القاهرة ـ «القدس العربي»: عيد بطعم الخوف هلّ على الخريطة العربية، فما زالت رائحة الموت تسكن سوريا والعراق واليمن، والظلام يخيم على قطاع غزة، بينما الإحساس ببطش الأشقاء يعلو سماء الدوحة.
أما في مصر فالأزمة الاقتصادية لا تزال تراوح مكانها، وتخيم على سلوك المواطنين، الذين حرم أغلبهم من كعك العيد، بعد أن لامس سعر الكيلو غرام الواحد منه مئة جنيه، فيما فقْد جزيرتي تيران وصنافير يودي بالملايين للشعور بالعار على الوعود التي قطعها النظام على نفسه، لكنه رسب في سنة أولى وطنية، كما تلقي الأزمة في الخليج بظلالها على أحاديث المقاهي والبيوت، تلك الأزمة التي تفتح جراحا لا تندمل، ومن أبرز تجلياتها أنها تلقي الضوء بكثافة على حال العرب والطريقة التي يتعاملون بها لحل خلافاتهم، ربما لو تعاملو مع إسرائيل بمثقال ذرة من العداء الذي يحملونه للدوحة لتغير الأمر كثيرا بالنسبه للحق الفلسطيني المغتصب، لكن حالهم هكذا منذ عقود «أسد عليّ وفي الحروب نعامة».
13 شرطا وضعها الأشقاء ليتصالحوا مع قطر، لكنهم لم يضعوا شرطا مقابل الصلح مع إسرائيل، الذي بدأ الحديث عنه يتم في العلن، بعد أن كان في الماضي محاولات سرية تجري في غفلة عن الشعوب المغلوبة على أمرها.. وما يعزز مرارة الشعور بالخوف خلال العيد دخول اتفاقية ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية قيد التنفيذ. أما اللافت للانتباه فهو ذلك الاهتمام الإعلامي بخبر توقيف المطربة أصالة نصري في مطار بيروت، إثر العثور على كمية من مخدر الكوكايين في حقيبتها، وهو الخبر الذي اهتمت به معظم الصحف والفضائيات، في سياق مسلسل تغييب الجماهير عن القضايا الكبرى واللحظات المصيرية التي تواجه الأمة العربية.
وإلى التفاصيل:
رائحة بشار في حقيبة أصالة
«جاء الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام بشأن توقيف أصالة نصري، في مطار بيروت ليمثل حدثا استثنائيا، لتهرب صحف النظام وأخرى مواليه له من استحقاقات الساعة والقضايا الساخنة في الشارع السياسي، وقد شاركت معظم الصحف في الاهتمام بخبر المطربة. من جانبها أشارت «اليوم السابع» إلى أن أصالة أوقفت بسبب حيازتها كمية من الكوكايين، حيث كانت عائدة إلى مصر برفقة زوجها طارق العريان. وأكدت مصادر أخرى أن التحقيق جار مع المطربة في مطار بيروت، وهو الأمر الذي أثار الجدل والدهشة لدى الكثيري21ن في الأوساط الصحافية ووسائل الإعلام، فضلا عن الآلاف من رواد مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. وفي السياق ذاته تفاوتت ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل جمهورها، وبعض الصحافيين والإعلاميين في الوطن العربي، حيث شكك البعض بأن يكون ما حصل لها مكيدة، خصوصا أنه سبق وتم توقيفها في مطار بيروت، وتمت تسوية القضية حينها، كما تساءل بعضهم لماذا يتم تفتيش فنانة معروفة وهي مغادرة من المطار، هذا التفتيش الدقيق الذي يصل إلى حد فتح حقيبة ماكياجها، ما لم تكن هناك إخبارية محددة للإيقاع بها، فهو ربما يكون أمرا مبررا، وهي قادمة إلى بيروت أكثر منه مغادرة لها، وهل يعقل أن تقبل فنانة بحجم أصالة على المغامرة باسمها وتاريخها وتتورط في مثل هذا الموقف الساذج، يذكر أن اسم أصالة ارتبط في محطات عدّة بالجدل، لاسيما بسبب مواقفها السياسية من الحرب الدائرة في بلادها، وإعلان تأييدها للمعارضة ضد النظام الحاكم في سوريا. ومن جانبها حصلت «الوطن» على الصور الأولى لأصالة خلال ضبطها، تظهر أصالة في إحدى الصور وهي مرتدية الحجاب لكي لا يتعرف عليها الجمهور، بعد القبض عليها في بيروت. وفي الصورة الثانية رفقة زوجها طارق العريان أثناء جلوسهما في المطار انتظارا لقرار نقلهما لمخفر حبيش للتحقيق معهما».
