يمكن القول بحذر إن بنيامين نتنياهو على الرغم من عدم قيامه بخطوات تاريخية حادة، كرؤساء حكومة مثل ديفيد بن غوريون أو مناحيم بيغن أو حتى أرئيل شارون، هو قائد تاريخي من حيث منهجيته لتحقيق انعطافات تاريخية في أربع قضايا حاسمة: العمل المنهجي للقضاء على إمكانية إقامة دولة فلسطينية. وإقامة علاقات وتنسيق فعلي مع الغالبية الساحقة من أنظمة الدول العربية، والسعي لجعل التطبيع علنيًا ورسميًا، بحيث تصبح الأولوية للصراعات الإقليمية وليس للقضية الفلسطينية. التحريض ضد المواطنين العرب بمنهجية لم يسبقه إليها أي رئيس حكومة. وتكثيف التشريعات ضدهم.
التضييق المنهجي للهامش الديمقراطي، من خلال ملاحقة منظمات حقوق الإنسان، زعزعة مكانة المحكمة العليا، ومحاولات السيطرة على وسائل الإعلام والأكاديميا، أو بث جو من التخويف في الحد الأدنى.
تعميق السياسة الاقتصادية النيوليبرالية التي تحطم كافة شبكات الحماية الاجتماعية للمواطنين من الطبقات الفقيرة في الأساس حتى الوسطى.
العداء ضد المواطنين العرب
لا نبالغ إذا قلنا إن المواطنين العرب أصبحوا أقلية مُلاحَقة من قبل رئيس الحكومة شخصيًا! يحرّض نتنياهو ضد المواطنين العرب لأسباب عنصرية بنيوية، وذلك كجزء من أيديولوجية الفكر التنقيحي الذي حاول مؤسسه زئيف جابوتنسكي تغليفه بقشرة ليبرالية، تساقطت في الدورات الأخيرة لليكود خصوصًا. ومع افتقاد نتنياهو لورقة التلويح بـ«الخطر الإيراني» قبل سنتين، بسبب الاتفاق العالمي معها، وجد ضالته بإعادة إنتاج «عدو جديد» وهذه المرة من داخل الدولة، وهو المواطنين العرب! انسجم توجه نتنياهو العنصري مع إدراكه العميق للقوة السياسة للمواطنين العرب الذين منعوه من تشكيل الحكومة أبان حكومة رابين (1992- 1995) وكادوا يحسمون بمنع وصوله إلى رئاسة الحكومة سنة 1996 حيث كان الفرق بينه وبين شمعون بيرس 30 ألف صوت فقط، وفي انتخابات العام 1999 حال المواطنون العرب دون مواصلته رئاسة الحكومة، حيث حصل نتنياهو على أغلبية يهودية، ولكن القوة الانتخابية للمواطنين العرب حسمت خسارته (النتيجة النهائية: 44% لنتنياهو مقابل 56% لبراك).
هذه الوقائع الثلاث جعلت نتنياهو السياسي الأكثر مساندة لاستخدام القوة السياسية للمواطنين العرب، بل أصبحت الهاجس الأكبر لديه، وهو المُغرم بموقعه شخصيًا وأيديولوجيًا. وهذا ما حدا به إلى وضع الاستراتيجية الأكثر مثابرة لديه: إخراج المواطنين العرب خارج الشرعية السياسية.
خطران: استراتيجي ومرحلي
يشير واقعنا إلى خطريْن:
الأول، استراتيجي ودائم منذ العام 1897 وهو مجمل الأيديولوجيا الصهيونية التي أرادت أن يكون وطنُنا بيتًا قوميًا لليهود.
الثاني مرحليّ، حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو التي تسعى إلى شطب الملفات المركزية: الاحتلال، قضايا المواطنين العرب، الهامش الديمقراطي والسياسة الاقتصادية. إن منهجية تعامل الحكومة ورئيسها مع هذه الملفات تجاوزت السياسات، إلى ما يعرف بالحوكمة governance، والسيطرة على مقاليد الدولة العميقة. والهدف: حتى عند هزيمة اليمين انتخابيًا، تبقى سياسة اليمين العميقة هي المسيطرة وتنازع كل محاولة لتغييرها.
هذان الخطران: الاستراتيجي والمرحلي يتطلبان هما أيضًا، من الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل، جوابيْن: استراتيجي ومرحلي. يكمن الجواب الاستراتيجي في تحقيق الانجاز التاريخي بإقامة القائمة المشتركة والعمل الصادق على تعزيز وحدتها وتأثيرها. فقد عبّرت عن الوحدة الوطنية للمواطنين العرب الفلسطينيين والقوى اليهودية الديمقراطية، وعن طرح البديل الأيديولوجي والقيمي لمجمل الأيديولوجيا العنصرية ولمجمل الخريطة السياسية الإسرائيلية. لهذا فالقائمة المشتركة هي الأساس الصلب والاستراتيجي.
إن القائمة المشتركة التي حققت إنجازات غير مسبوقة من حيث التحالف والتمثيل، وتحقيقها إنجازات عينية ملموسة لصالح المواطنين العرب وأبرزها التعاون مع الرؤساء السلطات المحلية العربية لانتزاع جزء من حقوقها ضمن الخطة الاقتصادية 922. تقنعنا، للمفارقة الجدلية، أنه بالذات مع تحقيق التحالف الأكبر وتحصيل عدد المقاعد الأكبر منذ الكنيست الأولى، ظلّت هذه الانجازات غير المسبوقة عاجزة، لوحدها، عن صدّ المخاطر المصيرية التي تقودنا نحوها حكومة نتنياهو.
لذا يتطلب الأمر، إلى جانب الحفاظ على القائمة المشتركة، أن نبني تحالفًا ديمقراطيًا أوسع يجتمع على النقاط الأربع أعلاه: ضد الاحتلال، وضد التحريض على المواطنين العرب ومكانتهم ومكتسباتهم، وضد السياسة الاقتصادية النيوليبرالية، وضد التضييق على الهامش الديمقراطي، ولتجذير قيم السلام والمساواة والعدل الاجتماعي بين الجمهور الواسع. وهذا التحالف ليس إطارًا برلمانيًا أو انتخابيا، وإنما هو حركة شعبية واسعة تسعى لتحريك مئات الآلاف من العرب واليهود ضد حكومة نتنياهو. هناك من يريد أن نضع خطًا واحدًا قاطعًا بين القائمة المشتركة من جهة وبين كل الأحزاب السياسية والجمعيات من جهة أخرى، وبهذا نساهم في عزل أنفسنا. وهناك من يريدنا فقط احتياطًا لليسار الصهيوني في مواجهة اليمين؛ احتياطًا ومخزونًا للأصوات لا رأي ولا تأثير له، وبهذا نقوم بإلغاء أنفسنا. واقتراحي هنا هو تجاوز عقلية الخط الواحد، وعدم الانغلاق في ثنائية قاطعة، علينا أن نضع خطين رابطين سياسيين: الأوّل هو الخط الرابط بين القائمة المشتركة ببديلها السياسي والاجتماعي لكل الأحزاب الفاعلة من جهة، ووضع خط رابط آخر يساهم مع كل من يسعى لتغيير الحكم، ويساهم في أن نكون جزءًا أساسيًا ونديًا في المعسكر القلق من سياسة نتنياهو ويسعى بفاعلية إلى تغييره. أنا أتحدث بما لا يقبل التأويلات عن معادلة مبنية على الندية تمامًا، حيث علينا، نحن المواطنين العرب، أن نفهم أننا لوحدنا لا نستطيع إحداث التغيير كوننا عشرين بالمئة فقط، ولكن على شركائنا (المختلفين والمتفاوتين، يجدر القول) في المعسكر الديمقراطي أن يفهموا جيدًا أنه لا يمكن بدوننا! لا يمكن صنع البديل بدون الوزن السياسي الكمي والنوعي للمواطنين العرب. بهذا الوزن الحاسم وبهذه الندية نبني هذا المعسكر الديمقراطي. السؤال الأهمّ لهذه المرحلة في مواجهة حكومة نتنياهو هو: مَن يعزل مَن؟ هل ستعزل الفاشيةُ المواطنين العرب أم المواطنون العرب سيجدون التحالف المناسب لعزل الفاشية؟! يكتب أبرز منظري التحالفات جورجي ديمتروف: «الفاشية تتسلل وسط الجماهير بدماغوجية بارعة، متظاهرة بمعاداة الرأسمالية، مستغلة كراهية الشغيلة العميقة للبرجوازية، رافعة أمام الجماهير أكثر الشعارات جاذبية باللحظة المناسبة». عمليًا، هذا تمامًا ما تقوم به حكومة اليمين في إسرائيل حيث تستغل سياسيين مثل موشيه كحلون للتظاهر بمعاداة المنظومة الاقتصادية وأصحاب الامتيازات والثروات، وتستخدم الوزراء ذوي الأصول الشرقية مثل ميري ريغف لتحريض الفقراء الشرقيين ضد «اليسار الأشكنازي الليبرالي»، وتمرر قوانين الدولة اليهودية من خلال للتحريض على المواطنين العرب. لقد وصل ديمتروف في حينه إلى الخُلاصة المصيرية: لو قامت جبهة مشتركة في الوقت الصحيح لهُزمت الفاشية بالمهد. منعًا للالتباس البريء أولا وصدًا لبعض التربّص المحتمل وتفادي التشويهات سواء المتعمد منها وغير المتعمد ثانيًا، من الضروري التأكيد على انه عندما ندعو لإقامة هذا المعسكر الديمقراطي الواسع لتحقيق الأهداف المشتركة، لا نقصد اقامة بديل للقائمة المشتركة لا جماهيريًا ولا برلمانيًا. هذا غير مطروح، نقطة. ولا نقصد التغاضي عن موقفنا من الأيديولوجيا الصهيونية السائدة، لأن هذا مستحيل أصلا. ولا توجد عندنا أوهام بخصوص ذبذبة ما يسمى باليسار الصهيوني، فتجربتنا مريرة وطويلة معه ولا نأتي لتبجيله بل لنطالبه بدوره. لا نأتي من موقع دونيّ بل بذروة التكافؤ.
نريد معسكرًا ديمقراطيًا واسعاً لإسقاط حكومة نتنياهو وحلفائه، دون أن نتنازل قيد أنملة عن مواقفنا الفكرية والسياسية. وطالما أن المنطلق والهدف واضحان، وحدود التعاون محددة دون لف ودوران، فإن خلافاتنا الأيديولوجية والسياسية مع مواقف وسط ويسار الأحزاب الصهيونية، لا يُفترض أن تمنعنا من إقامة المعسكر المنشود لدحر اليمين الذي بات يحمل أبعادًا فاشية خطيرة.
كاتب فلسطيني
أيمن عودة