في ظل الحراك المستمر في الريف منذ سبعة أشهر: باحثون يُقاربون جدلية الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية في مغرب ما بعد 2011

حجم الخط
4

الرباط ـ «القدس العربي»: في خضمّ التحولات الأخيرة التي شهدها المشهد السياسي والاجتماعي في المغرب، وعلى ضوء المستجدات المتسارعة لأحداث ما بات يعرف إعلامياً بـ»حراك الريف المغربي» خاصة بعد اعتقال قائد الاحتجاجات الشعبية في مدينة الحسيمة وتوالي الاعتقالات في صفوف الشباب والنشطاء، جاء انعقاد ندوة قارَبَتْ موضوع «جدلية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المغرب الراهن».
الندوة، التي نظمها في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة، فرع الرباط «لمنظمة التجديد الطلابي» (الذراع الطلابي لـ»حركة التوحيد والإصلاح» المغربية) عرفت مشاركة أربعة متدخِّلين من عدة أوساط إعلامية وفكرية وحزبية مغربية، قصد تشريح العلاقة الملتبسة بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية في مغرب ما بعد حراك عشرين شباط/ فبراير 2011.
مرحلة ضبابية بلا أفق

أكّدت أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية (قائد الائتلاف الحكومي الحالي) أن المرحلة الراهنة التي يمرّ منها المغرب «لا تحمل عنواناً ولا أفقاً بالنسبة للفئات الشعبية المنتفِضة كما للسلطة» إنها حسب تعبيرها «مرحلة ضبابية» يبقى الغموض أبرز سِماتها.
وفي الوقت الذي أكدت فيه على أن «الفكرة الديمقراطية لا يمكن فصلها عن مفهوميْن أساسيين يؤصِّلان لها فكريا وفلسفياً هما الحرية والمساواة»، وهو ما جعلنا بصدد الحديث عن العدالة الاجتماعية، أشارت إلى أن هذه الأخيرة لا يمكن الحديث عنها بمعزل عن الفكرة الديمقراطية والمجال السياسي عموماً.
وشددت على أن الرهان الأساسي للحرية يظل هو تحرير الفرد من الخوف، وهو ما لوحِظ خلال الحركة الاحتجاجية المتواصلة في الشمال المغربي منذ أزيد من سبعة أشهر، مضيفة أن «الحراك الشعبي لم يعُد محدوداً في منطقة الريف» لأنه أخذ أبعاداً وزخماً أكبر وأوسع مع أزمة تشكيل الحكومة بعد تشريعيّات تشرين الأول/ أكتوبر 2016 والتي عُرفت في المغرب بأزمة «البلوكاج» الحكومي (أي العرقلة).
وأضافت أن «مربع صناعة القرار لا يستفيد من الدروس بتكراره آليات الإغراء والترهيب نفسها» في التعامل سواءٌ مع المطالب الاجتماعية أو الأحزاب السياسية، وهو ما أدى حسب رأي ماء العينين إلى «حالة التشَظّي الحزبي» الحاصلة اليوم عبر اللعب على التناقضات الداخلية للتنظيمات السياسية.
وفسّرت ما وصل إليه المغرب من حالة الاحتقان الاجتماعي بكونه «نتيجة طبيعية للمسار السياسي للبلاد بعد الانتخابات التشريعية 2016» معتبرة أن التطورات الأخيرة كشفت مدى إفلاس الوساطات الاجتماعية التقليدية من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني.
وعن التهم الموجَّهة لشباب الحراك الاجتماعي المستمر في المغرب، قالت أمينة ماء العينين إن «هدفها هو زرع مناخ الخوف بين الناس» قبل أن تستطرد قائلة إن «فرملة الحراك ممكنة بآليات القمع المعروفة، لكن التناقض الاجتماعي والحقد تجاه السلطة سيزداد مما سيُولّد ضغطاً قد ينفجر في أي لحظة».
وختمت المتحدثة مداخلتها بالتأكيد على أن «الديمقراطية ليست ممارسة آلية الانتخابات شكلياً فقط»، وإنما تأتي بمثابة «تتويج لتمتّع الأفراد والمواطنين بجميع الحقوق والحريات»، مشيرة إلى أن المغرب «في حاجة ملحة إلى قراءة ومساءَلة ناقدة للذات قصد تجاوز أخطاء وتناقضات الماضي».
نسف المفاهيم المؤسِّسة للمطالب

أما عبد الصمد بلكبير، الباحث الأكاديمي المغربي، فقد حاول تقديم قراءة ناقدة للمفاهيم المؤسِّسة والمؤطرة للحركات الاحتجاجية منذ 2011، معتبراً أن «الديمقراطية ديمقراطيات»، ليخلص إلى أن «فكرة توحيد وتنميط الديمقراطية ليست سوى دعاية للإيديولوجيا الليبرالية الحديثة».
الديمقراطية «كلمة ميتافيزيقية» بالنسبة لبلكبير، حينما قال إنه «لا ينبغي الحديث عن ديمقراطية وإنما نحن فقط بصدد انتقال ديمقراطي»، مشيراً إلى أن «تَعثُّر الغرب في التحول الديمقراطي يطرح علينا في المقابل تعثراً في مسار الانتقال الديمقراطي».
وخلال مداخلته بالندوة المذكورة، حاول بلكبير نسْف الشعار المعروف الذي رفعته المطالب الاجتماعية في دول «الربيع العربي» بالقول إن «مفهوم العدالة الاجتماعية لا وجود له، فإما هناك رأسمالية أو اشتراكية»، في حين شدد على أن «المطلوب هو التحرّر والتحرير وليس الحرية، وهو ما يعطينا حريات ديمقراطية» حسب تعبيره، معتبراً أن «مفهوم الكرامة يبقى لفظة عامّة وأخلاقية، وعلى الدولة أن تتمتّع بها أولاً قبل الأفراد.
واعتبر أن تاريخ «20 فبراير» كان منعطفاً حاسما في التاريخ السياسي المغربي الحديث، غيْر أنه لم يُعط كل نتائجه المرجوّة منه، كاشفاً أن «النص الدستوري في المغرب سنة 2011 جاء نتيجة توافُق أمريكي فرنسي»، قبل أن يضيف قائلا «لا بد لكل حراك من قيادة ظاهرة، وإلا فإنها ستكون خَفيّة لا محالة».
وعاد بلكبير إلى الحديث بتفصيل عن المسار الذي استتبع نتائج الانتخابات التشريعية سنة 2016، قائلاً إن «ما يحصل الآن في المغرب كان متوقعاً بعد إزاحة بن كيران» التي وصَف ما أعقبها بـ»السيناريو المُعدِّ له سلفاً»، وإن «البلوكاج الحكومي» الذي عاشه المغرب لخمسة أشهر بَرْهَن أن «الدولة في المغرب قائمة الذات حتى دون حكومة»، واصفاً كل ما حَدَث بـ»الانقلاب المدني».
ومن جهة أخرى، لفت انتباه الحاضرين إلى أن استعمال مصطلح «حراك الريف» لوصف ما يجري يعيد إذكاء المعجم الإقطاعي القديم، وهو ما وجَب الحذر منه حسب رأيه، كما دعا المغاربة إلى التحلي بـ»الحِسّ الوطني التوحيدي»، مشدداً على أن «مسألة رفع الراية المغربية في الفعاليات الاحتجاجية في منطقة الشمال المغربي لا يمكن المساومة عليها بأيّ ثمن» دون أن ينسى دقّ ناقوس الحذر من مخاطر التقسيم التي تتربّص بالمغرب، قائلا إنه «يجب حماية الانتفاضة الاجتماعية من الانحراف المُضرّ بمستقبل المغرب».
وخلُص إلى أن «اللحظة حاسمة، ويظهر ذلك من خلال النضال السائد الذي ما زال يعيد إنتاج نفسه ضد الفساد والاستبداد» معتبراً أن «البرنامج النضالي للاحتجاجات الاجتماعية يلزمه تدقيق وتمحيص».
جيل جديد من الاحتجاج في المغرب

وافتتح توفيق بوعشرين، مدير نشر صحيفة «أخبار اليوم» مداخلته بالحديث عمّا سمّاه بـ»الارتباط التاريخي بين السياسي والاجتماعي منذ المطالب الإصلاحية للحركة الوطنية المغربية» مشيراً إلى أن هدف الذين قاموا بفصل النضال السياسي عن الاجتماعي كان هو إبعاد الشعب عن مساءلة واضعي السياسات العمومية وصناع القرار.
وفي معرض تحليله للخلفيات التاريخية والسياسية للاحتجاجات المستمرة في المغرب، قال إن «الحركات الاجتماعية الاحتجاجية تطوّرت نتيجة تناقضات وتراكمات النضال السياسي والاجتماعي داخل النقابات» إذ لم تعد هذه الأخيرة قادرة على القيام بدورها في تأطير المواطنين، وأكد على أن «حراك الريف يُعبّر عن جيل جديد من الحركات الاجتماعية بعد نهاية حقبة النضال السياسي»، كما اعتبره نتيجة حتمية لتطور التاريخ حيث لم تعد المبادرة تأتي من الأحزاب.
وفي ما يشبه الرد على مروّجي نظرية المؤامرة لتقسيم المغرب باستغلال الحراك الاجتماعي، عبّر الصحافي المغربي عن رفضه تفسير الحراك الحالي بنظرية المؤامرة، قائلا إن «المؤامرات موجودة في دول العالم بأسره، إلا أنه لا يجب تفسير أي حراك اجتماعي بنظرية المؤامرة».
واسترجع بوعشرين سياق وخلفيات وتداعيات حراك 2011 في المغرب، قائلاً إنه «كلما ابتعدنا عن حرارة الحراك الاجتماعي، إلا وارتفع سقف تنازلات السلطة عن تحقيق المطالب» لافتاً إلى أن دستور تموز/يوليو 2011 جاء أقلّ من مستوى الخطاب الملكي في 9 آذار/مارس، وهو ما جعلنا أمام رئيس حكومة يتفاوض كل صباح حول صلاحياته الدستورية، حيث «انتقلنا من تنزيل الدستور وتأويله إلى التفاوض حوله».
وفي سياق المناخ الاحتجاجي المتواصل منذ أكثر من سنة، استعرَض مدير نشر صحيفة «أخبار اليوم» المغربية عدداً من سمات الجيل الجديد للحركات الاحتجاجية في المغرب؛ بدءًا من كونه «حراكا شبابياً بامتياز»، خاصة في ظل بطالة حاملي الشهادات، معتبراً الشباب هم «الكتلة الحرجة في المجتمع المغربي» على حد وصفه، وصولاً إلى كونه حراكاً يتميز بـ»العفوية» وعدم التأطير لكنه وصَل إلى ما لم تصل له المؤسسات التقليدية، مروراً بـ»السِّلمية» التي تبقى من أهم مميزات الحراك الاجتماعي الحالي، وهو ما ساهم في تأجيجه الانتشار الواسع لثقافة التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، ما يجعل هذا الجيل الجديد «جيلاً لا حزبياً يتمرد على السلطة وتوابعها».
وأضاف بوعشرين أن الحركات الاحتجاجية الجديدة في المغرب صارت «تُخاطب الدولة بدَل الحكومة» بخطاب «نقدي مباشر وصارم» كما أنها «تدعو للتفاوض مع الملك» وهو ما ساهم في نقل النظام من خانة المساءلة السياسية إلى الحقل الاجتماعي بهامش مناورة ضيق. كما أن الحراك المستمر دفَع في اتجاه «الخروج من المعادلة الصعبة التي تضع الشعب أمام ثنائية الاستقرار أو الفوضى» معتبراً أن ما يحصل «يسائل حزب العدالة والتنمية بعد صفقة حكومة العثماني».

أزمة اجتماعية حلّها سياسي

وانطلق الأكاديمي المغربي حسن طارق من التساؤل عن أي ديمقراطية وأي عدالة اجتماعية نريد في المغرب، قبل أن يضيف «هل نحن فعلاً أمام ثنائية متطابقة أم جدلية متناقضة؟» ليجيب بالقول «إن الصراع حول السلطة كمُحدد سياسي والصراع حول الثروة كمحدد اجتماعي، كانا دائما صراعا متبايناً ومتداخلا في الآن نفسه» لافتاً إلى أن «نقاش الحرية والمساواة هو المحدد لأي ديمقراطية في عمقها».
أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحسن الأول بسطات قال «إن نقاش المسألة الاجتماعية غير مرتبط بجواب سياسي فوري، بل هو نتيجة تراكم فكري وفلسفي امتد لقرنين من الزمن» مشيراً إلى أننا «نعيش زمن أفول الإيديولوجيا» حيث لم تعد قادرة على تأطير الجماهير.
وتحدّث الأكاديمي المغربي عن انتقال المطالب الشعبية من الاجتماعي إلى الثقافي الهوياتي، مضيفاً أن هناك «دينامية لتفكيك النضال النقابي أبرز عناوينها أفول النقابات ودورها في التأطير».
واعتبر أن الحراك المستمر في الريف ومناطق أخرى يتميز بالعديد من السمات التي تقطع مع عهد قديم في الفعل الاحتجاجي في المغرب، أبرزها استمرار الظاهرة الاحتجاجية كمكون أساسي في الفضاء العمومي، منبهاً إلى «انتقال ثقل الحراك من المدن الكبرى إلى الصغيرة والمتوسطة» وهو ما وصفه بانتشار «عقيدة جديدة لجيل جديد» هي عقيدة مساءلة مُدبّري الشأن العام، قبل أن يستطرد بالقول إن «حدود المساءلة داخل النسق السياسي محصورة إلا أنها في النسق الاحتجاجي الحالي ليست محدودة» وهو ما يشكل في رأيه «ديمقراطية الرأي».
وأشار طارق إلى أن متغيرات عميقة شهدتها الحركة الاحتجاجية في الشارع المغربي منذ 2011 أبرزها امتداد الاحتجاجات في الزمان وفي المكان، واصفاً حراك الريف بأنه «احتجاج مجالي مُعدي» من الإقليمي إلى الوطني، ثم توفره على «قيادة واضحة وزعامة خاصة في إطار تركيب تعبوي» مع قدرة الحراك الحالي على استثمار البعد الهوياتي والثقافي للجماهير.
وقام باستعراض سريع للدروس التي يمكن استخلاصها من الحراك المستمر في المغرب بالقول إن «الحل لن يكون اجتماعيا فقط، بل بإصلاح سياسي عميق» مضيفاً أن «المجتمع الجديد لا يريد وسطاء، بقدر ما يسعى إلى تأميم الدولة وإحساسه بامتلاكها» كما أنه «يريد أن يمر إلى التمثيل والتماهي مع حاكِميه» مؤكداً أن «المجتمع المغربي يرفض براديغم الوساطة ويريد أن يرى أحزابا مسؤولة ومستقلة في قرارها».
وبينما دعا إلى جعل المسألة الاجتماعية من صميم السياسات العمومية في مختلف المجالات في المغرب، حذَّر من تبعات «نموذج سلطوي لا يؤدي إلا للعجز الاجتماعي والعجز عن شراء السلم الاجتماعي» قبل أن يخلص إلى أن الحراك يبعث الروح في المجتمع من جديد للتعبير عن نفسه.

في ظل الحراك المستمر في الريف منذ سبعة أشهر: باحثون يُقاربون جدلية الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية في مغرب ما بعد 2011

يوسف يعكوبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية