«حبّك نار» مسرحيّة سورية تدافع عن الحق في التخبّط

حجم الخط
0

مساء الأربعاء، الرّابع عشر من حزيران/يونيو الماضي، ذهبت لمشاهدة العرض الثّالث لمسرحيّة «حبّك نار» في برلين، وهي مسرحية من تأليف الكاتب مضر الحجي ومن إخراج المخرج رأفت الزاقوت، دراماتورجيا الكاتب والمخرج وائل قدور وكلهم سوريون. عموماً، كلما أذهب لحضور إنتاج فنّيّ سوريّ، أكون منفعلة من هذه اللقاءات، لربما ككل الذين شاهدوا الفنّ السوريّ فقط عبر التلفزيون، من موسيقى وسينما ومسرح، واليوم بإمكانهم أن يشاهدوه بشكل حيّ ومباشر، وذلك بسبب الظروف القاسيّة التي عشناها وما زلنا نعيشها، بما في ذلك اللجوء، فتتيح هذه الأحداث المؤلمة مساحةً للقاءات مؤثرة، كما في برلين.
لم يغب التلفزيون عن العمل المسرحيّ، الذي يبدأ مع شاشة صغيرة وسط المنصة تبثّ مقاطع فيديو، عمل عليها كلّ من جمعة حمدو وكارولا شميت، تدمج المقاطع بين فيديوهات سياسيّة منذ الخطاب الأوّل لحافظ الأسد مروراً بجنازته إلى بشار الأسد واختتاماً بمشاهد من الثورة السوريّة، وكذلك مشاهد فنيّة مثل حفلة لسميرة توفيق. كل مقاطع الفيديو ما عدا مشاهد من الثّورة السّوريّة رافقتها ضحكات من الجمهور، حتى غير السوريّ منه، الذي يرتبط التلفزيون السّوريّ كثيراً في ذاكرته. كانت مقاطع الفيديو بمثابة خلفيّة سريعة للعمل المسرحيّ، كما أنها خلفيّة لقصّة الكاتب التي تشبّه قصص الكثيرين في سوريا، كما في الثورات والحروب، وعلى الرّغم من أن كل قصّة فرد تحمل خصوصيتها وتفاصيلها معها، لكن خطوط قصص كثيرة تشتبك في بعضها البعض.
كان واضحاً أن العمل المسرحيّ «حبّك نار» وفقًا لنصّه التعريفيّ أنه حكاية الكاتب، ورحلته مع القصّة التي يرغب بسردها والتي بدأت في العام 2011 في دمشق، مروراً ببيروت واختتاماً في برلين، ويُطلق عليها اسم «الرّحلة الثّالثة»، حسب تعبيره.
مع دخول الجمهور إلى المسرح، تجلس كلّ من حلا (ريم علي) ورند (أمل عمران، في بيتهما، صديقتان تعيشان سويةً في الشّام. الظّروف تزداد سوءاً، وجبهة القتال تقترب، فتجهز حلا لمغادرة الشّام باتجاه ألمانيا، ورند لا تستطيع المغادرة بلا حبيبها خلدون (محمد آل رشي)، الذي يخدم إلزامياً في جيش النظام. فجأة، يدق باب الشّقة، خلدون على الطرف الآخر من الباب بعد حصوله على إجازة لمدة 24 ساعة من خدمته. منذ تلك اللحظة، تدور أحداث المسرحيّة داخل البيت، حوارات ونصوص مليئة بالسخريّة السّوداء والقريبة من حقيقة الناس، رند تحاول أن تقنع حبيبها وتضغط عليه للانشقاق من الجيش كي يتمكنا من ترك سوريا، هو بدوره خائف من هذه الخطوة لما تعكسه على عائلته ومصيرها ومستقبله.
الزّمن داخل الشّقة وفي الأحداث التي يعيشها كلّ من حلا ورند وخلدون، واضح المعالم: دمشق 2011. على الرّغم من التغيّيرات السّريعة التي مرّت وتمرّ على الشّخصيات والتي لا علاقة منطقيّة لها بالزّمن الذي يمشي وفقاً لإيقاعه الطبيعيّ. بمعنى، أن تأثير الكوارث والتغييرات غير المتوقعة على الفرد وحياته، تضعه في حالة بأن الزّمن وعلى الرغم من إيقاعه العاديّ يمشي بوتيرة سريعة، وكأن الأحداث التي كان يجب أن تحدث على مدار خمس سنوات، أصبحت تحدث خلال يوميْن. الزّمن الآخر هو الزمن المتحرك للكاتب (الذي يقوم بدوره مؤيد روميّة)، رحلته الفرديّة مع الثورة والحرب واللجوء والحبّ وأسئلته الوجوديّة تجاه الإنسان والحياة، يحضر زمنه في النّص والمسرحيّة، هو غير مفصول عنها، لا يحكي قصته من خلال قصة شخصيات المسرحيّة فقط، بل أنها حاضرة تمثيلاً ورواية وحوارا مع شخصيات المسرحيّة الثلاث، ومع نفسه، كشخصيّة رابعة.
خلال متابعتي مؤخراً للإنتاج الفنّيّ السّوريّ في برلين، لفت نظري وأُعجبت كثيراً بكيف يحكي جيل المبدعين السّوريّين اليوم قصّتهم المتواصلة. بمعنى، معظم الإنتاج الفنّيّ والثّقافيّ السّوريّ اليوم قادر أن يحكي عن القصّة الكبرى/ قصّة وأحداث المكان/ سوريا وناسها، من خلال قصص الأفراد وكذلك من خلال التوجه إلى مواضيع وجوديّة وقصصها. في «حبّك نار»، كانت سوريا حاضرة، بالتغيّيرات التي حصلت فيها منذ 2011 ولغاية 2015، وعدا عن مقاطع الفيديو في بداية المسرحيّة، لم يكن هناك إقحام للمباشرَة والخطابيّة في النّص؛ كانت قصّة سوريا حاضرة وقريبة من خلال سرد قصّة حبّ رند وخلدون، وقصّة حبّ حلا والكاتب، وكل التخبط الذي عاشه الكاتب في ظلّ رحلة لجوئه والحاضر في نصّه أيضًا.
مسألة التخبط نقطة أساسيّة ومحوريّة في العمل المسرحيّ، وهي الحالة التي رافقت النّص وشخصياته وأحداثه. من قال أن على المنتَج الإبداعيّ أن يجيب على كل الأسئلة؟ وأن يكون متكاملًا وله نهاية شاملة وواضحة؟ أعتقد أن مسرحيّة «حبّك نار» نموذج حقيقيّ وصادق لما يمرّ به الفنّ السّوريّ اليوم، وعلى الرّغم من الأسئلة الكثيرة التي يقدّمها العمل تجاه الواقع والنّص ومضمونه والمستقبل المجهول للإنسان والمكان، أسئلة الكاتب تجاه العالم والفنّ والمكان ونفسه، الأسئلة التي عاشها كل شخص شارك في العمل بشكل أو بآخر، بإمكانه أن يحكي أمراً بسيطاً وجميلاً: ليس بالضرورة أن نبتعد زمنياً عن وجع أو فرح ما، كي نحكي عنه، إذْ لنا الحق أن نحكي عن كل شيء من النقطة الزمنيّة التي نرغب بها والتي نعيشها، والعمل الفنّيّ بإمكانه أن يكون سرداً تاريخياً لا للأحداث فقط، إنما لتأثيرها على قصص وحيوات الناس، وإن بدا متخبطاً في أسئلته، فهو متكامل في حقه بالدفاع عن هذا التخبّط.
عودة إلى النقطة الأولى، والانفعال الحاضر دوماً كلما ذهبت لمشاهدة إنتاج فنّيّ سوريّ ببثّ حيّا في برلين. تركت المسرحيّة وجملة واحدة ما زالت عالقة في رأسي، في مشهد يصل فيه الاحتدام ذروته بين رند وخلدون، أثر طلبها المتكرر منه بأن ينشق عن جيش النظام، وبعد أن يقول لها بأنها تغيّرت، تجيبه رند: «معقول أكون أنا بعد كل اللي صار؟ مصيبة!». بالنسبة لي، كانت هذه جملة مفتاح العمل المسرحيّ، وجملة مفتاح الكثير من التغييرات التي تحصل لنا وللناس من حولنا وكذلك للفنّ، بما يتعلق بسياق هذه المقالة. وبالتالي، كانت هذه الجملة هي التي قلتها لنفسي إزاء فكرة مشاهدة فنّ سوريّ في برلين، الانفعال سيبقى على ما هو، لكن بالتأكيد الفنّ السّوريّ اليوم، وفي ظلّ شتاته في سوريا والعالم، بالتأكيد، «ما رح يكون هو بعد كل اللي صار». وبالرغم من كل الحزن، بإمكان التغيّيرات على الفنّ هذه أن تكون بمثابة رحلة استكشاف لجماليّة ما سيقدّمه هذا الفنّ للعالم.

«حبّك نار» مسرحيّة سورية تدافع عن الحق في التخبّط
عُرضت في برلين وتحكي قصة حبّ ومصائر وطن
رشا حلوة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية