«الثواب الوحيد ـ إذا كان هناك ثواب على الإطلاق على ذبح ستة ملايين يهودي… فهو أمر واحد: إقامة الدولة اليهودية قريبا في أيامنا!»، أعلن دافيد بن غوريون في خطابه امام المؤتمر الصهيوني الـ 22 في 10 كانون الاول/ديسمبر 1946. ويمكن أن نفهم من كلامه بأنه في نظر المسؤولين في قيادة الصهيونية بعد الكارثة، فإن احد التعليلات المركزية في اقامة الدولة قريبا سيكون الحجة بأنه ينبغي «تعويض» الشعب اليهودي على الكارثة.
لقد كان بن غوريون بالتأكيد سيتفاجأ لو سمع بأنه بسبب هذه الأقوال يحتمل ان يعتبر في المستقبل كمبشر لنفي الصهيونية. ولكن إذا اتفقنا مع رد عينات ويلف على مقال دانييل برنبويم (هآرتس 11/6 و 13/6) ـ والذي عنونته في اللقب المشكوك فيه «نافي الصهيونية»، بسبب الادعاء الناشيء عن مقاله بأنه لولا الكارثة لما كانت قامت دولة إسرائيل ـ فلا مفر من أن نسمي بن غوريون «نافي الصهيونية على الطريق».
ترفض ويلف بشدة كل علاقة سببية بين كارثة يهود أوروبا وإقامة دولة إسرائيل، بدعوى أن نظرية تربط بين هذين الحدثين تتجاهل حقيقة أنه «فضلا عن الجانب الحاسم للاستقلال، فإن دولة إسرائيل التي على الطريق، كانت قائمة عمليا عشية الحرب العالمية الثانية». وينضم البروفيسور يهودا باور إلى اقوال ويلف (هآرتس 18/6). وبالنسبة له ايضا فإن الادعاء بأن دولة إسرائيل هي نتيجة الكارثة، مغلوط من الاساس لان «الحركة الصهيونية بنت بنية تحتية لكيان يهودي سياسي في بلاد إسرائيل في العقود التي سبقت 1947 ـ 1948».
صحيح أنه في كل ما يتعلق بالجوانب المؤسساتية في مجالات الاقتصاد، المجتمع والسياسة، لا شك ان الاثنين محقان ـ فإن لمفهوم «الدولة على الطريق» في بلاد إسرائيل الانتدابية كان له مضمون حقيقي. ولكن من ناحية الوعي والفكر، فإن «الطريق» إلى الـ«دولة يهودية» التي رأتها الصهيونية في بلاد إسرائيل في معظم فترة الانتداب البريطاني، كان يفترض أن يكون طريقا طويلا. ومن يفحص عميقا الوعي السياسي للتيار الصهيوني المركزي في الحاضرة اليهودية في العشرينيات وفي معظم الثلاثينيات، لن يجد فيه اي اعتراف بحاجة عاجلة (إلى اقامة الدولة اليهودية قريبا في أيامنا)، مثلما صرخ بن غوريون في خطابه. أفليس المنطق الداخلي الاساس للايديولوجية الطلائعية للصهيونية الاشتراكية ـ التي كانت العامل الحاسم في بناء اساسات «الدولة على الطريق» ـ كان يكمن في فكرة بناء متدرج للبلاد من الطلائع، المسيرة التي كانت كفيلة بأن تستغرق فترة زمنية طويلة جدا.
إن كارثة يهود أوروبا، التي جسدت للصهيونية الهشاشة الجمة لحياة اليهود في المنفى، وإلى جانبها مشكلة اللجوء ـ غيرتا هذا الفهم من الاقصى إلى الاقصى في اوساط اجزاء مركزية من الصهيونية. وبالمناسبة، فإن رجال «الحرس الفتي»، كما اظهرت البروفيسورة أفيفا حلميش في السيرة الذاتية التي كتبتها عن مئير يعاري، واصلوا التمسك بفكرة «الطريق الطويل» حتى في 1945 ـ 1947، فبالضبط اولئك الصهاينة، الذين شككوا باحتمالية اقامة الدولة فورا، سعى بن غوريون إلى اقناعهم في خطابه بالحاجة إلى السعي في الاستقلال.
هنا تكمن إذن علاقة سببية جوهرية ـ حتى وان كانت غير مباشرة ـ بين الكارثة واقامة الدولة. اساسها: احدثت الكارثة تغييرا عميقا في الوعي الصهوني ـ نتيجته رفعت الصهيونية طلب الاستقلال بحزم وبلا مساومة ـ وقد عرف لهذا وزن مركزي، إن لم نقل حاسم في جملة العناصر التي أدت إلى قرار التقسيم وتأسيس الدولة. فبعد كل شيء، فإنه بدون إرادة شديدة من الصهيونية نفسها لإقامة الدولة (قريبا في ايامنا)، الارادة التي كانت بعد الكارثة شديدة بأضعاف مما كانت قبلها ـ ما كانت الدولة لتقوم حقا.
ترد ويلف وباور ردا باتا ايضا الادعاء الآخر لبرنبويم والذي يقول فيه انه بدون الكارثة ما كانت لتقع النكبة. ولكن نظرة عميقة على تاريخ الصهيونة وبلاد إسرائيل قبل الكارثة وبعدها تبين بأن الادعاء بهذه الروح، ربما بصيغة اقل حزما، يوجد اساس مقبول على العقل.
من المشهور أن احد المبادئ الاساس الملزمة للقومية الصهيونية كان التطلع القاطع وغير المساوم لتحقيق اغلبية يهودية في بلاد إسرائيل، او ـ في ضوء المداولات على تقسيم البلاد ـ في القسم منها المخصص لاقامة الدولة. فعلى معظم تاريخ الصهيونية دعت الصهيونية لتحقيق هذا التطلع من خلال الهجرة التدريجية لملايين اليهود، ممن كانوا في معظمهم في تلك الفترة في أوروبا.
ولكن مع الكارثة تغيرت الامور تغييرا عميقا. فالمخزون المركزي في أوروبا، وأولا وقبل كل شيء في بولندا، لهجرة ملايين اليهود، التي بمعونتها أملت الصهيونية في أن تخلق في البلاد في يوم من الايام الاغلبية اليهودية المنشودة، قل جدا في اعقاب الابادة.
وهكذا من ناحية الصهيونية، فإن الطريق الناجع لضمان أن يكون في الدولة اليهودية ـ التي ستقوم «قريبا في أيامنا» ـ أغلبية يهودية متماسكة، كان يجب ان يمر في مسار التقليل الدراماتيكي لعدد الفلسطينيين في أراضي الدولة المخصصة.
محق باور في قوله انه «كارثة أكثر معناه صهيونية أقل وإسرائيل أقل» أو بتعبير آخر، قتل ملايين اليهود جعل من الصعب جدا تحقيق الرؤيا الديمغرافية الصهيونية لاقامة دولة يهودية مع اغلبية يهودية. ولكن في نفس الوقت سادت أيضا صيغة تاريخية اخرى، ترتبط بشكل وثيق مع صيغة باور: «كارثة أكثر، نكبة أكثر»، أي، بغياب الاحتياطي للزيادة الكبيرة لعدد سكان اليهود في البلاد من خلال الهجرة، كانت النكبة بالنسبة للصهيونية وسيلة اساسية لتحقيق سريع لحلم الاغلبية اليهودية. فبعد الكارثة إذن كان وقوع النكبة مجرد مسألة وقت.
هآرتس 30/6/2017