رحم الله «الختيار». كم مرة سمعناه ونحن في عز الصبا والشباب يكررها ويعيدها: «عل القدس رايحين… شهداء بالملايين». وكم مرة هزتنا كلماته وخطفت ألبابنا وبنت لنا قصورا من الأحلام، وجعلتنا نقول في أنفسنا هل حقا سيأتي ذلك اليوم الذي تصبح فيه فلسطين حرة مستقلة؟ وهل سيكتب لنا العمر حتى نرى نبوءة ياسر عرفات في أن ترفع زهرة من الزهرات وشبل من الاشبال علم فلسطين فوق أسوار ومآذن وكنائس القدس وقد تحققت بالفعل؟
ولطالما كنا نردد مأخوذين بخيالنا الواسع: يا بخت تلك الزهرة ويا حظ ذلك الشبل الذي سيرفع تلك الراية عاليا، منهيا عقودا ثقيلة وكئيبة من الاحتلال، وواضعا حدا لمحن التشرد الكوني القاسية. وكم كنا نمني انفسنا بأن يكون واحد من ابنائنا، أو من بناتنا هو ذلك الشاب أو تلك الزهرة، رغم اننا كنا نعرف أن ذلك سيكون صعبا إن لم يكن مستحيلا. فلم نكن نتصور أنه بعد كل تلك العذابات والمآسي سيسمح لاحد آخر، عدا اهل الدار، بأن ينال ذلك الشرف العظيم ويدخل التاريخ من بابه الواسع مثلما دخله صلاح الدين الايوبي واخرون غيره في السابق.
ولاننا لم نكن نملك شيئا اخر غير الرجاء والدعاء بأن نكون نحن أو ابناؤنا من بين تلك الطلائع التي ستزحف يوما إلى القدس، كما كانت تبشر نبوءة عرفات، فقد ظلت قلوبنا وآمالنا معلقة على أن تفتح الحدود يوما ما، ويرفع الطوق المضروب حول فلسطين، ويترك لنا بعدها أن نتدبر الباقي بانفسنا. لم نكن نعرف لا خططا ولا استراتيجيات، ولم نفكر للحظة واحدة لا في موازين قوى، ولا في شيء يسمى دبلوماسية أو مناورات سياسية. فلم نكن نفهم أن هناك حلا وسطا أو مهادنة أو أخذا وعطاء. وكنا نعتقد أن الاحتلال كما تعلمنا في كتب التاريخ سيزول عاجلا ام آجلا طال الزمن أم قصر. لكن التجارب علمتنا أن كثيرا مما تصورناها اعتقادات لا تزول، تزحزحت واهتزت بالفعل، بل حتى نسفت وانهارت في بعض المرات. وانه لم يعد مجديا أن ننظر للعالم بأعيننا فقط، من دون أن نستخدم مناظير العصر. لقد فهمنا ببساطة أن الآمال والأحلام وحدها لن تعيد فلسطين، وأن الطريق إليها لم يكن بتلك السهولة التي ظنناها.
وقد تكون التقلبات والهزات العنيفة التي حصلت في محيطنا العربي على مدى العقود الأخيرة، هي التي جعلتنا نحس بأن موعد تلك النبوءة سوف يطول ويتأخر اكثر مما توقعنا، وأن حظ احفادنا من انتظاره لن يكون افضل من حظنا، ولكن هل حصل ذلك ايضا لأن اليأس والإحباط تمدد وانتشر بشكل مفزع ورهيب في كل الزوايا والاركان، ولم يعد ممكنا أو مسموحا لأحد بأن يتوقع إلا المزيد من النكبات والكوارث؟ أم لأن أن انشغالنا الزائد بهمومنا ومشاكلنا المحلية، التي لا تنتهي قد غطى على ما سواه؟ ربما كان من السهل أن نلقي بالمسؤولية على الاخرين وان نقول بأن التآمر الدولي والخيانات العربية الداخلية هي وحدها التي كانت السبب. ولكن ألم نخطأ نحن بدورنا؟ ألم يكن هناك خلل ما في حلمنا الطفولي بالقدس؟ ربما اكتشفنا بعد كل تلك السنوات اننا لم نكن جزءا من الحلم ولم نستوعبه بالقدر المطلوب، ولم نجعل منه مطمحا وهدفا شخصيا يسعى كل واحد منا لتحقيقه. صحيح اننا حملناه بين ضلوعنا وداخل وجداننا، ولكننا توقفنا عند حد المشاعر، من دون أن نحدد الادوار ونرسم الخطط، ومن دون أن تترسخ لدينا القناعة والاعتقاد بأن هناك خلف الحلم مشروعا فرديا ووطنيا وانسانيا اسمه تحرير فلسطين. والنتيجة كانت ما نراه اليوم من تفسخ وتحلل لاي معنى لفكرة الحلم الجماعي العربي.
