يهود الولايات المتحدة تضرروا، هم غاضبون، ويقولون إن وحدة الشعب في خطر، وأن حلم الصهيونية كلها سيتحطم. في الزيارات الليلية الخائفة قيل للقناصل الإسرائيليين في الولايات المتحدة أن يستعدوا للاحتجاج المتزايد والتعامل معه بـ «بروحية مؤدبة». الاحتجاج والغضب ليهود الولايات المتحدة ضد إسرائيل غير مسبوق.
لماذا يغضب يهود الولايات المتحدة من إسرائيل، بؤبؤ عينهم ومصدر تفاخرهم حتى الآن؟ هل بسبب القوانين غير الديمقراطية والمخجلة التي تم سنها فيها في السنوات الاخيرة التي تضع الشكوك حول ديمقراطيتها؟ أو حول صيد الساحرات ضد جمعيات اليسار؟ أو بسبب تعاطيها مع طالبي اللجوء من افريقيا؟ أو تحولها إلى قوة عظمى تقوم بالاتجار بالسلاح مع كل نظام؟ أو منع الكهرباء عن 2 مليون شخص محبوسين في قفص منذ عشر سنوات؟ أو المجزرة ضد المدنيين في عملية الجرف الصامد؟ أو المجزرة ضد المدنيين في عملية «الرصاص المصبوب»؟ أو اعدام فتيات السكاكين؟ أو خمسين سنة من الاحتلال؟.
كل هذه الامور لم تثر غضب يهود الولايات المتحدة أبدا. فقد شجعوا إسرائيل وأيدوها بعمى، رغم أنها فعلت كل ذلك. وقد تبرعوا لها بسخاء عندما عرفوا عن حدوث كل هذه الامور، وقاموا بارسال أولادهم إلى هنا للتجول في المستوطنات وفي الجيش، بمرافقة الحراس المسلحين بالبنادق من اجل غسل أدمغتهم، وتغاضوا عن الاحتلال. أخيرا أصبحوا غاضبين. لماذا؟ بسبب شؤون مصيرية: ترتيبات الصلاة في حائط المبكى، فليبقوا محافظين مثلما كانوا، وليبقوا ارثوذكسيين مثلما كانوا. هذه أمور هامة لا يجب الاستخفاف بها. ولكن بعد أن غفروا لإسرائيل كل شيء ـ هل هم غاضبون من هذا؟.
إن يهود الولايات المتحدة يعتبرون ليبراليين ومتنورين، سواء كانوا اصلاحيين أو محافظين. هم ليبراليون في نظر انفسهم، يؤيدون «الايباك» ويناضلون ضد كل صاحب ضمير يحاول انتقاد إسرائيل، إنهم ليبراليون يقومون بكم الأفواه، وهم ليسوا الاقلية الارثوذكسية الظلامية، إنهم يصلون، رجال ونساء، معا، ويأتون بسياراتهم إلى الكنيس في يوم الغفران، وهذا بالطبع حقهم الكامل.
لكن هؤلاء الليبراليين الذين أيدوا براك اوباما، ويحتقرون دونالد ترامب، وبعض آبائهم حاربوا من اجل حقوق الانسان للسود في الولايات المتحدة، في المقابل يغفرون لإسرائيل كل شيء ويصمتون، وصمتهم يدوي ويسيء.
الآن هم يخرجون إلى صراع مصمم وغاضب من اجل حقوق نساء المبكى. هل عندما يتعلق الامر بعصفور روحهم يستيقظ تحضرهم؟ هل هم ليبراليون فقط عندما يتعلق الامر بطقوس الصلاة الخاصة بهم؟ هل حاربوا ذات مرة من اجل حق الفلسطينيين في حرية العبادة في المسجد الاقصى؟ ومن اجل حقهم في الوصول إلى هناك؟ عندما تم المساس بهؤلاء اليهود في حائط المبكى، اصبحوا ليبراليين فجأة، بل تجرأوا على فعل ما لم يفعلوه أبدا: انتقاد دولة إسرائيل بصوت عال. وقد تم اخراج سلاح يوم القيامة: سيتوقفون عن محاربة الـ بي.دي.اس.
بين الصراع على حرية العبادة أمام الحائط الحجري الذي يوجد في منطقة محتلة، الذي بسببه تم هدم بيوت مئات الاشخاص قبل خمسين سنة، وبين الليبرالية والحرية لا توجد أي صلة. يجب عليهم التوقف عن الحديث بصوت عال. لقد أثاروا هذه الضجة باسم الحرية في الوقت الذي يؤيدون فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، أحد المشاريع الاكثر قمعا للحرية في العالم ـ هذه ذروة التلون. يهود الولايات المتحدة أدوا التحية لإسرائيل على كل شيء، أدوا لها التحية بشكل اوتوماتيكي عندما فعلت أمور أخطر من منع النساء اللواتي يضعن غطاء ملون على رؤوسهن من الصلاة إلى جانب الرجال.
اذا ليستمروا في أداء التحية لها. ليس من حقهم الخروج ضدها الآن باسم الضمير. ليذهبوا إلى حائط المبكى وليصلوا ـ رجال ونساء معا، أو بشكل منفصل ـ من اجل إسرائيل اكثر عدلا. إنها تحتاج صلاتهم أكثر من حاجتها إلى النصائح الاخلاقية المتلونة.
هآرتس 29/6/2017