الدوحة -«القدس العربي»: تكشف الأزمة المتفاقمة بين دول الخليج الثلاث، وحليفتها مصر، مع قطر، الجذور الحقيقية للخلافات التي صورتها الرياض وأبو ظبي والمنامة على أنها دعوة للدوحة لمحاصرة الإرهاب، لتشي بخلفياتها الوهمية، مستندة على صراع قديم على النفوذ والزعامة. إرهاصات القضية بتفاعلاتها الإقليمية والدولية، تعكس محاولات يائسة لفرض توازنات جديدة، تغذيها محاولات خفية لترتيب البيت الداخلي، في كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، على ضوء الانقلابات الحاصلة في هرم السلطة لديها.
وتعري تصريحات الساسة في أبو ظبي، نواياهم وتوضح جوهر الأزمة، وتُبرز خلفياتها الحقيقية، وهي السعي لتركيع الدوحة، وإدخالها بيت الطاعة بمنظور المحاصرين، لتكون مجرد تابع لأهواء حكام هذه الدول.
القراءة المتأنية لتصريحات منثورة من عواصم الدول الضاغطة على الدوحة، توضح للمتابع أبعاد تحركات آل سعود، وآل نهيان، مستندين على تاريخ حافل بالضغوط الخفية المفروضة على جيرانهم. الوزير الإماراتي أنور قرقاش بيّن بلغته غير الدبلوماسية في أكثر من مناسبة، أن محورهم، لا يريد وساطة أوروبية، وأن دورهم يجب أن يكون الضغط على قطر، ودعوته بفرض رقابة أوروبية أمريكية، على شقيقتهم، يعكس مساعي المحور الرباعي ومضيه في مخططاته تجاه قطر.
فما هي النوايا الحقيقية التي تضمرها هذه الدول، ومخططاتها التي تعكف على تنفيذها منذ تفجير الأزمة بناء على تصريحات مفبركة دبرت بليل؟
السعودية وترتيبات الخلافة
الملك المستقبلي للسعودية، محمد بن سلمان، عبّر مراراً وتكراراً عن نواياه التوسعية، وأثبت للعالم، عدم تسامحه مع خصومه السياسيين داخليا، وخارجيا، مع محاولاته المضنية للبروز بمظهر القوي، برسم صورة له في داخل السعودية وفي العالم العربي كقائد وحيد.التطورات الحاصلة في الرياض منذ محاولات ملكها غير المتوج بسط نفوذه على مراكز القوى، وإبعاد كل منافسيه من الساحة، بكل الوسائل المتاحة، بدأت تسطر نهجه في تعبيد الطريق لفريقه للوصول إلى السلطة.
سبق الانقلاب الحاصل في أرض الحرمين، وتتويج بن سلمان وليا للعهد، جلبة أحدثها في المحيط القريب منه، بإصطناع عدد من المشاكل مع جيران المملكة، شمالا، وجنوبا، وتوزيع متواتر للتهم لكل من لم يخضع لسيطرة نفوذه المتوسع.
الفريق المحيط بولي العهد المعين، يضبط إيقاع التوليفة الجديدة لموازين القوى، باختلاق أزمات مفتعلة مع الدول الإقليمية، لبسط نفوذ، يشمل المحيط الإقليمي، وجعل عاصمته مركز القرار، والباقي مجرد توابع.
وشكلت أرضية المطالب التي تخص جناح الأمير محمد بن سلمان، نصيب الأسد من القائمة المرسلة للدوحة، وكانت نقطة ارتكاز الدول المقاطعة وجميعها تصب في خانة واحدة: «إخضاع الدوحة لنفوذ الرياض».
ويسعى ولي العهد الجديد في المملكة والذي يعبد الطريق للسيطرة على مقاليد الأمور في بلاده، إلى تحييد كل الدول التي لا تغرد في فلكه وإبعادها عن الواجهة. من الواضح أن القيادة الجديدة في السعودية تروم لهدف، يسيطر على عقول أصحابها، وهو سحب القرار من كل العواصم المحيطة بها، وتركيز النفوذ لدى الرياض، وقمع أي رأي يغرد خارج سربها، حتى لو بالتعدي على قرار الدول الأخرى.
الإمارات وعقدة التفوق
تداخلت طموحات الأمير محمد بن سلمان، مع مساعي محمد بن زايد، لزعزعة الاستقرار في دول المنطقة، من خلال التدخل بشكل خفي في كل الملفات المفتوحة في المنطقة بالتنسيق والتعاون بين «المحمدين» اللذين ربطتهما سوية مصالح مشتركة، ونزعات متوافقة على تحييد أي صوت مخالف.
وشكلت أبو ظبي استراتيجيتها التوسعية على خلفية طموحات يرسمها ولي عهدها المتنفذ والضالع في تحريك خيوط أكثر من ملف إقليمي تمدد فيه على حساب أطراف فاعلة في الميدان.
وتكشف المطالب المقدمة إلى قطر أهداف الإمارات في العمل على تحقيق عدد من الأهداف التي لم تعد تخفي علنا نواياها الحقيقية.
ولم تعد أبو ظبي في ظل سيطرة ولي عهدها على قرار بلاده تخفي طموحات قادتها في الاستئثار بالقرار الخليجي بالتوازي مع الرياض والعمل على تحييد الدوحة التي كانت دوما مستقلة بقرارها وفق أهداف سياستها الخارجية الواضحة.
وكانت لمطالب الإمارات وحديث ساستها عن رغبة دفينة في إغلاق قطر لمنابرها الإعلامية دوافع مبيتة لقمع الأصوات الحرة التي كانت رهان الدوحة في تكريس تعددية إعلامية تحسب لها منذ سطرت شبكتها الناجحة «الجزيرة» لنسقها الحر بكل عنفوانه. ولم يخف عدد من المسؤولين الإماراتيين امتعاضهم من دعم قطر للمنابر الإعلامية الحرة، وطالبوا بلجم صوتها بما يتوافق وسياساتها المعلنة في تكميم الأفواه والتضييق على الحريات، وهو ما يتوافق ونهج قيادتها في التعامل مع مختلف المؤسسات الإعلامية.
البحرين والتبعية للسعودية
مطالب المنامة من القائمة التي أرسلت إلى قطر، كانت أقرب في عزفها للمزاج السعودي، مع اختلاق بعض الأوهام بخصوص تجنيس قطر لعدد من الشخصيات من دون تقديم أدلة تدعم موقفها.
تحولت البحرين بسبب رهن سياستها الخارجية لجارتها الكبرى إلى مجرد تابع لتوجهات الرياض في الكثير من القرارات المتخذة في السنوات الأخيرة.
وراهنت المنامة على مساندة الرياض في كل خطواتها التصعيدية وتبادلت مع أبو ظبي الإعلان الحماس لحزمة المطالب والترويج لها.
ولم تخف البحرين سياساتها وتحدثت بغلة تخلو من الدبلوماسية عن مقررات الدول المقاطعة وأعلنت عن تفاصيلها في وكالتها الرسمية في خطوات تصعيدية لم تعهدها دول الخليج الحريصة إلى وقت قريب على معالجة الأزمات الداخلية بشكل إيجابي.
القاهرة ولهفة المكاسب
صبت تعليقات المتابعين لقائمة مطالب الدول المحاصرة لقطر، على رهان القاهرة على ابتزاز الدوحة والبحث عن مكاسب مادية.
قضية التعويضات المطروحة كانت محل تندر واسع على المستويات الرسمية والشعبية في العواصم الدولية.
وقطر المتضررة من الحصار لم تتحدث عن تعويضات، تفاجئ بهذا المطلب الغريب يردها من دول أعلنت مقاطعة لها بشكل مريب وخال من روح المسؤولية بسد المنافذ البرية والبحرية وغلق المجال الجوي أمامها.
وتحاول القاهرة في ضوء هذه الأزمة والانغماس فيها إلهاء مواطنيها عن قضية التنازل عن جزيرتيها والدعوة إلى تخلي قطر عن «جزيرتها» في المقابل في سعي لتفريغ الغضب الشعبي وتحويله إلى قضية هامشية.
ووجد نظام عبد الفتاح السيسي في هذه القضية مرتعا لتبرير سياسات فشله المتراكمة، وفي الوقت نفسه وجدها فرصة للتعبير عن امتنانه للدعم المادي والسياسي الذي لقيه من حليفيه «المحمدين» في كل من الرياض وأبو ظبي.
وتحاول القاهرة المضي بثقلها في هذه الأزمة، لتعويض بعضا من السخاء الذي تلقته من المملكة والإمارات والتعبير عن مساندتها وإبداء نيتها العزف على لحن القيادة المستحدثة في السعودية، ومنحها التفويض بالاستأثار بالقرار ولو على حساب أدوارها التاريخية السابقة.
تعاملت قطر من البداية مع المطالب التي وردتها من جيرانها على أنها ادعاءات غير واقعية تخلو من أي دليل واضح أو قرائن واقعية. وأعلن وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني من واشنطن بعد لقاء نظيره الأمريكي ريكس تيلرسون، إنه لا يتم الآن الحديث عن مطالب، على خلفية الأزمة القائمة بين قطر من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى.
وتشدد الدوحة، على أن كل ما وردها حتى الآن مجرد «ادعاءات من هذه الدول التي يجب أن تقدم مسندة بأدلة».الدوحة وبالرغم من تأكيدها أن تلك المطالب مجرد ادعاءات، دعت الأطراف المحاصرة لها إلى ضرورة الالتزام ببعض المسؤولية، للإلنخراط في حوار بناء إذا أرادت الأطراف الأخرى تجاوز هذه الأزمة.كما وصفت قطر المطالب التي تقدمت بها «الدول المحاصرة ومصر» بأنها غير متسقة مع المعايير الأمريكية التي دعت تلك الدول إلى تقديم مطالب «منطقية وقابلة للتنفيذ» و»واقعية ومتوازنة». كما أكدت أن تلك المطالب «ليست لمحاربة الإرهاب بل للحد من سيادة دولة قطر والتدخل في سياستها الخارجية.»
تفهم دولي لموقف الدوحة
عبرت عدد من العواصم الغربية عن استغرابها من الزوابع التي أثارتها الدول الخليجية الثلاث ومصر، واعتبرت الأمر تحرشا من عواصم، على دولة ذات سيادة من دون مراعاة للأدبيات الدبلوماسية المعروفة في مثل هذه المواقف. وجاء التأكيد من وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون الذي شدد على أن التحركات ضد قطر، تتعلق بخلافات مزمنة أكثر مما تتعلق بمكافحة الإرهاب. ومن المرتقب أن تتجاوز العواصم الغربية سريعا المطالب السعودية الإماراتية، البحرينية والمصرية، وتمضي إلى معالجة الأزمات الحقيقية التي تشكل رهان استراتيجيتها في معالجة عدد من القضايا الدولية الراهنة وخصوصا ما تعلق منها بمحاربة الإرهاب.وغطت التطورات الميدانية في الموصل على الزوبعة المثارة في عدد من العواصم الخليجية، وجعلت العالم يتجاوز تدريجيا ارهاصات أزمة مفتعلة ستتلاشى خيوطها تدريجيا.
رائد إبراهيم