حدثنا وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة قال: «التسريب (تسريب مطالب الدول الضالعة في حصار قطر بحرا وبرا وجوا) يسعى إلى إفشال الوساطة، في مراهقة تعودناها من الشقيق، وكان من الاعقل أن يتعامل مع المطالب ومشاغل جيرانه بجدية».
وفي ما يلي قراءة في الموضوع للعبد الفقير صاحب هذه السطور، محلل فرنسي لا صلة له بالعالم العربي سوى التحليل الجيوسياسي المركز جهد المستطاع، ولا ناقة له ولا جمل في الشأن الخليجي الداخلي، إلا حب الاستطلاع ومحاولة الفهم.
تتهم قطر اذن بكونها «مصدر التمويل والمنصة الإعلامية والسياسية لاجندة التطرف». هنا، سؤال بديهي يتبادر إلى الذهن: كيف يمكن اتهام دولة بأنها «تمول التطرف» في غياب وجود دلائل، وإن وجدت، فلا حياة لمن تنادي عندما تسأل عنها. ثم كيف يمكن اتهام حكومة دولة عضو في تحالف دولي يسعى لمكافحة الإرهاب «بتمويل الإرهاب وتشجيع التشدد وعدم الاستقرار في المنطقة»؟ فضلا عن غياب دلائل تثبت «تمويلا» للإرهاب من دولة قطر، نستغرب من تتالي تصريحات وبيانات رسمية مملوءة بعبارات فضفاضة تجاور بشكل شبه دائم اتهامات لا تقل استغلاقا وغموضا، ولكنها قد لا تبدو كذلك لأنها صيغت بصورة الدقة في قالب الغموض، كهذا المقطع المقتطف من مطالب الدول الاربع الموجهة لقطر: «وقف كافة أشكال التمويل القطري لأي أفراد أو كيانات إرهابية أو متطرفة». ثمة إذن، ان فهمنا هذه العباراة فهما دقيقا، «كيانات إرهابية أو متطرفة» تتلقى تمويلا من دولة قطر». ولكن لو ابلغنا بجهات الدولة التي تمولها كما لو ابلغنا بالذي يجعل من هذه الكيانات «كيانات إرهابية» لوصلتنا اذ ذاك معلومات دقيقة وهو ما ضقنا به ذرعا حتى الآن.
كما يفاجئنا في قائمة هذه المطالب أيضا، ترداد متواصل لتعبير «كافة» الذي يرد كلازمة لامتناهية لا ندري معها أية تفاصيل تستغرقها الـ»كافة» المقصودة هذه، فنقرأ مثلا، فضلا عن»وقف كافة أشكال التمويل القطري لأي أفراد أو كيانات إرهابية أو متطرفة»، «التزام قطر بأن تكون دولة منسجمة مع محيطها الخليجي والعربي على كافة الأصعدة»، «تسليم كافة قواعد البيانات الخاصة بالمعارضين الذين قامت قطر بدعمهم»، «التعويض عن الضحايا والخسائر كافة، وما فات من كسب الدول الاربع بسبب السياسية القطرية خلال السنوات السابقة».
إذا كان لكلمة «كافة» من معنى، فلا بد أن تدل على كتلة جامعة مانعة من الحيثيات والمكنونات التي لا بد لها، بدورها، أن تحمل أسماء بعينها، عبرة بوجوب تطبيق مقولة إجرائية لا تقبل الاستغلاق والغموض هذه المرة، وهي «تسمية الأشياء بأسمائها». فنسأل إذن ما هي أشكال التمويل القطري «الكافة» لـ»أفراد أو كيانات إرهابية أو متطرفة»، ثم نسأل ما هي الأصعدة «الكافة» التي ينتظر من قطر أن تكون منسجمة معها خليجيا وعربياً، ثم نسأل ما الذي تتضمنه هذه القواعد البيانية «كافة» حتى تتهم قطر بممارسة أبسط مبادئ العمل الديمقراطي بدعم معارضين سياسيين، كما فعلت دول أخرى عديدة في تاريخها، فرنسا على سبيل المثال لا الحصر. ثم من هم هؤلاء «الضحايا» وما هي هذه «الخسائر» «كافة» وما الذي فوتته هذه وتلك على الدول الاربع من مكاسب من جراء «السياسة القطرية خلال الأعوام السابقة»؟
والغريب، فضلا عن خلو هذه المطالب من اي معطيات دقيقة فمن حق الرأي العام أن يطالب إفادته بها، أم أن الاستغراب هذا لا تحكمه سوى سذاجة صاحب هذه السطور الذي أوشكت أن تسقط من حساباته صفقة سخية في المجال العسكري وقع إبرامها حديثا (جدا) بين الولايات المتحدة وإحدى الجهات المستاءة من «سلوك» «المراهق الشقيق»؟
أخيرا وليس آخرا، دعونا نتوقف عند قناة الجزيرة التي يطالب البعض باغلاقها. يستغرب المرء كيف يمكن لدول ان تندس في الشأن الداخلي لدولة أخرى، فتطالب بإغلاق قناة باتت رمزا للإعلام الحر والموضوعي في المنطقة. ثم كيف نغلقها؟ هل نطلب من الكوادر الخروج من المبنى فردا فردا فـ»يغلق آخر المغادرين الباب وراءه» كما يقول التعبير الفرنسي الشهير
لكن يسلم المفاتيح لمن؟ لدول اخرى، صاحبة الطلب، في خطوة خشوع من «المراهق» يستدل بها انه عاد سالما غانما إلى «بيت الطاعة»؟
في هذه الحالة، هلم إلى فرنسا إذن لتأسيس قناة جديدة، تضاف إليها خدمة ناطقة بالفرنسية، وهنا اعود الى الجدية فهو مشروع كان قد فتح للنقاش، ولا بد من مواصلة دراسته، قد اختلف في الرأي مع الجزيرة في خط تحرير برامج وأسئلة في مقابلات لا أرى لهما ضرورة، ولكن كيف لك أن تطالب بالغاء مشروع إعلامي تمكن من إنتاج صحافة عربية وفقت في التعادل بين امانة المنتوج الإخباري والتحليلي والوثائقي والثقافي لتضع العالم العربي أمام صفحات جديدة من تاريخه لم ولن ينتهي من كتابتها؟
أين هذه المطالب، التي نعلم جيدا طبيعة الخلفية التي تقف وراءها، من مشاريع قطر الاقتصادية الإستثمارية، التي فتحت صفحة جديدة من التعاون المثمر مع أكثر من دولة في العالم بما فيها فرنسا؟
***
أنا الدوحة عندما أرى صحافيين لم يتورعوا في مواجهة أكثر قياديي العالم نفوذا. أنا الدوحة عندما أرى في فرنسا جماهير عشاق كرة القدم المتشوقين لمقابلات ما كانوا ليشاهدوها لولا نشأة قناة «بين سبورت». انا الدوحة عندما أرى مدى حرص مذيعي الجزيرة على سلامة اللغة العربية. أنا الدوحة عندما لا يكاد يمر يوم دون أن تعقد فيها ندوة جامعية تتناول بالفحص والتحليل موضوعات الساعة. انا الدوحة عندما أرى اهتمام الناشئة واوليائهم منذ الصبا بقواعد النقاش والمواجهة الفكرية الشريفة، كما عرضته يوما قناة الجزيرة للأطفال من خلال تقرير عن منظمة Qatar debate أنا الدوحة لأنني أؤمن بمستقبل دولة شمرت عن ساعدها لإثبات إسهام ثقافي لافت. أنا الدوحة لأن المتيم بالإعلام العربي الذي صرته بالتوازي مع اكتسابي لمبادئ لغة الضاد يحملني على أن اسند للمشروع الإعلامي الفتي الذي حملته دولة قطر، شعارا يعلو ولا يعلى عليه إعلاميا: make our journalism great again .
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيير لوي ريمون