اليمن ينتكس بين استفحال «الكوليرا» وتنازع الرياض وأبو ظبي على النفوذ والزعامة

حجم الخط
2

رائد إبراهيم
ألقت الأزمة الخليجية وقطع السعودية، والإمارات، والبحرين، علاقاتها مع قطر، بظلالها على الملف اليمني، الذي يسجل منحى إنسانيا خطيرا، وتفككا على المستوى السياسي، وتذمرا شعبيا، لما آل إليه الوضع من انتكاسة، في ظل النزاع الخفي على النفوذ والزعامة بين الرياض، وأبو ظبي، وغياب الطرف المحايد بينهما، الدوحة.
السعودية التي كانت السباقة منذ إعلان قطع علاقاتها مع قطر، أنهت في الوقت نفسه مشاركة جارتها، في عمليات «عاصفة الحزم» لا تملك حتى الآن بدائل واضحة للخروج من الأزمة.

مأزق الرياض

كل المؤشرات والقراءات الجادة والموضوعية، اعتبرت قبل 3 سنوات و3 أشهر، أن دخول القوات السعودية، وفرض سياسة الأمر الواقع على حلفائها الخليجيين، لم يكن قرارا سهلا، ويحقق النتائج المعلن عنها بتلك السهولة التي تحدثت بها القيادة العامة للعمليات.
حرب العصابات التي أرادت الرياض خوضها في المتاهة اليمنية، في واقع اجتماعي، وقبلي، معقد، وتضاريس جغرافية صعبة، لم تكن خيارا يسيرا، وسهل التنفيذ، بالرغم من محاولات الأطراف الأخرى، لعب دور أساسي في الخروج من الأزمة، ودفع الأطراف إلى طاولة الحوار والمفاوضات.
وتشعر القيادة السعودية الآن، أنها متورطة في الملف اليمني، أكثر من أي وقت آخر، خصوصا بعد إبعاد حليفتها السابقة، الدوحة، من المعادلة السياسية، وهو ما يجعلها في مأزق، لغياب بدائل واضحة تعينها على إدارة الصراع، مع شريك ليس موضع ثقة، وهو الإمارات التي تلعب لفائدتها، وتخطط وفق خياراتها الاستراتيجية.

غياب الدور القطري

إن كانت السعودية والإمارات لن تعترفا بتأثرهما لغياب قطر بدورها الثقيل، وارتداده على إدارة الملف، فإن الواقع يثبت ذلك، وفق معطيات وحقائق لا يمكن القفز عليها، أو تغييبها.
ولعبت الدوحة منذ انضمامها للتحالف العربي، والإسلامي، الذي قادته المملكة العربية السعودية دورا محوريا في إدارة الملف، سواء على المستويات العسكرية، والسياسية والإغاثية ورمت بثقلها في الميدان لدعم جهود الرياض.
وأعلنت منذ البداية إرسال نحو 12 طائرة مقاتلة من قواتها الجوية، يقودها طيارون مدربون على أعلى مستوى، شاركوا بكفاءة في الضربات الجوية، واستهداف ترسانة الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح ودك قدراته الجوية.
سريعا عززت قطر دعمها لحليفتها السعودية بفرق مدرعة من نخبة قواتها البرية، تضم أزيد من ألف جندي، وعشرات الضباط الأكفاء، الذين نفذوا دورات أركان خارجية، في عدد من الدول، وقادوا ميدانيا القتال، وساهموا في الدفاع عن الحدود الجنوبية للمملكة.
وزودت فرقها الميدانية بعتاد ثقيل، وصواريخ دفاعية، ومنظومة اتصالات متطورة، استعدادا لعملية واسعة تستهدف استعادة صنعاء، ومحافظات يمنية أخرى من الحوثيين وحلفائهم.

حراك سياسي ودبلوماسي

السعودية وقادتها بدأوا فعلا يشعرون بدور الدوحة السياسي، وحنكتها في إدارة الملف، والتوازنات التي كانت تضبط بها إيقاع المفاوضات مع الأطراف الأخرى، والسعي لإنهاء الصراع، وطي الملف اليمني تحت طاولة الحوار، ومن دون قتال متى ما كان ذلك متاحا.
ونشطت الدبلوماسية القطرية في كل الاتجاهات، وخصوصا مع الأمم المتحدة، ودعمت جهود مبعوثها الدولي، وتوجيه خطاه.

جهود إنسانية

دعم قطر للسعودية في «عاصفة الحزم» كان أمرا محتما، ولدواع اعتبرت استراتيجية، لدحض التغلغل الإيراني في خاصرة الخليج، وفي الوقت نفسه سعت إلى التخفيف على المواطنين من وطأة الحرب، وآثار النزاع الدموي.
واستضافت الدوحة مؤتمر الأزمة الإنسانية في اليمن، الذي اختتم شباط/فبراير الماضي بجمع 223 مليون دولار لدعم الجهود الإنسانية هناك، وتعهّدت «قطر الخيرية» بدفع مئة مليون منها كجهود إنسانية وإغاثية. وساهمت بسخاء في جهود الإغاثة والإعمار في اليمن منذ بداية الأزمة هناك، وسيرت جسرا جويا نحو مختلف المحافظات، وشرعت المساعدات القطرية تتدفق على عدن عن طريق البحر على دفعات متتالية منذ الشهور الأولى من العام 2015 عبر مطار جيبوتي، ثم سومطرة وعدن لاحقا. المتابع للشأن اليمني وتطور الوضع في البلد يلمس ذلك الخلاف الجلي بين السعودية والإمارات من خلال عدد من الشواهد والمعطيات.
وكشفت مصادر عدة حقائق عن عرقلة قوات أبو ظبي المتمركزة جنوب اليمن، تقدم الفرق المساندة لهادي، والتي تديرها السعودية في مدينة تعز.
ومن أول وهلة وضعت الإمارات العربية نصب عينها السيطرة على عدن، ومحيطها لتكون بمثابة قاعدة خلفية لأجهزة استخباراتها، التي كانت لها اليد الطولى في المنطقة، من دون منازع، ولا جهة يمكنها أن تدخل المحافظة من دون إذن من جهازها الاستخباراتي.
كما كشفت تقارير دولية عدة استقت معلوماتها من أجهزة استخبارات دول غربية، تعرض عدد من القوات السعودية لكمائن من قبل أطراف مجهولة، (رجح ان تكون بتدبير إماراتي) ووصل الخلاف بين الجانبين إلى حد المواجهة الدموية.
واستهدفت غارات جوية «مجهولة المصدر» قوات من الحراك الجنوبي موالية للسعودية، في عدن وأبين.
ولمحت مصادر يمنية، أن الإمارات هي من تقف خلفها، ووصف البعض الأمر، بأنه مساع ممنهجة لتطهير «مناطق نفوذ الإمارات» من أي قوى سعودية وازنة في الميدان.
كما تكشف القرائن المؤكدة، أن الإمارات سعت لإفساد عملية انتقال السلطة التي ترتب لها السعودية، بمواكبة من حلفائها في اليمن، وإفشال حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي التي تضم أعضاء لحزب الإصلاح (التابع لجماعة الإخوان المسلمين).
ومن خلال العداء التاريخي بين أبو ظبي وتيار الإخوان ساهم الأمر في إذكاء نيران الفرقة في اليمن ومنع حزب الإصلاح الذي لم يكن مغضوبا عليه سعوديا من لعب أي دور سياسي أو عسكري في اليمن.
محاولات الإمارات إبعاد هذا المكون الذي يملك قاعدة شعبية واسعة ومتغلغلة في اليمن لحسابات سياسية عرقلت جهود السعودية في إحراز تقدم سياسي وتوافقات من شأنها تمهيد الأرضية لتحقيق اختراق في هذا الملف المعضلة. وعارضت أبو ظبي عددا من التعيينات التي كانت الرياض بصدد إعلانها مثل نايف البكري في عدن وحمود المخلافي محافظا لتعز، لانتمائه للإخوان المسلمين.

استفحال الكوليرا

لم يكف أهل اليمن ما حل بهم من محن بسبب الحروب والفتن والمؤامرات التي تحاك في بلدهم، حتى حل عليهم وباء الكوليرا بسبب غياب الرعاية الصحية اللازمة وتوفر المياه الصالحة للشرب.
ونزلت الأنباء الواردة عن استفحال هذا الوباء كالصاعقة على المنظمات الأممية التي تبذل ما بوسعها لتقديم القدر اليسير من المساعدات للسكان، في ظل ظروف صعبة تمنع إيصال المعونات. ولا تزال المنظمات تناشد الأطراف الامتناع عن استهداف قوافل المساعدات والسماح للطواقم الطبية من الوصول إلى الأماكن المتضررة لتقديم الدعمم اللازم للسكان.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن حالات الاشتباه في الإصابة بمرض الكوليرا، الناتجة عن انتشاره الكبير في اليمن، تجاوزت مئة ألف حالة.
وسجلت 798 حالة وفاة بالمرض، في 19 محافظة من بين 22 محافظة يمنية، منذ السابع والعشرين من أبريل/نيسان الماضي.
وتقول منظمة «أوكسفام» الخيرية إن الوباء يقتل شخصا كل ساعة تقريبا في ذلك البلد.
كما أعلنت منظمة «الصحة العالمية»، ارتفاع عدد ضحايا الكوليرا في اليمن، إلى 1100 حالة منذ عودة انتشار المرض، موضحة، في إحصائية، أنه تم رصد قرابة 159 ألف حالة يشتبه إصابتها بوباء الكوليرا في اليمن، و1100 حالة وفاة مرتبطة بالمرض نفسه.
وأضافت «الصحة العالمية»، أن العاصمة اليمنية صنعاء ومحافظات عمران شمال البلاد، وحجة شمال غربي اليمن والحديدة غرب اليمن، من أكثر المحافظات التي شهدت انتشارا أكبر لوباء الكوليرا». ويتطلع اليمنيون لتوصل الأطراف الإقليمية والمحلية المتنازعة لأرضية تفاهم تنهي الصراع الدائر في البلد وتعيد لليمن صفته ليكون سعيدا مثل عصوره السابقة.
هذا الرجاء ليس من اليسير تحقيقه من دون توافق الرياض وأبو ظبي، على سبيل الحل مع الأطراف المتنازع معها.

اليمن ينتكس بين استفحال «الكوليرا» وتنازع الرياض وأبو ظبي على النفوذ والزعامة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية