محنة علماء العراق
يحيي اليحياويمحنة علماء العراق لو تسني للمرء أن يجول بناظريه حول وفيما وقع للعراق (أو بالعراق) منذ العشرين من آذار (مارس) من العام 2003 لأحالته ذاكرته مباشرة وبطريقة تلقائية الي الوعيد الذي أطلقه جيمس بيكر في وجه طارق عزيز وهما مجتمعان بجنيف في العام 1991: اذا لم تتعانوا فسنعيدكم الي عصور ما قبل الوسطي .وعلي الرغم من جهل بيكر بتاريخ العراق (وانتفاء المصطلح اياه، مصطلح العصور الوسطي، مما عاشه العراق تاريخيا أو كتب حوله)، فان المقصود قطعا انما الوعيد بتدميره وتقويض شتي سبل الممانعة والمقاومة من بين ظهرانيه تماما كما فعل هولاكو في زمن من الأزمان عندما مزج جيشه مياه دجلة بألوان الورق والدم والمداد. لم يكن بيكر جاهلا بمقومات العراق الحديث (حتي وان كان سطحي المعرفة بتاريخه)، ولم يكن وعيده متأتيا من فراغ أو نابعا من سوء تقدير: فهو علي دراية كاملة بالمشروع العلمي والتكنولوجي العراقي، اذا لم يكن في أدق تفاصيله (أي تفاصيل الأسلحة المراد تطويرها والمدي الزمني الكافي لتوليدها)، فعلي الأقل بمفاصلها الكبري وتحديدا عزم عراق الرئيس صدام حسين علي اقامة منظومة علمية وتكنولوجية متكاملة تضمن للبلد استقلاله الوطني وتجعل منه عنصرا قويا لا يمكن التجاوز عليه بمعادلات المنطقة القائمة منها كما القادمة سواء بسواء. وهو علي دراية كافية بالقوي البشرية الثاوية خلف المشروع ذاك كما المنظومة تلك، اذا لم يكن في أدق تخصصاتها العلمية فعلي الأقل بجانب فاعليتها ونجاعتها وقدرتها علي رفد المشروع وضمان امكانات نجاحه الحاضرة والمستقبلية. وعلي هذا الأساس، فان وعيد جيمس بيكر لم يكن، فيما نزعم، موجها بجهة تقويض ما تحقق من المشروع العلمي والتكنولوجي العراقي (من قبيل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية وما سواها)، بل موجها أيضا ولربما تحديدا الي المنظومة الثاوية خلفه بني تحتية ومقدرات بشرية القائم منها كما المزمع تكوينه علي السواء.لا يمكن للمرء، وهو يتأمل طبيعة وحجم الهجمة الأنكلوأمريكية علي العراق، في العشرين من آذار (مارس) وما استتبعها واستتبع تاريخ التاسع من نيسان (أبريل)، من تدمير وتهديم واحراق ونهب وسلب وما سواها، الا أن يسلم بأن وعيد بيكر لم يكن كلاما مطلوقا علي عواهنه، بل النذير العلني الأول لما كانت ترتب له الادارة الأمريكية وتعتزم تنفيذه عندما يتم لها غزو العراق واحتلاله. ولا يمكنه أيضا، وهو يتأمل ما يجري من تاريخه (من تاريخ العشرين من آذار (مارس) 2003)، الا أن يسلم بمدي التزامن العملي لعمليتي تدمير البني التحتية واستهداف الكفاءات البشرية: فمباشرة بعد الاحتلال اقتيد الدكتور عامر السعدي (وهو المستشار العلمي للرئيس صدام حسين) للسجن (ولا يزال قابعا به) واعتقلت في أعقاب ذلك الدكتورة هدي عماش (الخبيرة في بكتيريا الجمرة الخبيثة) وزميلتها الدكتورة رحاب طه ولم يشفع في اطلاق سراحهما الا تدهور حالتهما الصحية وعدم ثبوت أدلة تدينهما بهذا الجرم أو ذاك.وبعد أيام من ذلك فقط، اغتيل الدكتور محمد الراوي، نقيب أطباء العراق ورئيس جامعة بغداد لتتبع ذلك عمليات اغتيال بوضح النهار وتصفيات علنية لمجموعة من 1500 كفاءة عراقية ضمنها أطباء ومهندسون وعلماء دين وسياسيون وصحافيون وفنانون وأدباء وأصحاب رأي ومعلقون علي الأحداث وسواهم. والخلفية في ذلك انما القول بأنه ما دام لم يعثر علي أي أثر لأسلحة الدمار الشامل المزعومة، فان مطاردة أدمغة الدمار الشامل (الثابتة) هي التي من المفروض تفعيلها سيما ضمن الـ 500 عالم الذين كانوا علي ارتباط وقرب كبيرين بالرئيس صدام حسين أيام كان قائما علي حال العراق ومستقبله. ومباشرة بعد الاحتلال، اعتقل علماء كبار ونكل بهم بالسجون، كما حدث للدكتور محمد عبد المنعم الأزميرلي الذي عذب لحد الموت بسجن أبو غريب (اثر ضربة بمؤخرة الرأس يقول الطبيب الشرعي) ولم يسلم لعائلته الا في صورة الرقم 1909 دون هوية تذكر. وهو رقم من سلسلة 200 عالم في اختصاصات علمية مختلفة (هندسة، فيزياء، كيمياء وعلوم انسانية واجتماعية وسياسية وغيرها) تمت تصفيتهم (وسجلت الجريمة ضد مجهول) لعل أبرزهم الدكتور محيي حسين أستاذ مادة الايروديناميك وهندسة الطيران بجامعة التكنولوجيا ببغداد والدكتور مهند الدليمي الأستاذ بنفس الجامعة والدكتور غالب الهيثي أستاذ الهندسة الكيماوية بالجامعة ذاتها…ناهيك عن عمليات تخريب المعامل والمختبرات ومراكز الأبحاث وغيرها (وضمن ذلك جامعة الموصل المتقدمة التجهيز). ومباشرة بعد الاحتلال خير العديد من علماء العراق بين التعاون مع قوات الاحتلال (بالعراق أو بمراكزها بالدول/الأصل) وبين التصفية الجسدية أو في أحسن الأحوال السماح لهم بالهجرة الطوعية لأحد البلدان الأجنبية… أو باحدي جهات العراق الآمنة كما فعل الطالباني عندما اقترح علي الطيارين العراقيين (المطلوبين من لدن المخابرات الايرانية تحديدا منذ حرب ايران مع العراق) الاحتماء به في منطقة كردستان بعدما اغتيل منهم ما يناهز الثلاثين. لم يعد ثمة من شك حقيقة، علي الأقل منذ التاسع من نيسان (أبريل) 2003 وحتي يومنا هذا، أن محنة علماء العراق انما باتت متأتية من سياسة قائمة، موجهة وتحتكم في تصورها علي سبل وأدوات تقوم عليها جهات يبدو أن ملهمها في ذلك انما الوعيد الذي أطلقه بيكر بوجه طارق عزيز منذ خمس عشرة سنة مضت.هي ليست سياسة جديدة، بل استكمالا لمخطط تم اعتماده منذ بدأ العراق نهضته العلمية والتكنولوجية بداية الثمانينات حينما اغتيل عالم الذرة المصري (وهو أهم مهندسي المفاعل النووي تموز) من لدن الموساد بأحد فنادق باريس وتم حرق المعدات (شحنة الوقود وأعتدة تشغيل المفاعل) التي كانت مشحونة للعراق من مطار مارسيليا الفرنسي…اضافة الي المصير ذاته الذي لقيه الدكتور سعيد بدير والدكتورة سميرة موسي وغيرهما.واذا كانت ثقافة القتل والترويع هي لغة الشارع السائدة بالعراق اليوم دونما قدرة علي تحديد مصدرها (اللهم الا ما تقوم به المقاومة وتتبناه)، فان تلك الموجهة للعلماء انما تقوم عليها علي الأقل ثلاث جهات كبري تتباين في درجة الضغينة علي العراق، لكنها تتساوق في مشاريعها وتتماثل في أهدافها بالعراق حاضرا وبالمستقبل: فأمريكا هي صاحبة المصلحة الأولي في استقطاب علماء العراق أو تصفيتهم ان أبدوا ممانعة في ذلك أو استماتوا للبقاء بجامعاتهم العراقية بين طلبتهم وأهلهم وذويهم (عمدت قوات الاحتلال مباشرة بعد امساكها بمفاصل البلد بطرد 3000 أكاديمي من الجامعات العراقية وفرضت الاقامة الاجبارية علي العديد منهم).لم تكن مطاردة الأمريكان لعلماء العراق نتاج صدفة أو قرارا اعتباطيا، بل مهد له من قبل الغزوة واعتمد كأداة قصوي لاعادة العراق الي العصر الحجري .ألم يقل (في العام 2002) مارك كلايتون المحرر بصحيفة كريستيان ساينس مونيتور : ان خطر العراق في قاعدته العلمية وفي علمائه وليس فيما يمتلكه العراق من اسلحة ؟ فقدم جردا بالعلماء والفنيين الذين تعلموا وتكونوا بالولايات المتحدة وقال بالخلاصة: ان هؤلاء أخطر من أسلحة العراق الحربية لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة . ثم ألم يصدر الكونغرس الأمريكي في العام نفسه قانون هجرة العلماء العراقيين مشددا علي منحهم تصريحات وبطاقات اقامة دائمة بالولايات المتحدة باجراءات جد مخففة ؟لم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل عمدت الي مطاردة كل من تعاون مع علماء العراق أو تلقي تكوينه هناك بدليل مطالبة سفارتي أمريكا وبريطانيا لمصر باستجواب العلماء الذين ارتبطوا بالعمل في العراق، بل ذهبت السفارتان لدرجة المطالبة بلائحة علماء جامعة الاسكندرية (قسم الهندسة النووية) من 1967 الي 1990. واسرائيل ألم تعلن جهارة تخوفها من العراق حتي وهو مهدم، بل ودفعت بضرورة استئصال كل الأدمغة التي قد تعاود الكرة في حال انسحاب الاحتلال واسترجاع العراق لسيادته واقامة حكومة وطنية من بين ظهرانيه.لم تكتف اسرائيل لأجل ذلك بمجرد المناداة، بل عمدت مخابراتها الي تكوين جيش سري من 150 عضوا (الجيش الجمهوري السري) لديه قائمة من 800 عالم عراقي مطلوب تصفيتهم …أو نفيهم الي اسرائيل (حيث استقبلت في سنين احتلال العراق الأولي أكثر من 150 أستاذا محاضرا و4000 طالب ناهيك عن منح كنعان مكية سيئ الذكر الدكتوراه الفخرية من جامعة تل أبيب ودرجة الماجستير للطاهر لبيب ومحمود أبو صالح). والحكومة المنصبة من لدن الاحتلال لم تكتف بالصمت الرهيب، بل تواطأت جراء ذلك مع ما يجري لعلماء العراق سرا وعلانية (ستة علماء اغتيلوا أمام طلبتهم وعميدة كلية القانون بالموصل ذبحت هي وزوجها بالفراش و 17000 من العلماء والأساتذة هجروا قسرا). وميليشيات حكام العراق الجدد لم تكتف فقط بمطاردة العلماء وعوائلهم، بل عملت وتعمل علي ترصدهم بغرض تصفيتهم بدعوي انتمائهم لحزب البعث في اطار ما يقوم عليه أحمد الجلبي من خلال برنامج اجتثاث البعث .الكل يطارد علماء العراق، الكل اضحي ذا مصلحة في استهدافهم وترصد طلابهم، الكل (حتي العرب) بات يخشي العراق ويخشي علماءه. انها محنة علماء العراق…انها محنة العراق التي ابتلاه الله بها منذ غابر العصور…فألفها ليتم تجاوزها بعد حين.باحث وأكاديمي من المغرب8