في الوقت الذي تعرف فيه الساحة الأدبية المغربية نوعا من الاحتكار والسيطرة من طرف بعض الفئات التي تحتكر أغلب الفضاءات ذات الصلة بالأدب عامة، وبالشعر على وجه الخصوص، كاحتكار دور النشر، ومعارض الكتاب، والأنشطة الثقافية التي تدعمها وزارة الثقافة ودور الشعر في المغرب. فهذه المؤسسات ذات الصلة بالأدب لا تقدم الشيء الكبير للساحة الفنية والأدبية المغربية، حيث إنها تصب تركيزها على بعض الفئات والكتاب من المقربين والأصدقاء، أو الكتاب الذين يتمتعون بوجود إعلامي، متناسية بذلك تشجيع شعراء الهوامش، الذين يقفون أمام عقدة النشر التي تخضع لحسابات كبيرة. وعادة ما يكون هؤلاء الشعراء من المبدعين المتميزين، لكن لم يجدوا فضاء يسمح لهم بنشر مؤلفاتهم، أو إظهار مستواهم الأدبي العالي، في الوقت الذي تستفيد منه بعض الفئات من كل التسهيلات، حتى أصبحت تَعتبر نفسها الرائد الوحيد في الأدب المغربي الحديث. والغريب كذلك أن النقاد والباحثين والأكاديميين المغاربة لا يحركون ساكنا، ولا يدعمون أبدا الثقافة الجادة المبنية على تشجيع الشباب من المبدعين، وخلق فضاءات أكثر تساهم في نشر الأدب بصفة خاصة، والشعر بصفة عامة. كل هذه الأسباب كانت كافية لنشر الديوان الجماعي «لقاء» كردة فعل على هذا الإقصاء وفتح فضاء جديد لكل المبدعين الشباب والكبار منهم، بغرض خلق نهج شعري جديد يتميز بالانفتاح على كل الفئات بعيدا عن التمييز. والهدف من نشر هذا العمل الأدبي الرفيع المستوى، فتح جسور التواصل والحوار مع ثقافات ولغات من بلدان مختلفة، وتكسير كل الحدود الجغرافية، فالشعر لا يعرف الحدود وهو عابر لكل الأزمنة والثقافات.
إن ديوان «لقاء»، هو ملتقى الشعراء وفضاء الإبداع المتميز بلونه التحرري والحداثي الذي يتماشى مع آليات الإبداع الأدبي المعاصر والحديث. كتاب بلغتين ذو طابع جمالي وموسيقي ورمزي وإيحائي. فاللغة الفرنسية، لغة كبار الشعراء والأدباء، لغة الحنين والغربة والرومانسية والجمال في كل أبعاده الشعرية والفلسفية. كما أن الإسبانية، هي لغة الإيقاع والموسيقى والرقص والحلم على بياض صفحات خُطت بحبر التطلع إلى أفق شعري يستمد جذوره من التجربة الشعرية الجماعية والفردية. وهذا الإصدار، يعد الأول من نوعه في المغرب، وسابقة بكل المقاييس، خصوصا وأنه يجمع ثلة من الشعراء من فرنسا وبلجيكا وإسبانيا والمغرب. شعراء يجمعهم الشعر ويتطلعون إلى خلق فضاء أدبي يليق بمقام الشعر ويتيح للشعراء الشباب فرصة للإبداع والنشر وتبادل التجارب الشعرية. وهكذا فإن تعدد الشعراء واختلاف عوالمهم الشعرية والثقافية يجعل من هذا الديوان عملا متميزا بكل المقاييس. وفكرة نشر هذا الديوان، طرحها الشاعر نجيب بنداوود على الفضاء الافتراضي «فيسبوك» لتتحول الفكرة إلى مشروع جاد، شارك فيه أزيد من 20 شاعرا، قبل أن يستقر عدد الشعراء في 14 شاعرا، الذين أبانوا عن شغفهم وتشبعهم بمبدأ الإبداع من أجل الإبداع، في إطار الحوار والتبادل الثقافي والتداخل اللغوي والانفتاح على عوالم متعددة، تفتح مجالا لخلق أنماط شعرية ونصوص تختلف باختلاف اللغة والموضوع والأفق التصوري والمرجع الثقافي.
لكن إلى جانب هذه الخصائص الشعرية، ينضاف عنصر الخلق الشعري الحر المبني على حرية الكتابة شكلا ومضمونا. فديوان «لقاء» لا يرتبط بموضوع محدد، أو شكل معين، بل ينفتح على كل المواضيع والأشكال بغرض تقديم عمل متعدد الألوان والخصائص. كما أن خصائص اللغات المتباينة بين الواحدة والأخرى يخلق إيقاعا شعريا خاصا عن طريق التداخل اللغوي (بين الفرنسية والإسبانية)، مما يجعل القارئ يحس وكأنه ينتقل من عالم إلى آخر خلال انتقاله من نصٍ الى آخر. لكن الأهم من كل هذا، هو أن هذا الكتاب جاء كتلبية لنداء الثقافات وضرورة الانفتاح على الآخر في كل تجلياته. الشيء الذي رحب به أغلب الشعراء المشاركين في هذا العمل. ويمكن القول إن «لقاء» ديوان لا يمكن تصنيفه في نمط شعري معين، بحيث أنه متعدد الأوجه والقراءات والتأويلات. فكل نص من هذا العمل، يحمل في طياته الكثير من الجماليات الشعرية، خصوصا أن الشعراء المشاركين، شعراء معاصرين يتقنون اللغتين ولهم إطلاع واسع على الساحة الأدبية المغربية والعربية والأوروبية. لذلك، فإن هذا الإصدار الحديث دليل على أن الإبداع الأدبي لا يرتبط بمسألة الحدود، وأن النشر ليس حكرا فقط على مجموعات معينة. وهذا الكتاب الأول من سلسلة إصدارات، ستضم في كل إصدار جديد (مستقبلي) ووجوه شعرية جديدة من العالم، كما سيفتح فضاء خاصا لتشجيع الشباب على الكتابة الشعرية والنشر عبر تنظيم مسابقات شعرية، سيتوج الفائزون بها بنشر أعمالهم تحت إشراف لجنة مختصة في الشعر من النقاد والأكاديميين. كل هذا لكسر الاحتكار وخلق مناخ شعري يعيد للشعر مرتبته ومكانته الأرسطية.
ويرى الشاعر البلجيكي غايتان باريزي أن الديوان الجماعي « لقاء»، كان ثمرة لقاء أدبي بين مختلف الشعراء، بحيث إنه كان لابد من نشر هذا الكتاب الذي يُعَبر عن تزاوج اللغتين الفرنسية والإسبانية ويُعبر في الوقت نفسه كذلك عن شغف «التقاسم» تحت ظل حب الكلمة والكتابة التي هي في الأساس تعبير عن الإنسانية. لهذا، فالشعر يلعب دور تقريب المسافات بين الشعراء ويتيح لهم تقاسم الشغف الشعري، وبذلك يستطيع هذا الديوان أن يحقق الجوهر الحقيقي، ألا وهو خلق مجال للإبداع بدون قيدٍ أو شرط. كما عبر الشاعر المغربي عبد اللطيف البحيري عن ارتياحه لهذا العمل الأدبي، الذي وصفه بالكبير، نظرا لقيمة الشعراء المشاركين، خاصة الأسماء الوازنة منهم. ويقول عبد اللطيف البحيري: «في البدء كان الحلم، ثم تلاه اللقاء في العالم الافتراضي، ثم التحمت عرى الصداقة الفاعلة بمنأى عن الحسابات الضيقة. وهكذا تداخلت الثقافات بلغاتها وخصوصياتها، وتوحدت حول ما يجمع كينوناتها المرهفة، ألا وهو الشعر في أبهى تجلياته. وتغنت زمرة من خيرة الشعراء بالقيم الجمالية والكونية لكي تقاوم براثين الغم والرداءة والانحطاط الثقافي. إن «لقاء» إذن، يمثل نموذجا يحتذى ولبنة في درب التأسيس لسلوك ثقافي حداثي بكل ما لهذه الكلمة من معنى».
يقول الشاعر الكوري كيم سات جات، إن الشعر مطلق لأنه يتخلص نهائيا من الحدود، وبذلك فإن ديوان «لقاء» لم يتخلص فقط من الحدود، بل أصبح في حد ذاته نموذجا للثقافة الشعرية المتحررة التي تتخذ من الخلق الأدبي أساس الكتابة. كما أن صدوره، في الوقت الراهن أحدث ضجة في الوسط الشعري المغربي، خاصة أنه صدر بشكل مفاجئ لم يتوقعه أحد. وقد قالت الشاعرة الشابة بشرى الموعلي، أن «لقاء»، تجربة مميزة ومتميزة على جميع المستويات، اللغوية والثقافية والشعرية، فهي انفتاح ثقافات مختلفة ومتعددة، لشعراء من المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، على بعضها بعضا ونقطة وصل بين لغتين شاعريتين، وهما الفرنسية والإسبانية وبين 14 تجربة شعرية مختلفة وغنية».
انطلق مشروع الكتاب الجماعي «لقاء» من فكرة على الفيسبوك، ليتحول إلى مشروع كبير بدأ يعطي ثماره، فالعديد من الشعراء يطالبون بتعجيل نشر السلسلة الثانية من هذا الديوان، حتى تتسنى لهم الفرصة للمشاركة والنشر إلى جانب الشعراء الأجانب. ومن ثمة فإن ديوان «لقاء» يتميز بتعدد الأنواع الشعرية بين الرومانسي العاطفي والملتزم والشعر الغنائي، كما أن أشكال القصيدة متعددة، بحيث نجد تواجد الشكل الكلاسيكي للقصيدة الفرنسية التقليدية والشعر الحر والشعر النثري. وتعدد هذه الأنواع بمثابة درجات متصاعدة حسب الأفق الشعري والجانب الموضوعي، وبالتالي نجد أن كل شاعر يحاول عرض التجربة الشخصية أو الجماعية. فالنصوص الشعرية التي يتشكل منها الكتاب عرض للأحوال العاطفية والوجودية والسيكولوجية تحمل في جوهرها منطلقا واحدا، ألا هو عكس صورة الإنسانية من خلال تداخل الثقافات واللغات مع بعضها بعضا. فديوان «لقاء» مرآة للذات الفردية تُعَبر في الوقت نفسه عن العالم. وقد سبق أن نشرنا مجموعة من المقالات النقدية حول العوالم الشعرية لبعض الشعراء المشاركين، كنجيب بنداوود وآسية بن عثمان وبشرى الموعلي وسعاد الوليدي ونجية عبد الدايم وعبد الرحمان فتحي ونسرين بن العربي. وهناك شعراء آخرون مميزون كمحمد هشوم، الذي يعد من الشعراء المميزين في الساحة الأدبية المغربية. وقد صدرت له مجموعة من الدواوين الشعرية وشارك في العديد من الأعمال الشعرية العالمية. وكذلك محمد الروجي، شاعر مغربي مقيم في فرنسا، له العديد من الإصدارات الشعرية وهو شاعر صامت، لكن إبداعه يثير ضجة كبيرة. فقصائده تتخذ الطابع الحر، أي أن الشاعر متحرر من كل الأشكال التقليدية والموضوعاتية، بالإضافة إلى الشاعرة الإسبانية أنا هريرة، التي تُعتبر من الشاعرات الأكثر حركية في المشهد الأدبي الإسباني، خاصة في الأندلس. تَكتب بالإسبانية وترجمت من الفرنسية إلى الإسبانية مجموعة من الأعمال الأدبية، خاصة في صنف الشعر. وبالتالي فهي شاعرة مفعمة بالحس، جعلت من الكتابة الشعرية وسيلة للحوار والتبادل الثقافي. وقد وصفت ديوان «لقاء» قائلة: «ديوان لقاء كما يوحي العنوان، هو نتيجة للعمل الجيد في التعاون المتبادل. وبالتالي صدرت هذه المختارات الشعرية التي سوف تترك صداها بدون شك في عالم الشعر والإبداع الأدبي، حيث كان الهدف من نشر هذا الديوان فتح فضاء للتفاعل الثقافي بين شعراء من بلدان مختلفة، من خلال لغات مختلفة، ونصوص مختلفة، والمشاعر والمواقف وعالمية الشعر الخالدة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، نقطة اللقاء بين الشعوب والحضارات عبر التاريخ.
إن «لقاء Encuentro» أغنية الحب أو رثاء الحنين الذي ينتج مع مرور الوقت، والجمال، والصداقة، والفرح والحب اليومي وعدم وجود المودة، والقلق والحزن والوحدة والصمود والحرية والأمل، وفي نهاية المطاف إلى كل ما يحدث في أعماق زوايا النفس البشرية. كما يعتبر الشاعر والأديب علي لحريشي من الشعراء المبدعين الذين جعلوا من اللغة الفرنسية فرصة للإبداع الشعري. صدرت له مجموعة من المؤلفات في صنف الرواية والشعر. شاعر يرفض التقليد، إذ نجد أن معظم نصوصه حداثية من حيث اللغة والشكل. وقد كان من أول الداعمين لمشروع إصدار ديوان «لقاء». فهذا الإصدار تجربة ذات قيمة كبرى عبرت عنها الشاعرة آسية بن عثمان على أنها «مغامرة إنسانية فريدة من نوعها. وهو اعتراف بالآخر داخل عالم متنوع الانطباعات قد يكون يشبه مرآة تنعكس فيها ملامح المجموعة، وهي متشابكة التصور لتعطي معنى راقيا للصداقة والتبادل السخي. كما هي تنفس للكلمات المعبرة امتدت هنا في فيضان واثق للغاية للاحتفاء بالتعاطف الأخوي الشجي والمكتوب بأبهى الحروف. إن الشعر والثقافة والأدب ستذكر حتما هذه المحطة التي أنشئت في زمن التواصل الجديد. شعور قوي داخل شغف العبارات ومعانيها الخالصة النابعة من ريشات مقتدرة. هكذا اجتمعت الأفكار لتشكل للقارئ باقة رائعة، حيث كل قصيدة هي نفسها كتاب مفتوح لتمرير رسالة إنسانية نبيلة داخل زخم شيق من الإبداع». كما قالت الشاعرة سعاد الوليدي، على أن تجربة «لقاء» مختارات بنكهة الإنسانية، حيث للسلام والتعايش والعيش المشترك حاضر بلغات وعواطف مختلفة. كتاب يهــــدف إلى توحيـــد الإنسانية عبر الانفتاح والحوار، كيفما كانت الظروف والسياقات. وأضافت الشاعرة نجية عبد الدايم، أن هذا الإصدار ليس مجرد عنوان اختير على عجل لأن العديد من الشعراء نشروا في ديوان واحد أشعارهم بالفرنسية والإسبانية، بل هو رسالة للإنسانية ككل، رسالة تسامح تعايش والانفتاح على الآخر في اختلافه، كيفما كانت اللغة أو الدين أو الانتماء السياسي والعرقي .
لهذا، فديوان «لقاء» سيقول كلمته في المستقبل القريب، وسيكون ركيزة جديدة لدعم الشباب والمبدعين في المجال الأدبي عامة، والشعري على وجه الخصوص. والشعر كما قال عبد الرحمن بدوي : «يمتاز عن سائر الفنون بقدرته على التعبير عن أي مضمون كائنا ما كان». وديوان «لقاء» تعبير عن الإنسانية ومن الإنسانية إلى الإنسانية.
٭ كاتب وناقد مغربي
عثمان بوطسان