العراقيون يعانون كرههم لبعضهم البعض . هذه الكراهية تلقي بظلالها الثقيلة على كل شيء . كل شيء تغير في العراق ولم يعد كما كان قبلا . والسبب نراه في الضغائن التي تثخن النفوس . لا بد للعراقيين لكي يتمكنوا من العيش ولكي تستمر الحياة بكل ألمها وقسوتها وشدتها ان يتعلموا ثقافة اسمها ((ثقافة التَحَمُّل)) . هل تعرفون ماهي ((ثقافة التَحَمُّل)) ؟ انها فن التَّجَلُّدِ والصَّبْرِ والتَقَبُّل . ثقافة التَحَمُّل هذه تطبق في كل بلدان العالم المتقدم والمتحضر ، بل وحتى في بلدان العالم النامي بمعايير الاقتصاد ونوعية الحياة ، وكذلك معايير الصناعة والتجارة والاسواق والمال . ولاابالغ ان قلت ان هذه الثقافة قد اضحت فنا من فنون الحياة المدنية العصرية المتحضرة الحالية ، وعصبا من اعصابها . هذه الثقافة لاغنى عنها من اجل تحقيق العيش والبقاء ، واستمرار الحياة ، والنمو ، والتطور.
ومفاد هذه الثقافة انك كعراقي لا بد ان تتَجَلَّدَ بِالصَّبْرِ ، وان تكلّف نفسك عبء ان تستحمل شريكك في الوطن فيما يعتقده ويدين به ، ويظنه ، ويميل اليه ، ويحبه ، ويعشقه ، حتى لو كان مخالفا لعقيدتك ، معارضا لهواك ، وحبك ، ومستفزا لمشاعرك ، واعصابك ، ومثيرا لحفيظتك ، وحَمِيّتك ، ومهيجا لغضبك . وهذه قد تبدو مسؤولية ثقيلة لا تقدر عليها ، وهي كذلك . ولذلك لابد ان تدرب نفسك على تعلمها واتقانها ، فهي مهارة قابلة للتعلم والاكتساب ، وليست مستحيلة .
فاذا كنت شيعيا تكره السنة ولاتطيقهم ، لابأس بذلك ابدا ، فهذه مشاعرك وهي لك ، وقد لا تملك سيطرة عليها ، بسبب ما ورثته عن اهلك وما خزنه في ذاكرتك المحيط الذي نشأت فيه ، وما كانت تحقنك به الجدات والامهات في حليبك وطعامك وشرابك .
واذا كنت سنيا تكره الشيعة وتمقتهم فلابأس بذلك ايضا ، فهذه مشاعرك وهي لك ، وقد لا تستطيع انتزاعها ورميها بعيدا عنك ، لأنها زرعت فيك منذ النشأة الاولى ، وهي ما كانت توشوش به الجدات والامهات في اذنك ، وضميرك ، وروحك. ولا تستغرب ان علمت بان هذا يحدث في كل المجتمعات الحية ، والتي انقرضت ، وماتت ايضا ، وانك لست منفردا في ذلك . فالبشر يورثون كل شيء لابنائهم حتى ، الكره والضغينة والمقت والعداء ، كما يورثون لون العين ، والجلد ، وسمات الوجه ، وحجم القامة ، ونوع الشعر ، وغير ذلك ، دون ان يكون للابناء الخيرة في ذلك .
ولكن في الحياة اليومية المعاشة لا بد ان تتعلما كلاكما ، الشيعي العراقي ، والسني العراقي ، ان تبقيا هذه المشاعر السلبية طي النفس ، كامنة ، غير معلنة ، لا تخرج من القلب كرذاذ شرير ينفث الفرقة ، والحقد ، والعنف ، والضرر للآخرين . وان تتعلما كذلك ، ان تتَحَمُّلا بعضكما البعض ، وان تتَقَبُّلا التعامل مع بعضكما البعض لتسيير سفينة العراق الغارقة أصلا ، وتمشية امور الحياة .
تكرهان بعضكما البعض ، ولا تقدران على المحبة لأنها صعبة لامشكلة ابدا ، المحبة غير مطلوبة لتسيير السفينة الغارقة ، ولن يجبركم احد عليها ، مادامكما ترفضانها . المطلوب فقط هو التَحَمُّل ، والتَّجَلُّدِ ، والصَّبْرِ ، والتَقَبُّل ، وممارسة ضبط النفس ، والسيطرة على المشاعر الضاغطة ، والمتفجّرة ، فقط لاغير . وهذا في النهاية ليس من اجل أي غريب ، وليس من اجل الجيران ، من افراد ودول ، وليس من اجل اية اجندات معادية ، او موالية لكما ابدا . لا ، بل هو من اجل الشيعة العراقيين ، ومن اجل السنة العراقيين ، وكل الوان العراق الأخرى ، ومن اجل نفسك ايها العراقي الشيعي ، وايها العراقي السني ، ولكي تستمر الحياة وتبقى ، ولكي نحافظ على الانسان العراقي ، الذي نخشى ان يزول وينقرض ، اذا استمرت الضغائن ، والاحقاد ، والحَزازيّات ، واستمر سفك الدم ، كما يسفك الماء الرخيص ويهدر .
ستعجب ان خبرتك ان هذه الفلسفة ((فلسفة التَحَمُّل)) متبعة في الهند بكل اديانها المعروفة ، وغير المعروفة ، وطوائفها ، واعراقها ، ومتبعة في العملاق البشري المسمى بالصين ، ومتبعة في القارة التي تحمل كل الاعراق ، والاديان ، والشعوب ، والطوائف ، والملل ، والالوان ، المعروفة لدينا بامريكا ، ومتبعة عند ثعالب السياسة وثعالب المكر والتدبير والدهاء ، الانكليز ، في بريطانيا العظمى ، التي كانت يوما الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس ، لاتساع وترامي مستعمراتها شرقا وغربا ، وكنا يوما جزء منها ، ومتبعة في كندا التي امتزج فيها دم السكان الاصليين بدم الانكليز ، والفرنسيين ،.وتمتزج اليوم بهذا الدم دماء اخرى عربية ، وكردية ، وآسيوية ، وهندية ، وافريقية ، وكل دم آخر يخطر على بال .
هل تظنون ان الفرنسيين والانكليز متحابون مثلا ؟ ابدا . كلهم يمقت كلهم ، ولكنهم مضطرون للتعايش والتعامل والتجاور في كندا ، وفي سويسرا ، وفي بلجيكا ، وفي كل بقعة اخرى تجمعهم . هل تظنون ان الهندوس ، او السيخ يحبون المسلمين ، او المسيحيين في الهند مثلا ؟ ابدا . كلهم لا يطيقون كلهم ، ولكنهم مضطرون للتعايش ، والتعامل ، والتجاور لكي تستمر الحياة ولاتتوقف . ملايين البشر في ارجاء المعمورة لايطيقون بعضهم البعض ، ولكنهم مضطرون للتعامل مع بعضهم البعض ، والتعايش مع بعضهم البعض من اجل المصلحة ، ولكي يسيّروا عجلة العمل والحياة .
المصلحة تقتضي ان نتعامل مع من نمقت ، ونكره ، ونبغض ، مصلحتنا كبشر ، وكمواطنين لدولة العراق ، ومصلحة العيش ، ومصلحة الشراكة ، ومصلحة العراق .
فمن مصلحتنا كمنتمين لبقعة ارض ، اسمها العراق ، وجدنا اننا ولدنا فيها ونعيش فيها ، دون ان يكون لنا الخيرة في ذلك ، ان نتحمل مشقة ان نكون معا على هذا العراق ، وان لا نتوقف عند كل مسألة خلاف صغيرة وكبيرة تفاجئنا ، وتفاجئ وجودنا ، وكينونتنا ، بل ندعها ، ونتركها تمر ، وتذبل ، وتذوي ، وتنتهي ، ليس لأننا نعشق بعضنا بعضا ، ولاحتى من اجل عيون العراق الذي هان على جميع ابنائه دون استثناء ، وخذلوه كلهم ، رغما عنهم ، او برضاهم ، ولاسباب كثيرة ، ومعقدة ، ولكن من اجل مصلحة العيش ، والحياة ، والنجاة ، والبقاء ، الذي هو للاصلح دائما ، وللاقوى ابدا .
معظم العراقيين يظن ان ماعندهم من كره ومقت وبغض للمختلف عنهم ، لا يوجد مثله الا عندهم ، لأنهم شعب متعدد الاعراق ، والالوان ، والاطياف ، والاديان ، والقوميات ، والمعتقدات ، والمذاهب . لا ، هذا التعدد ، وهذا التباين موجود في دول عديدة غير العراق . الفرق هو في التعامل مع هذا الخليط المتشعب ، وغير المتجانس . بعض الشعوب نجحت في حل هذه المعضلة بتطبيق هذه الفلسفة ، ((فلسفة التَحَمُّل)) . وبعضها فشل ، وهذا الفشل لم يؤد الا الى غول الحرب الاهلية ، التي لا تكتفي ، ولا تمل ، ولا تشبع من شرب الدم ، وكلما ظننا انها اكتفت ، وشبعت نفاجأ بها وهي تطلب المزيد ، من دمنا ، ولحمنا .
فاذا كنا لا نريد ان نخوض في بحور من دم احبابنا ، واذا كنا نبتئس ونحزن ونحن نرى الامهات يز فّن اسراب الشهداء للتراب ، واذا كانت قلوبنا تنزف وتدمى لرؤية الآباء محنيي الظهور بمرارة الفقد ، والخسارة ، واذا كانت صور الشهداء على اعمدة الشوارع تنغرس في قلوبنا كخناجر مشرعة ، واذا كانت لافتات العزاء السوداء ، التي تطالعنا صباح مساء ، على جدران البيوت ، وفي زوايا الشوارع ، وعلى الصحف ، والفيسبوك تستفز نقمتنا وغضبنا و ثأرنا ، فهذا الثأر لابد ان نقدر على ان نطفئه ، وهذه الغصة في الحلق لابد ان نقدر على بلعها ، وهذه الدموع المحبوسة في المحاجر لابد ان نقدر على ان نردها راجعة ، بان نتعلم فنا جديدا ، رائدا ، وعظيما ،واستثنائيا اسمه فن التَحَمُّل ، والتجلّد ، تَحَمُّل عبء العيش مع شركاء لا يشبهونك ولا تشبههم .
وهذه هي قاعدة الحياة ، وليس الاستثناء . الحياة التي تحمل في طياتها الاختلاف ،والتباين ، لا التشابه ، والتماثل . وقد قيل قديما ان خير الفلسفات التَّحمُّل والتَّصبُّر .
كاتبة من العراق
شهباء شهاب