لا نعرف إلى أين ستنتهي أزمة الخليج الرابعة إن جاز لنا وصفها من خلال الأزمات التي مرت على هذه المنطقة الحيوية منذ اجتياح صدام حسين الكويت عام 1990. فالدول التي قررت من جانب واحد فرض الحصار على دولة عضو في منظومة مجلس التعاون الخليجي وذات سيادة، مصممة على المضي (على الأقل علنا) في حصارها إن لم تستجب الدوحة لمطالبها التعجيزية 13 والتي باتت معروفة وتشمل محاربة الإسلام السياسي وحماس وإغلاق قناة الجزيرة القناة الوحيدة في العالم العربي والتي أدت لولادة رأي عربي وأصبحت منبرا للرأي والرأي الآخر رغم ما يؤخذ عليها من طريقة في الأداء واستثنائها الدولة التي تعمل من أراضيها من النقد، ولكنها تظل النافذة الوحيدة التي تقدم «أخبارا» لا صورا معادة ومكررة لعناق الرؤساء والأمراء وبيانات أعدت في دوائر الرقابة على حرية التعبير.
معنا أو ضدنا
ويبدو أن التحالف السعودي-القطري ومن تصريحات ممثليه يعدون لقطر عقوبات جديدة بعد انتهاء المدة التي حددت لها وهي 10 أيام. واللافت في الأمر أن القائمة طويلة وفيها من المهام التي تحتاج لسنين وتريد الرياض وأبو ظبي من قطر ان تنفذها في مدة قصيرة. ففي تصريحات لسفير الإمارات في موسكو سيف عمر غباش، قال فيها إن عجز قطر عن التنفيذ يعني «مع السلامة» لها وستقوم بلاده بفرض حصار على الشركات التي تتعامل معها وعليها أن تختار «معنا أو مع قطر». وبعيدا عن لهجة القوة ورفع سقف المطالب كما بدا في تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، من أن مطالب بلاده لا رجعة فيها. فالأزمة الأخيرة تعمل ضد ما أرادته الولايات المتحدة من بناء صف خليحي واحد أو كما يحلو للمسؤولين الأمريكيين وصفه بالجبهة السنية ضد إيران وتنظيم الدولة.
الجزء الثاني
وكما وصف عميد كلية الصحافة بجامعة كولومبيا ستيف كول بمقال له بمجلة»نيويوركر» (29/6/2017) فالدول الخليجية تقوم بمهاجمة دولة حليفة للولايات المتحدة التي يقوم جنودها بالتضحية بأنفسهم من أجل الدفاع عن مصالح الدولة المحاصرة لقطر. ويرى الكاتب أن المشكلة لا علاقة لها بالإرهاب الذي ربطته الرواية السعودية-الإماراتية بقطر بل بإنهاء السياسة الخارجية المستقلة. كما أن الأزمة الحالية هي حلقة ثانية من الربيع العربي. فبعيدا عن دور قناة الجزيرة في تعبئة القطاعات الشعبية ودعم المتظاهرين في الساحات والميادين، دعمت حكومة قطر مطالب الإسلاميين الذين فازوا بالانتخابات وكانت لديهم نسخة تخيف دول الخليج والديكتاتورية التي أصبحت تنظر للإسلام السياسي بمثابة التهديد الوجودي الذي يتفوق على خطر عناصر تنظيم الدولة المتوحشة أوالقاعدة. وأشار إلى أن النزاع الحالي يمثل صورة عن الحالة النشاز التي وصلت إليها السياسة الخارجية في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي قدم الدعم الواضح للتحالف السعودي الإماراتي ويواصل تخريب ما يقوم به وزيرا الدفاع والخارجية لحل الأزمة التي يريان أنها غير ضرورية وتحرف الأنظار عن جهود قتال تنظيم الدولة والجماعات المتطرفة. وأهم من كل هذا فكول يرى «عصر ترامب» منح البلطجية و»الرجال الأقوياء» الفرصة للتصرف بطريقة لا يخشون فيها الحساب. والمهم هنا أن حصار قطر هو مسلسل جديد في الثورة المضادة والحرب ضد الإخوان المسلمين وقطر وتركيا والتي بدأت بعد عام 2012 واستمرت في الإنقلاب ضد محمد مرسي في عام 2013. ويرى كول أن محاصرة قطر هي ضربة للدبلوماسية الأمريكية الساعية لإقامة قواعد عسكرية لها منذ ثلاثة عقود في منطقة الخليج. ويقول إن قطر على خلاف السعودية التي ظلت تطلب من الأمريكيين الخروج من قاعدتها الجوية في الظهران قدمت للأمريكيين عام 2003 عرضا لا يمكنهم رفضه وأصبحت قاعدة العديد الجوية مركزا للعمليات المتقدمة.
«الولد الغر»
وكما يقول مارك بيري في مجلة «أمريكان كونزفتيزم» (27/6/2017) إن وزارة الدفاع الأمريكية لم تنس الدور الذي لعبته قطر في حرب ليبيا عام 2011 . وأشار إلى أن ريكس تيلرسون، وزير الخارجية وجيمس ماتيس، وزير الدفاع صعقا من دعم ترامب في 9 حزيران (يونيو) للتحالف السعودي الإماراتي. وبل وشعر تيلرسون أن مهمته أصبحت تنظيف المشاكل التي يحدثها ترامب بسبب اعتماده على ولد غر، صهره غارد كوشنر، الذي لا خبرة له في السياسة الخارجية. ونقل عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن فريق تيلرسون مقتنع في أن تصريحات ترامب في البيت الأبيض عن تمويل قطر للإرهاب جاءت من سفير الإمارات المؤثر في واشنطن، يوسف العتيبة الذي همس في أذن صديقه كوشنر، وهمس هذا في صهره الذي أطلق الكلام دون الإهتمام بالجنود الأمريكيين في قطر. ويعتقد بيري أن التحالف المضاد لقطر قام بتغيير الوضع الجيوسياسي للمنطقة من حيث تشكيل محور تركي إيراني وقطري، أي تقديم البلد الصغير على طبق من ذهب إلى طهران التي تراقب الوضع واستغلته بتقديم شحنات غذائية للقطريين وتخفيف الحصار عنهم.
لماذا قطر؟
ولم يقتنع الكثيرون من اتهام التحالف قطر بالتودد لإيران حيث تساءل كول إن كان هذ هو الحال فلماذا لا تتخذ الإجراءات نفسها من عمان التي تقيم علاقات علنية لا تخفيها منذ سنين مع الجارة القوية، ولا تنسى دبي التي تمثل المعبر والمتنفس الحقيقي للتجارة الإيرانية-خاصة في وقت الحصار أو الكويت التي تحتفظ بعلاقات جيدة أيضا. ومن هنا فاستهداف قطر لاعلاقة له بإيران. ويعترف كول مثل غيره ان العلاقة بين قطر وإيران محكومة بأكثر من علاقات الجوار بل المصلحة المشتركة، وهي حقل غاز الشمال الذي كان مسؤولا عن المعجزة القطرية، والجزيرة. وإن كان عن دعم الدولة الصغيرة للإخوان المسلمين ففي الكويت فروع لهم تشارك في الانتخابات كما في الأردن والدول العربية الأخرى. وأمام هذا الوضع فما هي الخيارات المتوفرة لقطر وللتحالف؟ وبعيدا عن اللهجة المتشددة فقد قام كل وزراء الخارجية للدول المعنية، بدون مصر-بالحجيج إلى واشنطن ووضع قضيتهم أمام وزير الخارجية. ورغم استمرار ترامب بالتشويش وإصدار التصريحات المعادية لقطر، كانت آخرها في حفلة للحزب الجمهوري كما ذكرت قناة «سكاي نيوز» إلا أنه اتصل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتباحثا في الأزمة. ويقول كول أن التحالف قد يتراجع عن مطالبه والقبول بأقل مما كان يطمح به. ويرضى بأن قطر التي ستخرج من الأزمة ستوقف نشاطاتها. أما الخيار الثاني فهو التصعيد إلى نقطة اللاعودة. ويمكن للسعودية وحلفائها غزو قطر والإطاحة بالعائلة المالكة فيها. وربما دفعت السعودية الدوحة في تحالف أعمق مع إيران وتركيا، بشكل يشوه صورتها في عين الإدارة الأمريكية الساذجة ودفعها لنقل القاعدة. وقد عبرت الإمارات عن استعدادها لاستقبال الطيران الأمريكي وكذا القيادة المركزية الأمريكية. ويعتقد كول أن على الولايات المتحدة أن لا ترضى بالرواية التي يقدمها التحالف السعودي الإماراتي لأن في هذا رضا بالغطرسة والعدوان.
توريط واشنطن
وعليها أن تتصرف كوسيط نزيه فيها، وهو ما دعا إليه أرون ديفيد ميللر وريتشارد سوكلسكي بمجلة «بوليتكو» (29/6/2017) حيث قالا إن الازمة الخليجية هي من صنع ولي العهد الجديد محمد بن سلمان المعروف لدى الدبلوماسيين بـ «م ب س» وقالا إن ولي العهد معروف باندفاعه وتهوره ويجب على إدارة ترامب معاملته بهذه الطريقة. ويعتقدان أن دعم ترامب المفتوح للموقف السعودي زاد من خطر الأزمة ووجه صفعة قوية للدبلوماسية الأمريكية في الخليج، لأن السعودية، بفتحها جبهة لا داعي لها مع قطر، دمرت التحالف السني الذي عملت الولايات المتحدة على بنائه ضد تنظيم الدولة وإيران. ويعلق الكاتبان: «لا تخطئ بالظن، فقد قام ولي العهد بهندسة هذا النزاع لا لمعاقبة قطرعلى تمويل الإرهاب (وهو تعليق منافق يأتي من السعوديين الذين قام مواطنوهم بتقديم الدعم للمتطرفين الراديكاليين طوال السنين) بل من أجل إنهاء السياسة الخارجية المستقلة لقطر ومعاقبتها على دعم الإخوان المسلمين وعلاقتها مع إيران». فالسعوديون يريدون ببساطة تحويل قطر إلى دويلة تابعة لهم كما فعلوا مع البحرين، وكجزء من خطة للهيمنة على كل منطقة الخليج. ويعلق الكاتبان هنا على أن الخطط التي بالغ فيها ولي العهد وضعت المملكة أمام تصادم خطير مع إيران. وستجد الولايات المتحدة بموقفها المتشدد ودعمها للسعودية نفسها قد جرت للحرب مع الجمهورية الإسلامية. ولهذا طلب الكاتبان من الإدارة وضع خطوط حمر للسعودية حتى لا تجد نفسها متورطة في حروب قوة إقليمية وفي مستنقع اليمن وأمام مواجهة غير محسوبة مع إيران. والغريب أن لهجة الكاتبان الحذرة تتناقض مع الزميل في معهد واشنطن والمبعوث الخاص السابق دينس روس الذي تساءل بمقال نشره موقع «يو أس نيوز» (30/6/2017) «ألم يحن الوقت لأن تغلق قطر قناة الجزيرة التي سمحت لأشخاص مثل الشيخ يوسف القرضاوي، الحديث وشرعنة الإرهاب؟» وهو إن رآى في مطلب التعويضات من قطر على الأضرار التي جلبها دعمها للإرهاب على كل من السعودية والإمارات مبالغ فيه، إلا أنه يتقبل المطالب الأخرى. ويبدو روس الزميل في المعهد اليميني-في واشنطن متقبلا التغيير في السعودية ومؤمنا برؤية ولي العهد السعودي الحداثي. ودعا أمريكا لدعمه لأن «السعودية الجديدة» من مصلحة أمريكا.
«الجزيرة»
والغريب أن أحلام التغيير تضيق بقناة إخبارية تنشر حرية التعبير والنقاش الضروري لأي نظام يريد الدخول في عالم الإعلام. وكما لاحظت مجلة «إيكونوميست» (28/6/2017) فالقناة لم تكن لتخرج للعالم لولا ضيق السعوديين بقناة “بي بي سي عربي” التي أغلقتها ووفرت طاقما مؤهلا ومدربا بمعايير الصحافة الراقية كان كافيا لانطلاقها عام 1996. وهي وإن أخذت الكثير من المواقف على القناة وتساءلت إن كانت بوق دعاية لقطر أو منبرا للرأي والرأي الآخر، إلا أنها دعت في افتتاحية عددها (29/6/2017) السعودية التوقف عن «البلطجة» وتطبيق نسختها القاسية للرقابة على جيرانها. ورأت المجلة أن الطلب من قطر إغلاق الجزيرة يشبه طلب الصين من بريطانيا وقف عمليات «بي بي سي». وكتب بالوتيرة نفسها كبير المراسلين في «بي بي سي» جون سيمبسون بصحيفة «إيفننغ ستاندرد» (30/6/2017) حيث قال:» تخيلوا لو طلب كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي مايكل برنيير من تيريزا مي إغلاق البي بي سي، كشرط من شروط التوصل إلى صفقة حول بريكسيت». ويضيف أن هذا أمر لا يمكن وقوعه: فليس هذا هو الأسلوب الذي تدار من خلاله الأمور في الدول الديمقراطية. ولكنه على ما يبدو أسلوبا تنتهجه بعض الدول العربية. وعبر سيمبسون عن غضبه لغياب الموقف الغربي من هذا المطلب المثير فعلا للشجب. ويرى ان صمت ترامب الداعم أصلا وهدوء مي مرتبط بالصفقات والأسواق التي تمثلها دول الضد لها. وقال إن الجزيرة التي تتهم بالتحيز للإخوان المسلمين أصبحت وعلى مدى 21 عاما من أكبر القنوات الإخبارية في العالم وفيها يعمل «عدد من زملائي السابقين الموهوبين والمحترفين ممن عملت معهم جنبا إلى جنب في البي بي سي، وطالما شعرت بأن قلب القناة ينبض بالصدق وتوجهها صحيح». ويعتقد سيمبسون أن استهداف الجزيرة مرتبط في النهاية بتصفية حسابات مع القناة بسبب دورها في الربيع العربي فـ «ولي عهد السعودية المتهور الطائش محمد بن سلمان، الذي لا يتجاوز عمره واحدا وثلاثين عاما، ورئيس مصر الحانق الحاقد المشير السيسي، يجدان أنه يستحيل عليهما أن ينسيا أو يغفرا ما كان للجزيرة من دور». ومن هنا تواطأ الإثنان لحرمان قطر من سياستها الخارجية. ويعتقد سيمبسون ان السيسي وبن سلمان يريدان «إسكات» صوت إعلامي عربي بديل للأخبار المستهلكة.
ومع قرب انتهاء المهلة، لا أحد يعرف ماذا سيحدث؟ ولكن الصادم هو سكوت الحكومات الغربية. في وقت توقع فيه سايمون هندرسون في مجلة «فورين بوليسي» (30/6/2017) تغييرا للنظام لأن السعوديين والإماراتيين لا يصدقون أن الشيخ تميم هو الذي يقود بل والده الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (الأمير الوالد). فهل يصدق العراف؟
إبراهيم درويش