كأنهم يفاوضون عدوا
«الأزمة الخطيرة التي تتفاعل في منطقة الخليج هذه الأيام نموذج لبؤس زماننا، الذي غيب فيه الرشد والحكمة والمروءة في آن.. هكذا يصف فهمي هويدي في «الشروق» المأزق، كأن الذي يجري تمهيد للهلاك الذي نستحقه، وفق وصف سابق للأديب نجيب محفوظ، ذلك أننا لسنا بصدد خلاف بين أشقاء، لكننا إزاء لحظة تاريخية فارقة، تشهد انهيارا لكل ما بنيناه وراهنا عليه، بدءا بفكرة الدولة الحديثة وانتهاء بمنظومة مجلس التعاون الخليجي، ومعها قيم العمل العربي المشترك، مرورا بمبادئ العلاقات الدولية، ليس بين الأشقاء أو الجيران، وإنما مع الأعداء أيضا. ذلك هو مقاطعة وحصار دولة جارة ومعاقبة شعبها كله، ثم الإمعان في اخضاعها وإذلالها واشتراط استسلامها وانبطاحها لتبرير التعايش معها. إن قائمة الشروط العشرة التي أعلنها الأشقاء القائمون على الحصار، ليست مشروعا لحل الأزمة، لكنها أقرب ما تكون إلى وثيقة استسلام، فرضها طرف يقاتل عدوا، وأنزل به هزيمة ساحقة، ثم قرر إفناءه بعد التنكيل به. ومن المدهش أن نكتشف أن الأزمة مفتعلة وأسبابها المعلنة بدورها مفتعلة ولا دليل عليها. ويظل مخزيا وداعيا للأسى أن تتهم قطر من قبل خصومها بدعم الإرهاب، ثم يصدر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بيانا يحذر فيه «الأشقاء» من التمادى في الترويج للاتهامات الزائفة، التي تتهم بها دولة قطر الحليفة للولايات المتحدة. أما الذي لا يقل غرابة أن تقحم مصر في الخصومة الخطرة، ثم أن يزايد بعض الإعلاميين المصريين على الجميع في تعميق الجراح وتأجيج الفتنة. وبدلا من أن تقف الشقيقة الكبرى مع الكبار الذين نأوا بأنفسهم، وتعاملوا مع المشهد بحذر رصين، وجدناها انزلقت في وحل الأزمة، إلى الحد الذي دفع بعض إعلامييها إلى استهداف قطر عسكريا، ومنهم من دعا إلى إحداث «تفجير أو اثنين» في ربوعها. ولا يقولن أحد إنها مجرد مزايدات إعلامية غير مسؤولة؛ لأننا نعلم أن كلاما بهذه الخطورة لا يبث عبر القنوات التلفزيونية، بما فيها المستقلة منها إلا في وجود ضوء أخضر من المراجع الأعلى. يؤيد ذلك أن الذين رددوا تلك الدعوات من المحسوبين على الأجهزة الأمنية. إن رسالة ذلك الأداء الصادم تفهم بحسبانها تلويحا باحتمال القيام بعمل عسكري إزاء قطر. وهي الفكرة التي جرى تسريبها قبل عدة أيام. وتحدثت عن مخطط أعد لتدخل عسكري من بعض الأطراف الخليجية، يحدث انقلابا في الدوحة، لكن تحفظا أمريكيا أوقفه».
حصار لحد الإذعان
نبقى مع الحصار على قطر حيث يرى عمرو هاشم الربيع في «المصري اليوم»: «أن المطالب الحديثة التي قدمت لقطر تتسم بالقسوة الشديدة، خاصة أن المهلة التي منحت لتنفيذها هي 10 أيام فقط، وهي تحتاج لبضعة أسابيع، إن كانت هناك نية بداية في الاستجابة لها، ما يعني أن التربص بقطر هو سيد الموقف، المطالب السابقة التي تخص منع دعم قطر للمعارضة في البلدان الأربعة، ووقف تمويل الدولة بشكل مباشر وغير مباشر للعمليات الإرهابية، عبر منظمات محددة ومراكز أبحاث، وما يرتبط بقطع علاقات قطر مع حماس وحزب الله، كلها مطالب عادية وغير لافتة، رغم قسوتها على النظام القطري، لكن هناك ثلاثة مطالب يبدو أنها أكثر قسوة من السابقة، وهي غلق القاعدة التركية، والثاني يخص قناة الجزيرة، والثالث خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران. بالنسبة للمطلب الأول، فهو يتسم بالغرابة بسبب علاقات التعاون والصداقة بين تركيا وبلدان الخليج، ما يشير إلى أن هذا المطلب مرجعه لمعلومات مستجدة، يعتقد أنها مصرية وموثقة تخص دعم تركيا للإرهاب، والتورط في أمور محددة لم يعلن عنها المطلب. الثاني يخص الجزيرة، والمعروف أن هذا المطلب سبق أن تراجعت عنه البلدان الأربعة تحت ضغط أمريكي، بدعوى مساسه بحرية الرأي والتعبير، ومن ثم فإن العودة إليه مرة أخرى يبدو أن مرده إدراك تلاعب وعدم مصداقية واشنطن تجاه الأزمة القائمة، بدعوتها لمواجهة الإرهاب والضغط على قطر للحد من أنشطتها في هذا المضمار. المطلب الثالث الخاص بالعلاقة مع إيران تبدو غرابته في كونه يتصل بدولة ثالثة بشكل مباشر، وهو مطلب سعودي وبحريني بامتياز، نظرا لما لمصر والإمارات من علاقات عادية مع إيران، رغم احتلالها أراضي الأخيرة».
المشروع الصهيوني
وحول القضية ذاتها ذهب محسن محمد صالح في «الشعب» لمزيد من الاحتمالات الخطرة: «لأن الملف الفلسطيني المزمن يملك دائما قدرة سحرية هائلة على تفجير الأوضاع، وتحريض الجماهير وتعبئتها ضد المشروع الصهيوني، وحتى ضد الأنظمة العربية نفسها، بسبب عجزها وتقصيرها؛ فإنه لا يمكن إغلاق هذه الملفات دون أن يتم التعامل مع الملف الفلسطيني، سواء بإغلاقه أو بوضعه تحت التحكم والسيطرة، لذا فلا بدّ من محاولة تطويع حركة حماس وإضعافها وتهميشها في الداخل والخارج؛ وسيكون ذلك أفضل إن أمكن القضاء على حكمها وسيطرتها على قطاع غزة. لذلك فإن السياق المنطقي لهذا المسار يفسر السلوك الذي قامت به الدول المُقاطِعة، بأنه يندرج في محاولة تطويع قطر، بما يتوافق مع سياسات هذه الدول في محاربة «الربيع العربي» وإغلاق ملفاته، ومحاربة تيارات الإسلام السياسي المعتدل، التي برزت في قيادة هذا الربيع، وكذلك سياساتها في الضغط لإسكات صوت شبكة الجزيرة، لما تملكه من رصيد شعبي هائل في العالم العربي، وفي الضغط على حماس التي تمثل خط المقاومة والخط الإسلامي الفلسطيني المعتدل، من أجل فتح الطريق لمحمود عباس وسلطة رام الله ومسار التسوية، أو حتى من أجل التهيئة لقدوم محمد دحلان المدعوم من الإمارات ومصر. هذا السيناريو يتسق مع السلوك السعودي الإماراتي الرسمي تجاه موجة «الربيع العربي» خصوصا في عهد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز؛ وهو سلوك تراجع سعوديا مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز السلطة، لكن يبدو أن التيار أو الجناح المؤيد لهذه السياسة – في منظومة الحكم السعودية- عاد مؤخرا لاستعادة حيويته وقوته».
هي الحرب تدق الأبواب
وليس ببعيد عن الأزمة الخليجية ما أشار إليه عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»: «هي الحرب المدمرة المقبلة، لا شك في ذلك، حرب الخليج الأولى كانت عام 1990 تحت اسم تحرير الكويت، مضى بعدها 14 عاما حتى كان قرار الحرب الثانية في عام 2003 تحت اسم الإطاحة بصدام حسين، الآن مضى 14 عاما أخرى بدون حرب على مستوى يستحق. الحرب في سوريا لم تعد كافية، كما المواجهات في العراق أيضا، ولا حتى القصف على اليمن، مصانع سلاح الغرب تعمل بنصف طاقتها طوال السنوات الأربع عشرة الماضية، الاقتصاد الأمريكي هو الآخر مدين بـ19 تريليون دولار، الرئيس الجديد دونالد ترامب تعهد خلال حملته الانتخابية باقتسام الثروة الخليجية مع أصحابها، لا بديل إذن عن الحرب. تحجيم دولة قطر كان جزءا مبكرا من السيناريو، دخول إسرائيل على الخط لحساب المنظومة السُنية أصبح أمرا واضحا، الإعداد للحرب يسير على قدم وساق، العنوان الرئيسي هو تحييد إيران أو الحد من نفوذها في المنطقة، الهدف الغربي النهائي هو إعادة تقسيم دول الخليج، بل المنطقة في نهاية الحرب التي قد تستمر سنوات طويلة، بعد استنزاف الثروة بالفعل. الخرائط الجديدة معلنة منذ سنوات، المخطط ليس سرا، تقسيمات سايكس بيكو عام 1916 نصت على إعادة النظر والتقييم بعد مئة عام، الآن حان موعد التقسيم الجديد، بالتأكيد يحتاج إلى قيادات تناسب المرحلة، تتناسب مع الهدف، حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني، يعلم أنه جزء رئيسي من المعركة المقبلة، أي أنها لن تتوقف على شبه الجزيرة العربية، في خطابه الأخير حذّر إسرائيل، كما حذّر السعودية، في الماضي وفي كل أزمات المنطقة، كان البحث طوال الوقت يدور حول الرجل الرشيد، حول الوساطة، حول دور القوى الناعمة، دينية كانت أو ثقافية أو غيرها، الآن لم يعد هناك وجود لمثل ذلك الحديث».
حاصروا قطر فربحت إيران
«خروج بشار الأسد في رحلة نادرة خارج دمشق لأداء صلاة العيد في مسجد في مدينة حماة، يعد وفقا لرأي فراج إسماعيل في «المصريون» انتصارا لحليفه الإيراني الذي وفر له الغطاء الآمن ليصلي بعيدا عن عرينه، وهزيمة للحلف العربي الأمريكي التركي الداعم للثورة السورية. هذه الصلاة ليست حادثا بسيطا يمر مرور الكرام. رسالة واضحة من الحلف الإيراني بأنه يفرض كلمته ويحقق أحلامه على جثة الخلافات العربية المستعرة، وأنه يتقدم سريعا جدا منذ تفجر الخلاف الخليجي عقب زيارة ترامب المشؤومة، فقد أصبحت سوريا مساحة مفتوحة له في غيبة الآخرين المشغولين بتصفية مشاكلهم. الطريق من سوريا إلى بغداد أصبح تحت سيطرة تحالف بشار وإيران وحزب الله والميليشيات العراقية، وكل ذلك حدث في أعقاب تفجر الأزمة الخليجية. الأرض المتاحة للتحالف الإيراني صارت ممتدة من طهران إلى بغداد إلى دمشق، دون أي قطع أو حواجز، وهو ما سيتيح لنظام الأسد خلال الفترة المقبلة استكمال سيطرته بسهولة على المناطق التي انتزعت منه طيلة السنوات الماضية، الأرباح العسكرية لإيران أقل كثيرا من أرباحها الاقتصادية جراء أزمة الخليج، فقد انتعشت تجارتها خلال الأسبوعين الماضيين بشدة، وأصبحت سلعها بديلا لسلع تصنع في دول الخليج. تنتعش حاليا بشدة سوق الخضروات والألبان والفواكه الإيرانية، وصادرات أخرى تحمل ختم «صنع في إيران». رضا نوراني رئيس نقابة مصدري المحاصيل الزراعية، أعلن استعداد بلاده لتصدير مختلف المحاصيل إلى قطر من موانئ بوشهر وبندر عباس وبندر لنكه والرحلة لا تستغرق أكثر من 12 ساعة. إيران ستملأ الفراغ الناتج عن حصار قطر وبسرعة كبيرة عبر الطريق البحري. بالتوازي تبسط البحرية الإيرانية سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز والخليج العربي».
هذا ما تريده السعودية
نتحول نحو أزمة الجزيرتين ومخاوف يبديها محمد عصمت في «البديل»: «قد يمكن تفسير أسباب إصرار السعودية على امتلاك جزيرتي تيران وصنافير للعديد من الاعتبارات، ربما يأتي في مقدمتها رغبتها في توثيق علاقتها بإسرائيل، تمهيدا لتبادل العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي الخطوة التي ترى المملكة أنها توفر لها حماية أمريكية للعرش السعودي في مواجهة أخطار إقليمية أشعلتها ثورات الربيع العربي المغدورة، وخطط تتبناها دوائرغربية لتفكيك الدول العربية، بالإضافة إلى مشاركة إسرائيل في الحلف السني، الذي تتبناه المملكة لمواجهة الأخطار الإيرانية المزعومة. كما يمكن فهم الأمر أيضا عبر أسباب تتعلق بالخلافات داخل العائلة المالكة السعودية، وطموح ولي العهد محمد بن سلمان لخلافة أبيه في الحكم، على حساب ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف، وهي الخلافات التي تعدت أسوار العائلة الحصينة، وترددت اصداؤها في صحف غربية عديدة، وهو ما تحقق فعلا الأسبوع الماضي، وتقدم محمد بن سلمان خطوة جديدة نحو العرش السعودي. كل هذا وأكثر يمكن من خلاله فهم أسباب هذا التوجه السعودي، لكن ما لا يمكن فهمه أو قبوله في أي وجه من الوجوه، هو رغبة السلطات في مصر في التخلص بأقصى سرعة ممكنة من الجزيرتين، وكأنهما عبء ثقيل أو كرة من النار تحرق أصابعها، وليس باعتبارهما كنزا جغرافيا يعطي لمصر ثقلا إستراتيجيا في المنطقة. ولا باعتبارهما ـ قبل ذلك ـ جزيرتين مصريتين. اللغط الذي أحاط بخطط مصر في التنازل عن الجزيرتين، لا يزال يخفى خلفه العديد من الأسباب التي أصبحت تتعلق بصفقة القرن».
سيدفعون الثمن
ما زال الغضب مستعرا بسبب الجزيرتين والدور على محمد سعد عبد اللطيف في «مصر العربية»: «خلال حديثه في ما يسمى «حفل إفطار الأسرة المصرية» الثلاثاء الماضي قال الرئيس السيسي، إنه لا يمكن أن يفرط في أي أرض مصرية، وفي الوقت نفسه من حق من يرفض اتفاقية تعيين الحدود أن يعبر عن رفضه لذلك، ولكن الدول لا تقاد بالهوى والمزاج، وإنما بالقوانين، سواء كانت القوانين الداخلية للدولة أو القانون الدولي. وأضاف الرئيس السيسي أن الموضوع انتهى، ولكني أتحدث فيه لأنه ليس هناك ما نخفيه.. ونحن أناس لدينا شرف لا يباع. السيسي الذي أكد في جلسة مماثلة قبل 14 شهرا أنه أخذ «الضربة في صدره»، يعلم أن تسليم الجزيرتين جزء من إعادة ترتيب خريطة المنطقة، وأنه فرط فيهما دعما لولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان، حتى يتمكن من الصعود إلى أعلى قمة هرم السلطة، خلفا لأبيه بمساندة الولايات المتحدة وإسرائيل التي باركت الاتفاقية، وفقا لمحادثة هاتفية مسربة بين وزير الخارجية المصري سامح شكري وإسحاق مولخو المستشار الخاص لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أذيعت قبل عام ووفق التسجيل، عرض وزير الخارجية المصري، على الدبلوماسي الإسرائيلي، بنود اتفاقية نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ليوافق الأخير عليها بعد تعديلها بناء على طلبه.
إذن السيسي وحكومته وبرلمانه يعلمون جميعا أن التفريط في الجزر يصب فقط في مصلحة نظامهم، الذي يسعى حثيثا إلى الحصول على دعم القوى الإقليمية والدولية اقتصاديا وسياسيا، بعد الإخفاقات المتعددة التي تلاحقه. في الداخل لن تنتهي معركة مصرية تيران وصنافير وسيفشل النظام ومؤسساته في التأثير على ذاكرة الأمة، وسيحاسب المفرطون بأثر رجعي على قرار العار الذي مرروه في غفلة».
ناعمة أكثر من اللازم
«يوم الخميس 22/6/2017، وعشية زيارة الرئيس، لحضور قمة دول حوض النيل في أوغندا، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، المستشار أحمد أبو زيد، إن أمن مصر المائي خط أحمر لا يقبل المساومة، لكن ما حدث في أوغندا، كما يرى محمود سلطان رئيس التحرير التنفيذي لـ«المصريون» كان عكس هذه «العنترية» التي بدت في لغة خطاب الخارجية.. فحسب الزميلة «الشروق» الجمعة 23/6/2017، فإن مصر قدمت مبادرة لحل خلافات اتفاقية «عنتيبي» حول بنود الأمن المائي.. «الشروق» حسب ما وصفته مصادر، شاركت في الاجتماعات التحضيرية، وكانت «ناعمة قوي».. و«قدمت مرونة كبيرة في المفاوضات».. غير أن دول منابع النيل «أبدت مواقف متعنتة»، ورفضت المبادرة المصرية. المدهش أن بعض بنود المبادرة المصرية، كانت مصاغة بالطريقة «الميري» وبعيدة كل البعد عن اللغة الدبلوماسية، ومراعاة «الذوق العام»، مثل أنها تلزم دول الحوض، بإخطار مصر بأي مشاريع على أراضيها، مع حق مصر رفضها! كدا وش!.. فأي دولة تلك يمكن أن تقبل مثل هذه «الوصاية الفجة»، فيما تصدر هذه «الوصاية» من طرف لا يملك من أمره شيئا، وبات أمنه المائي في يد من يطالب بفرض وصايته عليه. المهم ـ وكالعادة.. سافرت الوفود المصرية وعادت.. وحضر الرئيس السيسي اجتماع قمة دول حوض النيل وعاد.. ولا نعرف شيئا عما حدث تفصيلا ولا نتيجة اللقاء، وكل ما نُقل تقريبا، يؤكد أن الوضع «محلك سر»، وأن دول حوض النيل، تعلم جيدا، أن مصر غير قادرة إلا على التعايش مع تلك المأساة».
عيد في ضيافة القمع
عن العيد الذي هلّ وسط مناخ يعلوه البؤس كتب محمد حماد في «البديل»: «كنا شعبا واحدا في مواجهة سلطة متسلطة انهارت لحظة حضور الناس، وكنا شعبا متحضرا، بل في أعلى درجات التحضر، حين انتشرت جموع الشباب تكنس الميادين وتغسلها بالمياه، وتدهن أرصفتها بالبوية البيضاء والحمراء والسوداء، في تلك الأيام ذهبتُ إلى وحدة المرور لتجديد رخصة السيارة، فوجدت بشرا غير البشر، ومعاملة غير المعاملة، واحتراما فوق كل احترام، مع أن الناس هم أنفسهم، ولكن يد العزة والكرامة مست أرواحهم، فقلبتهم إلى بشر طبيعيين محترمين، لا يقبلون رشوة، ولا يتعاملون بغير ما يليق بكرامة الناس واحترامهم. ومرت الأيام، وجرت مياه كثيرة في النيل، وكأننا لم نمر من هناك أبدا، وكأن هذا العيد الذي أطل علينا من بعد طول الشوق، كان سرابا بقيعة حسبناه ماء، وعادت ريما لعادتها القديمة، ودارت الأيام دورتها بل استدارت إلى دورتها التي اعتدنا عليها طوال العقود الماضية، وملئت السجون بالشباب، واستقبلت السماء أرواح الشهداء، وبقيت في الحلق غصة لا تنمحي، وعاد الفقراء يحلمون برغيف عيش غير مغموس بالذل والمهانة، وصارت الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية بعيدة المنال، وتراجعت صورة مصر التي ارتفعت خلال الثمانية عشر يوما في يناير/كانون الثاني 2011، وصارت أشباه دولة، وصار الشعب الواحد شعوبا وقبائل، وعاد الإعلام إلى الصوت الواحد، صوت السيد الرئيس، وأصبحت انتهاكات حقوق الإنسان أسوأ بكثير، وأصبح الاقتصاد في وضع أسوأ بشكل خطير، وبات التغيير الذي طالبت به الجماهير خارج أجندة النظام. هذا هو عيد الفطر السابع بعد ثورة يناير المغدورة، وهذه الغصة تحتوينا حتى ضيقت علينا الحياة، والذاكرة مملوءة بمشاهد الحزن المقيم، وحالنا يزداد سوءا في كل عام يمضي».
العلماء يموتون في السجن
«صرح المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصدر قرارا جمهوريا ، يوم الجمعة بالعفو عن 502 من المعتقلين السياسيين والمسجونين على ذمة قضايا آخرى. وقال المكتب، إن السيسي وجه داخليته بتنفيذ القرار الذي يشمل 25 سيدة وفتاة قبل إجازة عيد الفطر المبارك. القرار قيل إنه يشمل عددا من الحالات الصحية، ممن قضى ثلاثة أرباع المدة، كما يشمل العفو عن 175 شابا، أقل من 30 عاما، و8 من أساتذة الجامعات، و3 من المحامين و5 من المهندسين، وتهاجم «الشعب» القرار، من الحقائق التي أكدت كذب النظام وتضليله للرأي العام ، أن رجل الأعمال الفاسد هشام طلعت مصطفى، جاء على رأس القائمة من بين المفرج عنهم صحيا، وممن قضوا ثلاثة أرباع المدة، في الوقت الذي ما زال فيه العدد من العلماء والكتاب والأجلاء ممن دافعوا بكل غال وثمين من أجل رفعة الوطن واستقلاله، منهم المجاهد مجدي حسين رئيس تحرير جريدة «الشعب»، ورئيس حزب الاستقلال، الذي يعاني من آلام مبرحة في العمود الفقري نتيجة انزلاق غضروفي مزمن، ويتدهور يوميا مما يسبب الضغط على عصب الرجل ويعيق قدرته على المشي بشكل طبيعي، بالإضافة إلى حصوات في الكلية وأمراض القلب. والمستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض، رغم فقدانه بصره، وانتشار عدة أمراض في جسده أبرزها «فيروس سي» والسكر».
الإمام الأكبر في مهب الرياح
ومن أشد معارك العيد الصحافية تلك التي شنتها سحر جعارة في «الوطن»: «أغلقت هيئة كبار العلماء النوافذ بإحكام، وأسدلت الستائر، منعت الضوء والهواء من اختراق المجلس، دفست «صكوك الغفران» في سرداب سحري، علقت المشانق على بوابة الأزهر، ثم أعلنت «مصر» دولة محتلة، خاضعة للوصاية بموجب الأحكام العرفية المسماة زورا وكذبا: مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين وينص على أن الإسلام هو دين الأغلبية، ويحتكر الأزهر أصوله وفروعه وتفسيره وتطبيقاته، وله الحق في تعديل أحكامه، (بالحذف أو الإضافة) وفقا لرؤية الأزهر، لما هو منسوخ من الآيات أو ضعيف من الأحاديث.. ولا يجوز «التمييز» بين المسلمين داخل «كتالوغ الأزهر»، بينما تعد الطوائف الشاذة عن النمط الأزهري «مرتدة»، ويطبق هذا على (الشيعة في اليمن، والعلويين في سوريا)، كما يطبق عليهم حد الردة بما يتفق وضرورات حروب الدولة الوهابية. ويجوز للأزهر دمج ما يراه مناسبا من «أفكار ورؤى» للإسلام بما تقتضى المصلحة، وإضفاء القدسية على مَن تراه مناسبا من «البخاري» إلى الإمام الأكبر. وتؤكد الكاتبة على أن عباءة الإمام الأكبر «أحمد الطيب»، شيخ الأزهر، محصنة ويجوز للمسلمين التبرك بها، وأموال الأزهر تنفق بوحى سماوي ليست خاضعة لأي جهة أو هيئة رقابية، وللإمام الأكبر حرية التصرف في المنح والتبرعات التي ترد إلى الأزهر، بما يحتاجه الإمام والمشيخة من حملات إعلامية تجمّل الصورة وتجعلها متسقة مع شعارات: المواطنة والمساواة أمام القانون، وحرية العقيدة، وحسن النية، وقبول الآخر. معنى الكراهية يستبدل تعريف «ويبستر» للكراهية، وهو التعريف الذي تتبناه غالبية البلدان، على أنها (هي جرائم الاعتداء أو التشويه، التي تُرتكب ضد فرد أو مجموعة بسبب اللون، أو العقيدة، أو الجنس) وينص القانون الجديد على أن لفظ الكراهية يعني: كل قول أو سلوك أو فعل علنى يحرض على «نقد» فتاوى الهيئة والإمام، وإثارة الفتنة المجتمعية بالحديث عن ميزانية مؤسسة الأزهر، أو تغيير الدستور، بما يجعل منصب الإمام بالانتخاب وقابلا للعزل».
حرق مصر باسم الثورة
ومن المعارك خلال إجازة العيد تلك التي شنها كرم جبر في «اليوم السابع» ضد الإخوان وأحد شباب ثورة يناير/كانون الثاني أحمد دومة: «كان حريق المجمع العلمي نقطة تحول خطيرة في مسار الرأي العام ضد الفوضى والتخريب والسلب والنهب، وصرخ المصريون بحثا عن المنقذ، فلم تدمر زجاجات المولوتوف فقط 200 ألف كتاب، ولم تأت فقط على جميع الوثائق والخرائط النـــادرة، ومذكرات ليــــوناردو دافنشي وكتاب وصف مصر، ولكنها كانت رسائل للعالم بأن مصر ضاعت ودخلت زمام «الربيــــع العربي» من أوسع أبوابه، وأتذكر أن الخارجية الفرنسية ترجمت انزعاجها في بيان غاضب، وصفت ما حدث بأنه كارثة عالمية، تهدد التراث الإنساني. وللذكـــرى التي قد تنفع المؤمنين، فإن الذي تباهى بالاعتراف على الهواء مباشرة، بحرق جزء من قلب مصر، هو أحمد دومة، رافعا شعار «المولوتوف ثورة»، وكانت كلماته الاستفزازية خبطة فوق رأس المخدوعــــين والمغيبــــين والصامتين، فكيف يكون حرق هذا الأثر التاريخي النادر «ثورة»، وفي أعماق المصريين عشق أصيل لبلدهم وكنوزها وحضارتها، ونسي مشعلو الحريق يـــوم خروج الشعب المصري عن بكرة أبيه ليودع الملك رمسيس الثاني من الميدان الذي يحمل اسمه إلى المتحف الجديد، وظلوا يسيرون وراء الموكب بالآلاف، حتى وصل إلى مقره في الفجر، في حمايتهم ورعايتهم وحبهم، وتحول حريق المجمع إلى بركان من الكراهيـــة انفجر في قلوب عشــاق مصر، وثورة غضب مضادة، مهدت الطريق إلى الحدث العظيم 30 يونيو/حزيران».
حسام عبد البصير