أنظروا حولكم جيدا وسترون انه لم يعد بوسع المصري والسوري واليمني مثلا، أن يفكر أو يحلم بشيء اخر عدا أن يأمن على حياته وصحته وقوته، وكيف أن الحلم بفلسطين صار ترفا لا تقدر عليه ملايين البطون والعقول الخاوية، حتى في تلك الدول الغنية والمستقرة نسبيا، أي دول الخليج لم يعد هناك الكثير من الذين يجدون وقتا للتفكير والحلم في إلى لقدس، في زحمة اهتماماتهم بالبزنس وحروب داحس والغبراء، التي يحشدون لها. وحتى أن حولتم وجهتكم صوب بعض التجارب الفردية التي حصلت في بعض البلدان العربية، وآخرها تجربة المهندس التونسي محمد الزواري، الذي فهم أن الحلم بفلسطين لن يكون مجديا من دون أن يكون لكل فرد دوره ونصيبه في السعي لتحقيقه، فستلاحظون كيف تجاهلته السلطات وتناساه التونسيون بسرعة قصوى، بعد ستة شهور فقط من اغتياله، ألا يعني ذلك أن للحلم حدودا لا ينبغي تجاوزها وتخطيها، وأن كل من يجرؤ على القيام بعمل ما في سبيل حلمه سوف يترك وينسى بعد مدة قصيرة ولن يصير بالنهاية قدوة أو مثالا خالدا للاجيال الشابة؟
لن نبحث طويلا فيما تحلم به تلك الاجيال الآن، فكلكم يعرف بالتأكيد انها تحلم بباريس ولندن وبرلين، اكثر من حلمها بالقدس. ولن نقول لكم إن الكثير من شباب المهاجر الفلسطينية لم يعد يفكر للاسف الشديد بالعودة إلى موطنه، بقدر ما صار همه الاول والوحيد هو تأمين حياته ومستقبله في بلد المهجر، فليس ذلك استثناء في عالم التيه والانفصام الذي يعيش فيه باقي شباب العرب من محيطهم إلى خليجهم. لكن اخطر ما في الامر هو اننا قد لا نجد في القريب ملايين الحالمين بالعودة لفلسطين، بعد أن انتظرنا في السابق ملايين الشهداء لتحريرها. وفي حال حصل ذلك فسيكون بلاشك اكبر النكبات واقساها. فحتى تلك الاحلام الطفولية التي راودت اجيالنا، وظلت معلقة في السماء صارت اليوم مهددة بالاندثار والزوال، ولم تعد تعني معظم ابنائنا واحفادنا، أو تثير شغفهم واهتمامهم. انهم يرون واقعا مختلفا وعالما غير العالم الذي صورناه لهم أو قرأوه في الكتب المدرسية. فكيف نقنعهم بان اسرائيل هي بالفعل كيان غاصب محتل لارض اجدادهم، في الوقت الذي باتوا يسمعون فيه كل يوم عن خطوات واستعدادات جديدة، لأن تحج في القريب قوافل عربية إلى تل ابيب تحت مسمى التعاون على محاربة العدو، أو حتى لغرض العلاج والسياحة، وفي الوقت الذي بات إعلامهم يقول لهم صباح مساء بان العدو الحقيقي لهم هو «داعش» و»القاعدة» والنصرة وحماس وحزب الله وايران والاخوان المسلمون، وربما القمر والمريخ من دون أن يذكر لهم ولو نصف كلمة عن اسرائيل؟ ربما احتجنا لاكثر من «ختيار» آخر مثل عرفات حتى يقول لنا مجددا اننا «عل القدس» والقدس وحدها رايحين… شهداء بالملايين». وربما احتجنا إلى ثورة أو ثورات معرفية وثقافية، ولكننا سنحتاج أولا وقبل كل شيء لشعوب قادرة على أن تفكر، علها تستطيع غدا أن تحلم.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية