معترفاً بأنني كثيراً ما أتساءل عن كيف يفكر السيسي ومن حوله، وما تراه يدور في أدمغتهم إذ يقدمون على ما يقدمون عليه من اختياراتٍ وقراراتٍ، إلا أنني لا يراودني أدنى شك في أنه حين صدق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية الشهيرة، في الخطاب الدارج بتوصيفها الأوضح والأصرح والأدق بقضية التنازل عن السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير، لا أشك مطلقاً في أنه لم يقم وزناً لرأي الشارع المصري، ولا لردة فعلٍ محتملة على ذلك القرار المهين، الذي لم يسبقه إليه رئيسٌ سابق.
بل إن التأمل في طريقة إخراج المشهد وتوقيته لتزيد منه بؤساً، فقد اختار متلصصاً ليلة العيد، دون سواها، حين يلتهي الناس بترتيباته مرهقين بعد شهرٍ من الصيام وملحقاته، بما يتماشى مع مجمل تصرفاته وتعليقاته التي تفضح من دون مواربة ثقته الطاغية في ذكائه (وبلاهة الناس) وفي مقدرته على الضحك على الناس بكلمتين من عينة «انتو نور عينينا»، فالمعادلة في نظره بسيطة وسهلة: هو يملك العصا الأكبر (وربما الوحيدة) وبحسابات القوى فهو ونظامه ودولته يمثلون القوة الوحيدة على الأرض، بعد أن عصف بالتنظيم الجماهيري الوحيد وشتى القوى الأخرى الصغيرة والجنينية المتشرذم أكثرها، وتتبع أغلب ناشطيها حبساً وتنكيلاً، وتصفيةً في بعض الأحيان.
غير أن ما يلفت الانتباه بشدة هو تلك الهرولة في التصديق بما تطلبته وفرضته من خشونة ورعونة في تمرير الاتفاقية في مجلس الشعب، على الرغم من اعتراض زهاء المئة عضو، جلهم محسوبٌ على النظام، مرشحٌ على قائمته المخابراتية، فقد عودنا النظام تاريخياً على طريقةٍ أكثر سلاسة لطبخ صفقاته القذرة، وتمرير قوانينه المفصلة لتخدم انحيازاته ومصالح جمعية المنتفعين.
إن أي محاولة لفهم ما يحدث في المنطقة بتطوراته الأخيرة، لا يمكن في أي حالٍ من الأحوال أن يتخطى «صفقة القرن» سيئة السمعة، وقرار المقاطعة لقطر بما تضمنه من مطالب تعجيزية من باقي الدول، أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وكلمة السر في كل ذلك: إيران. لقد بات من الواضح الآن أن المنطقة يعاد تشكيلها، لا جغرافياً على مستوى دول ما بعد الاستقلال «القومية» في صورة «كانتونات» طائفية فحسب، وإنما استيعاب إسرائيل كعضو كاملٍ منخرطٍ، بهويتها اليهودية على ما تحتله من أراضٍ، والتي ستنسجم من الناحية الفعلية مع تلك المنطقة المتشظية إلى فسيفساءٍ طائفيٍ وقبلي، بما يشمل ذلك من تصفيةٍ للقضية الفلسطينية. في هذا السياق يصبح التنازل المصري الضمانة الأهم لإسرائيل، بسلبه مصر ميزتها الاستراتيجية المتمثلة في السيطرة على المضائق بصورةٍ موثقة لا يمكن النكوص عنها.
من العبث تماماً ومضيعةٌ للوقت تناول ذلك الصراع بين إيران وحلفائها من ناحية، والمعسكر الذي تتزعمه السعودية بالتحالف الفعلي مع إسرائيل الآن، في إطار المبادئ أو المذاهب، فما ذلك إلا صراع مصالح ونفوذ، بيد أنه لا بد من الاعتراف أيضاً بأن مشروع إيران، على كل مشكلاته وعلاته وتدخلاته المرفوضة في شتى أرجاء العالم العربي، هو مشروعٌ مستقل مناوئ للمشروع الأمريكي، شئنا ذلك أم أبينا، وليس الحال كذلك مع الدول العربية.
وعلى المنوال نفسه فمن العبث والبذاءة اتهام قطر بدعم الإرهاب، فليس سراً أن أغلب الدول في منطقتنا تدعم فصيلاً (إن لم تكن فصائل) تمارس الإرهاب في حق أطرافٍ أخرى، كما أن الأطراف التي تختلف في مصر قد تتفق في سوريا وهكذا، وما تهمة دعم الإرهاب وما أشبه سوى أسلحة ووسائل للضغط تستخدم وقت اللزوم.
ليس جديداً ذلك العداء السعودي والامريكي لإيران، منذ اندلاع الثورة الإيرانية وسقوط الشاه، وليست حرب الخليج الأولى ببعيدة لننسى الدعم الذي لقيه العراق برئاسة صدام حسين من شتى الدول العربية بقيادة المملكة السعودية والشرق والغرب، في محاولةٍ يائسة لإسقاط إيران الخميني، لكن الجديد هو الانضمام الواضح والصريح لإسرائيل لهذا المعسكر.
السر إذن وراء الهرولة في تمرير الاتفاقية يكمن في نفاد صبر صاحبي المصلحة الحقيقية من ذلك التنازل، المملكة السعودية وإسرائيل اللتين لا تطيقان فكرة التفاهم الإيراني مع الغرب، إبان رئاسة أوباما، بما أدى إليه من الإفراج عن أرصدة إيران وبما تريانه من اقتراب إيران من التمكن من التكنولوجيا النووية.
في ضوء كل ما سبق تصبح تحركات السيسي واضحة، بل منطقية، فهو محصورٌ بين احتياجه (وقناعته بذلك الاحتياج) واعتماده شبه التام على الدعم المالي الخليجي والسعودي بصفةٍ خاصة، وبين رهانه واحتياجه إلى الدعم والقبول الأمريكي والإسرائيلي، ونتيجةً لانحيازاته الاجتماعية والاقتصادية فإنه لا يملك قراره وإرادته مسلوبة ومرهونة تماماً لصالح «كفيله» الخليجي.
مرةً أخرى يثبت لنا السيسي، بما لا يدع مجالاً لذرة شك، بأنه يقود طبقةً مفلسةً ومترهلةً تماماً، وأنهما (بدلالة من لا يزالون يتفنون في اختلاق مبرراتٍ يدافعون بها عنه) مستعدان للتنازل عن كل شيء من أجل البقاء، يؤكد لنا أنه سيمضي أبعد من غيره، أنه سيعصف بكل الثوابت ولن يعرف للعنف سقفاً. بكل تأكيد هو لم يأبه للداخل المصري حين صدق على الاتفاقية، ولم يفكر سوى في إرضاء «كفيله».
لقد كانت ثورات الشعوب العربية الأمل في كسر مد الاضمحلال والتحلل، وعكس تيارهما صوب التحرر والكرامة، إلا أن ما أصابها من انكفاء وما غشي المنطقة من هيمنة الثورة المضادة المسعورة استأنف مسيرة التشرذم وتقسيم المقسم والعنف والإفقار.
بائسٌ للغاية أن نشاهد قصةً معروفة نهايتها المهزومة سلفاً، شاعرين بالعجز عن عرقلتها ناهيك عن إيقافها، إذ مرةً أخرى ستساق شعوبٌ منهكة حد الهلاك صوب حروبٍ تأكل كل ما بقي من ثروات النفط وفوائضه المالية، وتدير عجلة رأس المال الغربي بمشتريات السلاح، لا لمصلحة مئات الملايين من البشر، ولا لتحررها وإنما لتثبيت بعض الأسر الحاكمة.
وحدها يقظة تلك الشعوب وحراكها قد يوقف ذلك الانزلاق نحو القاع، وإلا فالمستقبل القريب بليدٌ كئيب.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل