حرمان الخصوم من رموز الانتصار من الملكة «ديهيا» حتى الموصل

حجم الخط
3

لم يتمكن قائد امازيغي من مواجهة العرب المسلمين في شمال افريقيا، سوى ملكة امازيغية تسمى «ديهيا»، نجحت بتوحيد قبائل الأمازيغ واستعادة معظم شمال إفريقيا من القائد حسان بن النعمان، الذي تولى الامر بعد مقتل عقبة بن نافع قرب جبال الاوراس بجزائر اليوم.
هذه المرأة التي يسميها بعض المؤرخين، الكاهنة ايضا، اشتهرت بقوة بأسها وشجاعتها وحنكتها العسكرية، حتى قال عنها ابن خلدون، «ديهيا فارسة الأمازيغ التي لم يأت بمثلها زمان، كانت تركب حصانا وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس، تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها».
حكمت ديهيا البلاد الممتدة من الجزائر لتونس لسنوات، بعد أن هيمنت قبيلتها القوية «زنانه» على الامازيغ، معتصمة بمعقلها بجبال الاوراس في بلدة تعرف اليوم باسم خنشلة شرق الجزائر، وذاع صيتها حتى سماها البعض الكاهنة، رغم أن بعض المصادر تقول إن العرب، هم من اطلق هذا اللقب عليها، لعجزهم عن تفسير قوتها، فالمرأة لا تقود الجيوش عادة في بلاد العرب، فنسبوا قوتها للسحر والشعوذة. ولعل هذا ما يحصل حتى يومنا هذا، عندما لا يدرك قطاع من جمهور العرب مسألة سياسية فيردونها إلى المجهول «المؤامرة».
 ظلت ديهيا تهاجم العرب في القيروان وغرب ليبيا، لكن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان، الذي كان قد انتهى للتو من مواجهة تمرد صديقه السابق ابن الزبير، بمعركة أدت لهدم جزء من الكعبة، بعد اصابتها بمنجنيق الحجاج، أمد حسان بن النعمان بالجند والعتاد، ليعاود مهاجمة جيوش القائدة الامازيغية، ويبدأ باستعادة المدن من تونس حتى الجزائر، وما أن اقتربت جيوش العرب من معقلها في خنشلة، حتى قررت ديهيا أن تحرق القرى الامازيغية التي ينوي العرب الهجوم عليها، قررت حرقها حتى لا ينعم العرب المسلمون بها، ولعلها أرادت بخسها بعيون العرب بجعلها خرابا، فتقطع رجاءهم فيها.
وينقل المؤرخون قولها «إن الاعراب لا يريدون من بلادنا إلا الذهب والفضة والمعدن، ونحن تكفينا منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد إفريقية كلها، حتى ييأس منها الاعراب فلا يكون لهم رجوع إليها، إلى آخر الدهر».
هكذا رأت ديهيا، ألا تمنح أعداء قومها فرصة الابتهاج بالنصر، بتدمير رمزية مشهد الانتصار، وهو ما يحدث في كثير من الحروب القومية الكبرى، إذ تتمثل بهجة الانتصار بسيطرة الغزاة على أحد رموز السيادة والسلطة عند خصومهم، كالقصور الملكية والميادين والتماثيل التي ترمز لسلطة المهزوم، كما أن جزءا من هذه السياسة يهدف لإزالة كل ما يرمز لثقافة معادية ما، كما فعل المسلمون باصنام قريش، إنها ثقافة المخالفة للتمايز، وظلت ماثلة في الفقه الاسلامي، وإن في قراءة محدودة لظاهر النصوص بعيدا عن جوهرها الاصلي، عندما استمدت الكثير من المظاهر الدينية، كاللحية والزي الديني من باب مخالفة زي وثقافة غير المسلمين. 
والاهم من ذلك هو المنظور الدعائي للانتصار، ليبقى أثر الهزيمة ماثلا في الذهن، إمعانا في النكاية بالخصم وترسيخا لواقع وتاريخ جديد، ولهذا توجه الامريكيون اول ما توجهوا، بعد احتلال بغداد لساحة الفردوس، حيث تمثال صدام حسين، وكان المشهد الشهير، ولهذا أيضا قام نظام الاسد بسحب بعض تماثيله من مدن كانت مهددة بالسقوط، كما حصل بتمثال حافظ الاسد الذي سحب من مدخل مدينة حماة قبل أن يعاد ثانية هذا العام، بعد استتباب الوضع الامني للنظام، خشية أن يتعرض لمصير تمثال الاسد في الرقة، ومصير تماثيل اخرى لم تظهر للاعلام، كما رأيتها، في زيارة للقامشلي قبل الثورة، عندما كان الاكراد يستغلون ساعات الليل ليعلقوا سطلا من القمامة على يد تمثال حافظ الاسد، ليتفاجأ الجميع صباحا بالمشهد الذي لن ينسوه.
تدمير رموز السيادة إذن، أو إهانتها، هي من طقوس الانتصار اذن، وتحاول القوى المحافظة في كل امة الحفاظ على تلك الرموز من السقوط بيد اعدائها، ويمتد الامر لساحات المعارك، لكن بصورة اخرى ربما، اذ تحرص كل القوى على الحفاظ على مقرات السيادة في المدن، كمجلس المحافظة، والاجهزة الامنية، والمقرات العسكرية، ولهذا تطول احيانا معارك السيطرة عليها اكثر من غيرها، لما لسقوطها من اثر مضاعف بحكم رمزيتها، ويمكن ملاحظة ذلك مثلا في بعض معارك الثورة المسلحة في سوريا، اذ تطول معركة للسيطرة على مقر أمني واحد، كالمخابرات الجوية بحلب لسنوات، ويقاتل عنه النظام بشراسة، بينما يسقط شرق حلب بيد المعارضة بالكامل خلال ايام، وكذلك ثكنات عسكرية استراتيجية كمطار كويريس وغيرها.
واذا وصلنا لمعارك تنظيم الدولة في العراق فسنجد الامر نفسه، مع فارق التفوق العسكري الهائل لخصوم تنظيم «الدولة» الذي لا يمكنه الحفاظ على بعض تلك المراكز السيادية في المدن فيلجأ لتدميرها، بهدف حرمان القوات الحكومية والحشد الشيعي من رمزية الانتصار، وهذا ما حصل في معظم المدن التي فقدها التنظيم في الفلوجة والرمادي وتكريت واخيرا الموصل، حيث دمرت مقرات مجالس المحافظة أو مقرات الشرطة والامن، وبالموصل تم تدمير مقر محافظة نينوى قبل تسعة اشهر تحسبا لذلك، وهو ما تسبب باستياء كبير من قبل الاهالي، خاصة عندما يتعلق الامر بمرافق خدمية، ولكن الامر الجديد بالموصل هو أن احد تلك المقرات لا ترمز فقط لموقع سيادي للموصل، بل لرمزية الاعلان عن مشروع «الخلافة الاسلامية»، وهو جامع النوري بمنارته الحدباء الشهيرة، اذ تحول هذا الجامع وانتقل من وصفه المجرد كجامع وأثر تاريخي إسلامي محبب لاهل الموصل عموما،، لرمز مرتبط بمشروع الخلافة الذي صمد لاجله التنظيم شهورا طويلة في تلك المعارك الضارية، ورغم خطورة الاقدام على عمل يمس بهذا الجامع لمكانته التاريخية الاسلامية والمحلية في الموصل، الا أن تنظيم «الدولة» على ما يبدو لم يحتمل أن يرى علم الحكومة العراقية ورايات «لبيك يا حسين» للحشد الشيعي ترفرف فوق المنارة، التي اضحت اهم رموز «خلافته»، أو أن يصعد مقاتل من الحشد الشيعي للمنبر نفسه الذي ألقى منه زعيمه البغدادي خطبته الشهيره، ويقوم بتسجيل فقرة مليئة بالسخرية، كما سبق أن فعلوا في عدة مساجد في الفلوجة، وحتى في مناطق اخرى في سوريا..
لهذا كله ولاسباب اخرى، اختار التنظيم على ما يبدو، خيار المجازفة بتدمير المنارة والجامع، غير عابئ بالكثير من الاعتبارات وردة الفعل السلبية من سكان الموصل، وهذا ما ادى لحدوث خلافات واعتراضات بين عدد من العناصر والقادة داخل الموصل، نزاع ونقاشات تواصلت منذ اليوم الاول الذي بدأ فيه بتفخيخ الجامع عندما حوصر الجانب الايمن قبل شهور، واحتدمت اكثر خلال الاشهر القليلة الماضية باعتراض عدد من العناصر والقيادات الوسطية، وإن كان تاثيرها ضئيلا داخل التنظيم، على تجاوزات عدة، تبدأ بالطريقة المتبعة مع المقرات المدنية والخدمية، التي يفقد التنظيم السيطرة عليها، وتصل لموضوع أشد اهمية، وهو السياسة التي اتبعت في التعامل مع المدنيين النازحين من الموصل.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

حرمان الخصوم من رموز الانتصار من الملكة «ديهيا» حتى الموصل

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية