محمد بن سلمان ولياً للعهد: السعودية على المحك

حجم الخط
10

تعيين العاهل السعودي الملك بن سلمان نجله الأمير محمد ولياً للعهد لم تكن بالخطوة المفاجئة، إنما التكهنات كانت دائماً تحيط بتوقيتها، ولاسيما أنها تستدعي إعفاء الملك لولي عهده الأمير محمد بن نايف، الرجل القوي الذي بنى حزاماً أمنياً حول المملكة وضرب بيد من حديد محققاً نجاحات في مواجهة التطرف الديني في الداخل السعودي، وفي المعركة ضد تنظيم «القاعدة» وخلاياها، محصناً أمن المملكة وممسكاً به. وكانت الروايات تَكثُر عن الصراع المرتقب بين «المحمدين»، في ظل بروز محمد بن سلمان مع إطلاق السعودية في آذار/مارس 2015 عملية «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين في اليمن، على رأس تحالف عربي-إسلامي، عقب تسلّم والده مقاليد الحكم مطلع العام ذاته، وتسارع نفوذه وقوته في السلطة مع تعيينه بعيّد ذلك، في شهر نيسان/ابريل، ولياً لولي العهد. غير أن زمن «الأوهام» على صراعات وانشقاقات ضمن العائلة الحاكمة انقضى مع حصول محمد بن سلمان على 31 صوتاً من أصل 34 صوتاً من «هيئة البيعة» المعنية باختيار ولي العهد، ومبايعة محمد بن نايف لبن سلمان.
وسواء كان انتقال الحكم حكمَته تسويات داخلية ضمن العائلة أو لم تحكمه، فإن هذا القرار رسم معالم الرؤية المستقبلية للمملكة. فصحيح أن تعيين بن سلمان فتح الطريق لجيل الشباب من الأسرة الحاكمة للوصول إلى العرش، لكن تأمين مسيرة الانتقال السلمي للحكم إلى الجيل المخضرم من أحفاد أبناء المؤسس الملك عبد العزيز، التي كانت تؤرق دائما الحليف الأمريكي، بدأت فعلياً مع تعيين الرجل الخمسيني محمد بن نايف ولياً للعهد، وهو ما أزال هذا الهاجس حول مستقبل المملكة، لاسيما بعد إنشاء «هيئة البيعة» في عهد الملك عبدالله.
أهمية تعيين محمد بن سلمان، وفق المراقبين، تكمن في أنه يشكل امتداداً للاستراتيجية التي أرساها الملك سلمان، والتي شكّلت تحولاً فعلياً في تاريخ السياسة السعودية على مختلف الصعد. فمحمد بن سلمان كان لاعباً أساسياً في رسم تلك الاستراتيجية وصاحب التأثير الأكبر فيها، لا بل انه يتصدر الواجهة أكثر من كونه ظل والده.
ومن هنا، فإن القرار يأتي ليؤمن استمراراً مضموناً للاستراتيجية الراهنة، بعيداً عن أي احتمالات بالعودة إلى الوراء إذا ما تبدّل الحكم. فسياسات الصبر الدبلوماسي والنفس الطويل وسياسة الاحتواء وعدم الانخراط المباشر، التي اتسمت بها المملكة على مر عهود سابقة، تحوّلت مع العهد الحالي إلى سياسة مواجهة وهجوم وانخراط مباشر وصولاً إلى إمكان الحروب الاستباقية، حين بات الأمن القومي الخليجي وأمن المملكة في خطر، مع تغلغل إيران الكبير في المنطقة وفي المجتمعات العربية وضرب نسيجها الاجتماعي، وبعدما أثبتت سياسة الاحتواء السعودية فشلها في لجم المشروع الإيراني الذي وجد مناخات مؤاتية للتمدد وتجميع أوراق قوة، في ظل حكم إدارة باراك أوباما، صاحب سياسة غض الطرف لإنجاح الاتفاق النووي، تماماً كما استفاد هذا المشروع قبلها من الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق التي أراحت طهران وفتحت لها الطريق.
ففي البعد الاستراتيجي، نجح الشاب الثلاثيني في أن يعيد نسج علاقة متينة مع الإدارة الأمريكية الجديدة بعدما شابت العلاقة السعودية الأمريكية حالة من التوتر الشديد في عهد أوباما، متكئاً على مروحة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والاستثمارية والعسكرية بين البلدين، مُعَززاً بالرؤية الاقتصادية الطموحة «رؤية 2030» التي طرحها بهدف تنويع الاقتصاد السعودي ونقل البلاد من مرحلة الاعتماد الكلي على الموارد النفطية كمصدر للدخل إلى تطوير الصناعات وجذب الاستثمارات إلى قطاعات جديدة لم تكن مطروقة من قبل.
هذا النجاح في إعادة رسم مقومات العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن والتماهي سوياً حول العناوين السياسية الرئيسية في المنطقة بدءاَ من مكافحة الإرهاب وماهيته وكيفية تعريفه والقضاء عليه، مروراً بضرورة بذل المساعي من أجل الدفع قدما نحو تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ووصولاً إلى ضرورة وضع حد لإيران ودورها في زعزعة استقرار دول الجوار وما تشكله أذرعها العسكرية في المنطقة من ميليشيات إرهابية، أعطى الرجل زخماً كبيراً في مسيرته الصاعدة، وزاد من رصيده اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المملكة العربية السعودية المحطة الأولى في زيارته الخارجية، وهي الزيارة التي أرست بداية التحول الإيجابي في سياسة واشنطن تجاه الرياض بعد سنوات عجاف، لكن الأهم أنها رسمت بعضاً من معالم الاستراتيجية المشتركة حيال المنطقة، وإن كان كثر من المحللين يرون أنه لا يزال من المبكر الجزم بالمدى الذي سيصل إليه سيد «البيت الأبيض» في ظل عدم جلاء كامل الاستراتيجية الأمريكية المترامية الأطراف بين لاعبين متعددين من موسكو إلى طهران وتركيا، والمنفلشة على ساحات عدة من العراق إلى اليمن فسوريا وغزة وليبيا وأفغانستان وغيرها من المناطق المرشحة إلى التحوّل ساحات مواجهة.
وإذا كان من غير المتوقع أن نشهد أي تغييرات في السياسة الخارجية للمملكة في الملفات الساخنة، نظراً إلى الدور المحوري لولي العهد الجديد فيها منذ البداية، فإن ذلك من شأنه أن يشكل سلاحاً ذا حدين بالنسبة إليه، إذ أنه يضع رصيده كاملا في سلة الخيارات المتخذة دون أي هامش بين العهد الحالي والعهد المقبل، والتي يمكن من خلاله أن ينطلق مجدداً إذا ما أصيب المسار الراهن بانتكاسات أو حصلت ارتدادات سلبية جراء الحروب التي يُتوقع لها أن تطول مع غياب آفاق فعلية للتسويات السياسية، خصوصاً في اليمن، التي يدفع السعوديون ثمن معركة يدركون الاّ مفر منها، لكنها قد تترك تداعيات صعبة إذا استمرت مترنحة، فضلاً عن أن نهجه في التخاطب السياسي ينحو إلى الكلام المباشر بعيداً عن الدبلوماسية، ما يضعه على الدوام في عين العاصفة، وهو نهج خبرته إيران بنفسها حين اعتبر أن بلاده تقف في وجه «نزعة إيران التوسعية» وتدرك أنها هدف للنظام الإيراني لكنها «لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لتكون المعركة عندهم في إيران».
والموقع الجديد لمحمد بن سلمان سيفرض عليه، حسب المتابعين، أن يكون في واجهة المشهد في التعامل مع الأزمة الناشئة مع قطر، والتصدي تالياً لتداعياتها، رغم أنه ليس بعيداً عن قرار قطع العلاقات معها، لا بل أن هذه الأزمة التي هزت البيت الخليجي، وقد تتطور على أكثر من محور إسلامي، قد تكون سرّعت من خطوات الانتقال في الحكم. غير أن التحدي أمام محمد بن سلمان لا يكمن فقط في البعد السياسي، بل يتعداه إلى البعد الاقتصادي. فالرجل حمل لواء الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة وتطبيقها، وهي خطوة ليست شعبية في مجتمع تعود على رفاهية معينة وتقديمات وامتيازات يُنظر عليها على أنها جزء من توزيع الثروة. وإذا كان التوجه نحو سياسة تقشفية طاولت الموظفين في القطاع العام يمكن قراءاتها من المنظور الاقتصادي- المالي، العودة عنها في فترة زمنية قصيرة، لا يمكن تفسيرها سوى من منظور سياسي احتوائي لمزاج الشارع عموماً.
على أن الخطوة الأكثر حساسية تجلت في تجاوز الرجل المحظور باقتراحه طرح 5٪ من آرامكو، المجموعة النفطية العملاقة والعامود الفقري للاقتصاد السعودي، في البورصة وتشكيل صندوق سيادي بقيمة ألفي مليار دولار أمريكي سيكون الأضخم في العالم. خطوة جرى النظر إليها بحذر شديد داخلياً وخارجياً، وإن كان بعض الاقتصاديين يرون أنها تكتسب أهمية كبرى رغم المخاطر التي يمكن أن تطرأ على السوق وتؤثر عليها.
وإذا كان من الصعب الحكم راهناً على ما ستؤول إليه «رؤية 2030» والاصلاحات المصاحبة من انعكاسات على الداخل السعودي، وعلى علاقاتها مع دول القرار، حيث تشكل المصالح الاقتصادية والعقود الاستثمارية والعسكرية أداة من أدوات التأثير في القرار السياسي لتلك الدول، فإن الأكيد أن نجاح تلك الخطوة أو فشلها ستترك تأثيراتها ليس فقط على مستقبل الشاب الذي يسم بطموح لا محدود، ويمسك بيده الكثير من مفاصل الدولة الأساسية، بل أيضاً على مستقبل تماسك العائلة الحاكمة التي تمرست قياداتها على التعامل بحكمة وروية في أصعب الظروف بعيداً عن أي مغامرات أو خطوات غير محسوبة.
وإذا كان محمد بن سلمان يحظى بشعبية شبابية في المملكة وفي أوساط كثير من الشباب العربي لما يشكله من عنوان أمل في لحظة الشعور بالإحباط والعجز والوهن، فإن التحديات التي تنتظره تبدو كبيرة، خصوصاً أن التحولات في السعودية لا تنعكس عليها وحدها بل تطال العالم الإسلامي بغالبيته بما تمثله له من حاضنة ومظلّة ومرجعية، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد أن السعودية أضحت أمام امتحان كبير وعلى مفترق طرق ستحدده مقبل السنوات!

محمد بن سلمان ولياً للعهد: السعودية على المحك

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية