كنت في العاشرة من عمري حين رسمني ناجي العلي، ومنذ أن رسمني أول مرة توقف بي الزمن، ولم تسرِ عليَّ السنون، بقيت هكذا، حنظلة الحائر الذي يرفض أن يكبر، هجر ناجي العلي داره في فلسطين لاجئاً إلى لبنان في مخيم عين الحلوة حاملاً معه حلم ولادتي، رسمني هناك، كبر الصغار وشابوا وأنا لم أكبر. بعد مقتل العلي قتلت ألف مرة، وبقيت داخل أرشيف الصحف والذكريات، نادراً ما يتذكرني الآخرون في احتفالات المؤبَّنين، بعدها سرعان ما ينساني العامة، الآن سمعت أن هناك شخصيات مخلوقة مثلي، خلقها أناس يحبون الكاريكاتير، لكنها ليست ورقية مثلي وإنما إلكترونية، همومها مختلفة عن همومي إنها لا تتكلم عن النكبة ولا عن فلسطين، إنها تتكلم عن الأديان والإساءة لها، وربما انتقاد شخصيات دينية وأفراد هنا وهناك، علمت أن دول المواجهة العربية لم تعد كذلك، سوريا والعراق في حرب مع قوى ظلامية لم أسمع بها، ربما يقال لها «تنظيم الدولة»، عندها طُويت صفحة وطني كما طُويتُ أنا بهذا الورق، شخصيتي الورقية المخلوقة منسية منذ عقود، بينما كنت أركن في زاوية متربة يقال لها الإرشيف في مرآب هذه الدار، متجانسا مع الكلمات أُزيِّن الصفحات بضحكات القراء المكتومة التي رسمت على شفاه أهلي في الشتات، لاحظت، حمامة تحمل غصن زيتون تقف على حافة الشباك، سمعت هديلها، لها نغمة أكاد أعرفها، بل أجزم أنها نشيد وطن، ظهرت لي أذن حقيقة نبتت من صفحة الورق، أدركت أن الصحف لا تتكلم فقط، سمعت عزف مارسيل خليفة، رددت مع الحمامة:
منتصب القامة أمشي
مرفوع الهامة أمشي
في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي وأنا أمشي وأنا أمشي، رتل يا مرتل، رتل أيُّها الحمام، صلِّ واركع من أجل فجر جديد..
تأسرني تلك الرومانسية الثورية التي كنا نتغني بها، سميح القاسم لم يكتب هذه الكلمات عن عبث، هو ابن الثورة وشاعر هذه الأرض، أتذكر يوم كانت للبطولة معانٍ وقيم، ليلى خالد، وبندقية، فيروز وأغاني زهرة المدائن، ويا جبل ما يهزك ريح، الآن ألف ريح وريح. أخبرتني الحمامة عن جوع الأسرى الفلسطينيين في سجون المحتل، وعن أمهات الشهداء الثكالى، خبرتني عن الجدار العازل وعن أطفالٍ بلا منازل، خبرتني كيف تتبدل الكلمات، وكيف يتحول اسم المقاومة إلى إرهاب، خبرتني أن القدس لم تعد عربية، وربما الأقصى والعصافير والشجن، لذا قررت أن أمزق الصحف وأخرج ثانية للعلن، أريد أن أكبر، أريد أن أبعث الروح، أريد أن أكون كائنا فسطينيا عربيا، أصرخ أنا هنا حنظلة من جديد، أريد وطنا.
روائية وقاصة عراقية
نيران العبيدي