العائلتين، وتبادل معلومات عن الأنسباء الأبعد، وحنينًا مشتركًا إلى بلدانٍ عـــبرت حياتيهما مقدار ما عبرا بها، واشتياقًا إلى أزمنة يجدّد التذكار خلوّها.
وإن أنس من أحاديث الخالة وداد والوالدة لا أنس بأيّ حماسة واندفاع كانتا تتذكران العطل الصيفيّة التي قضتاها، صحبة أترابهما، في بلودان، المصيف السوريّ الجبليّ القائم إلى الشمال من دمشق، في دارة نجح عميد العائلة في الإبقاء عليها، وفي تحويل العطل الصيفيّة فيها إلى ما يشبه المؤتمر العائليّ السنويّ، فلقد كان من شأن هذا التذكر المتكرّر أن استنبت في نفسي ما يشبه الشعور بأن لي سَهْمًا في هذا المكان الذي لم أزره يومًا ــ على قربه.
نعم، لا تتجاوز المسافة بين بيروت وبلودان المئة كيلومتر، ولقد مضت على البلدين، لبنان وسوريا، أيام كان التنقّلُ فيها بين أحدهما والآخر أقلَّ من رحلة يُضْرَبُ لها موعد وتُعَدّ لها العدة، وعلى الرغم من ذلك، ومن استسهالي السفر إلى أينما اتفق، لم أستقرب بلودان يومًا… حتى كندا التي زرتها لأعوام خلت معيّة الوالدة لزيارة الخالة وداد، بدت لي أقْرَبَ من بلودان ــ ولا عجب: كلُّ المسافات لا تقاس بالأميال والكيلومترات وساعات السفَر، وأقربُ الأمْكِنَةِ أبْعَدُها متى ما استولت عليها الرواية، فكيفَ متى ما كانت هذه الروايةُ سيرةُ هجرةٍ أبطالُها عائلاتٌ لم تحمِلْ، في ترحالها، أمتعتها فقط، بل حملت أيضًا حلم «حداثة» سرعان ما تبدّى لأصحابها أنَّه حُلْم يقظة غَيْرُ مرغوب فيه لا في القاهرة ولا في بيروت ولا في سواهما من عواصم هذه البلاد، فتفرقوا أيدي سبأ ولم يبق ما يصل بينهم سوى أسلاك الهاتف وعتبٍ هامسٍ على بلاد لم تف بوعودها.
لأيام خلت نقل سلك الهاتف نفسُه الذي لطالما وَصَلَ الرحِمَ والصِّلَةَ بين الوالدة والخالة وداد ــ نقل إلى الوالدة الخبر الذي لا يملك المرء معه سوى أن يفزع فيه، على ما يقول المتنبي، بآماله إلى الكذِب: على غفلة من الأقربين والأبعدين، من دون إنذار، ماتت الخالة وداد. رَدَّ السلكُ التَّحِيَّةَ، ونقل ما يُمكنه من تعازٍ صادقةٍ حارَّةٍ ولكنَّ السِّلكَ، مهما نَقَلَ، لا يُكَلَّفُ فوق وُسعه.
لن تغيّر وفاة الخالة وداد في «المعادلات» شيئًا، ولن يعدوَ التذكيرُ بما اشْتُهِرَت به من دماثة وحنوٍّ، ومن إتقان في الطبخ، ومن براعة في التطريز، ومن صوت أوبراليّ جميل، دائرة العائلة والمحبين، ولكن الآذانَ المُرْهَفَةَ للقاهرة وبلودان وبيروت سوفَ تسمعُ طنينًا أقَلّ.
روائيّة وناشرة لبنانيّة
رشا الأمير