الإسلاموفوبيا: فعل تشويه وانتقاص حضاري

حجم الخط
0

من الثابت تاريخيا ووثائقيا أنّ دولة الإسلام أولت العلماء مكانة عظيمة، باعتبارهم أهل الحلّ والعقد، ولا يُمكن مقارنة التاريخ السياسي الاسلامي قديما بحاضر الدولة العربية الاسلامية، فالاستبداد المطلق سمة الدولة الحديثة والقطيعة بين السياسي والعلمي قائمة، وما ذاك إلّا معطى أفلاس وخيبة أصبحت معها أغلب الدول العربية كيانات مطلقة حلولية، ناهبة لثروات الشعوب ومتسلّطة على مقدّراتها، كما على حرّياتها الفردية والجماعية.
فتاريخ الاسلام عرف تعدّدية ثقافية وفكرية ودينية واجتهادية فقهية لا مثيل لها، أمّا الصراع الطائفي والمذهبي فلم يكن موجودا، كما هو الحال الآن، فقد كان هناك تعايش بين الملل والنحل، في ظلّ حماية الاسلام وحتى أهل الملل الأخرى من غير المسلمين، فلم يعرفوا الاضطهاد، ومثال ذلك اليهود الذين يشهد التاريخ أنّهم اُضطهدوا في الأندلس بعد سقوطها من أيدي المسلمين وليس قبل ذلك. ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أيضا مقارنة دولة الاسلام تاريخيا، بدول أوروبا وآسيا في القرون الوسطى، عند الحديث عن الاستبداد والقهر وايديولوجيات النفي، وفعل النهب والإفساد، ارتباطا بالكنيسة الكاثوليكية وصولا إلى محاكم التفتيش وغيرها.
قدّم الإسلام رؤية جديدة للعالم ومنهجا مُغايرا للحياة وفلسفة إنسانية، أساسها الإخاء البشري والأخلاق العليا النظرية والعملية، ومن أهمّ مقاصد الاسلام إزالة أي نوع من القداسة عن الممارسة السياسية، حتى لا تُحتكر باسم الدين، وتُحدث الحجر والتضييق على أشكال الابتكار وطاقات الابداع، وما السياسة في الفكر السياسي الاسلامي منذ ابن عقيل البغدادي الحنبلي وابن القيم الجوزية إلّا التدابير التي بها يكون الناس أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد. في المقابل بدت الرؤية الغربية رؤية اختزالية للإنسان، تهدف إلى تنميطه وفق ثقافة غربية علمانية استهلاكية مفرطة، تصدر عن حضارة تتمركز حول ذاتها تعتبر امتدادها إلى اليونان القديمة، ولا تذكر فضل المسلمين عليها في تحقيق نهضتها، عبر الفلسفة والعلوم التي مُرّرت إلى أوروبا، واستفادت منها في تطوير نمط حياتها النظري والمادي، وفي الخروج من ظلمات القرون الوسطى، تلك المسافة الزمنية الطويلة من التخلّف والبدائية.
ويبدو الصّراع  الدّائر اليوم صراع نماذج حضارية بين من يرى الاستهلاك والسيطرة الهدف الأوّل من الوجود تحت شعارات مكيافيلية، الغاية تُبرّر الوسيلة والبقاء للأقوى، وبين من يعتبر أنّ هناك قواسم مشتركة ويُمكن أن يتوفّر الإخاء الإنساني والتعايش السلمي بين مجتمعات تُبنى على العدل والانصاف، وبتعبير عبد الوهاب المسيري، الأمر ليس قضية الإسلام ضد الغرب، بل هي قضية حضارية قائمة على الصراع بين رؤية تُنكر إمكانية التجاوز وتدعو إلى الخضوع للعقلانية التكنولوجية الأداتية مقابل حضارة تدعو للتّجاوز والإنسانية.
النموذج الغربي القائم على امبريالية متوحّشة، يرفض أن يُقام حوار حقيقي بين أنداد يُفضي إلى قواسم مشتركة، ووجه المفارقة طرحُه لثنائية التبعية الكاملة أو الرفض الكامل، وكلاهما يفضي إلى توليد الصراع والتوتّر، وبين هذا وذاك تُرسل الرأسمالية الغربية بجيوشها للاستيلاء على منابع البترول، وهي تُقيم حكومات عميلة تفتح أسواقها أمام السوق الرأسمالية الاستهلاكية، وتدخل في منظومته الاقتصادية غير عابئة بالخطر الذي يمكن أن يضرّ باقتصاداتها الوطنية. تلك حداثة منفصلة عن القيم الانسانية والأخلاقية والدينية روّجت لها الحضارة الغربية فحوّلت العالم إلى «مادّة استعمالية» توظّفها كما تُريد ضمن معطى التشكيل الامبريالي الذي صاحب الثورة العلمية والتكنولوجية في الغرب.
وقد أفضى هذا المسار إلى دوام تعقّد الفكر السياسي في العالم العربي، الذي أبقى على حالة الانحلال والتخبّط الدائمين ورضوخ الدولة القطرية لصانعي القرار الدولي، ما حوّلها الى دولة وظيفيّة لا تمتلك قرارها، وإلى الآن تعاني غالبيّة البلدان العربيّة من تردّد صانعي القرار داخلها وغياب أصحاب الرؤى والمشاريع  وتشتّت الرأي العام، وصراع التيارات الفكرية على اختلافها وتزايد الاحتقان الايديولوجي بشأن خيارات الحاضر والمستقبل.
العقلانية  تفترض وجود معايير إنسانية وأخلاقية مطلقة بعيدا عن الرغبات الاستهلاكية، والرؤية الامبريالية التي تقود الغرب بحثا عن المصالح التي لا تنتهي. والحلّ يكمن في الاحترام المتبادل الذي يفضي إلى الحوار الايجابي لأنّ في الاحترام ندّية ومساواة واعتراف بخصوصية كلّ حضارة، وكلّ ديانة، وكلّ حوار بين الحضارات أو الأديان التوحيدية يجب أن ينطلق من الاعتراف بالاختلاف، فهناك نقاط مشتركة بين الديانة المسيحية والديانة الاسلامية، وبدل أن يُشكّل ذلك نقطة انطلاق للحوار وأساسا للتّعاون بين الشرق والغرب، أو بين العالم الاسلامي والعالم المسيحي، تحوّلت نقاط التشابه بين العقيدتين إلى مصدر صراع ونزاعات متعدّدة ضمن بنية اقصاء متبادل زيّفت مفهومي العدل والسلام.
كاتب تونسي

الإسلاموفوبيا: فعل تشويه وانتقاص حضاري

 لطفي العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية