نشرت يومية الاتحاد الاشتراكي لسان حال حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية افتتاحية تعرضت فيها لمواقف السيدة نبيلة منيب الأمينة العامة لـ’لحزب الإشتراكي الموحد’، وتجاوز في تحليله آداب وتقاليد الحوار والنقاش السياسي وأخذ يجرح في شخص هذه السيدة باستعمال و استحضار مصطلحات لا تنتمي بالمطلق للقاموس السياسي، والواقع أنني لا أريد في هذا المقال الدفاع عن هذه السيدة فهي أجدر مني على الرد، كما لا أريد إعادة قراءة مضمون الافتتاحية فما يهمني ليس المحتوى و إنما السياق. فبعد قرار العفو الملكي عن المجرم دانييل و ماولده من سخط شعبي صرحت الأمينة العامة لـ’لحزب الاشتراكي الموحد ‘ لبعض وسائل الإعلام المغربية عن موقفها من هذا القرار و كدا أسلوب تعامل النخب السياسية المغربية مع القرار بشكل خاص و الوضع السياسي بشكل عام. على الرغم من أني لا أفهم في السياسة، إلا أن موقف هذه السيدة في قضية العفو الملكي و قضايا أخرى جعلني أعجب بموقفها و جرأتها في تحليل مكامن الضعف في الجسم السياسي المغربي، فهي حينما ركزت على الاختلالات الدستورية و مركزة السلطة في يد البلاط الملكي ، فقد وضعت أصابعها على الداء الحقيقي ، فلا وجود لديمقراطية وحكم رشيد في غياب فصل حقيقي للسلط وتحديد دقيق للمسؤوليات بين الفاعلين السياسيين . فهي حينما انتقدت بعض قيادات اليسار كانت على حق في طرحها، فأغلب القيادات السياسية المغربية – من جهة اليسار أو اليمين- فقدت مصداقيتها لدى المواطن المغربي، وأعلنت عن موت العمل السياسي والانحراف القيمي والأخلاقي للنخب الحزبية والسياسية. وتكالب هذه النخب على تقديم الولاء الأعمى لمصالحها الضيقة و حرصها الشديد على تعميق معاناة الشعب والاستهتار بمستقبله. فالمشهد السياسي المغربي في وضع يدعو إلى الكثير من الرثاء، وما كان يعتقده البعض بأنه تحول ديمقراطي وربيع مغربي سرعان ما تبين عكسه، فالأمر لم يكن سوى سحابة صيف أملتها ظروف محلية وإقليمية ، ولأوضح ذلك سأعطي بعض المؤشرات الدالة على هذا المنحى في التحليل . لعل الأحداث السياسية التي شاهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية، يكشف عن هشاشة الإصلاحات السياسية المنبثقة عن دستور وانتخابات 2011، فالأمر لم يكن إصلاحا سياسيا ودستوريا حقيقيا بقدر ماهو مجرد رد فعل تكتيكي لجأ له النظام المخزني لتجاوز اثار الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها البلاد قبل خطاب 9 مارس 2011، وتأكد هذا المعطى من خلال خطاب العرش الذي صرح فيه العاهل المغربي محمد السادس عن أوراشه وانجازاته ولا سيما في الجانب الاقتصادي والاجتماعي حيث نص الخطاب الملكي على ما يلي : ‘ ..عملت كل الحكومات السابقة، وبتوجيهاتنا، على تكريس جهودها المشكورة، لبلورة رؤيتنا التنموية والإصلاحية. وهكذا وجدت حكومتنا الحالية، بين يديها، في المجال الاقتصادي والاجتماعي، إرثا سليما وإيجابيا، من العمل البناء، والمنجزات الملموسة. ومن ثم لا يسعنا إلا أن نشجعها على المضي قدما، بنفس الإرادة والعزم، لتحقيق المزيد من التقدم، وفق المسار القويم، الذي نسهر عليه..’ فقد أكد الخطاب الملكي بما لا يدع مجالا للشك أن حكومة دستور ‘الربيع المغربي’ قد استلمت وضعا اقتصاديا متماسكا وأن السياسات الاقتصادية بشكل خاص والسياسات العمومية بوجه عام تنفذ بإشراف مباشر من البلاط الملكي وأن الحكومات المتعاقبة تتولى تنفيذ توجيهات البلاط الملكي . وهو ما يعني ضمنيا استمرار نفس الوضع الذي ندد به المغاربة قبل خطاب 9 مارس 2011، والذي بموجبه أعلن العاهل المغربي انفتاحه على مطالب الشارع والقبول بتفويض جزء كبير من صلاحياته التنفيذية لحكومة منتخبة من الشعب ‘تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي،الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها تقوية مكانة الوزير الأول،كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية،وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي’. فإذا كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي سليما لماذا خرج المغاربة إلى الشارع مطالبين بالتغيير و رافعين شعار إسقاط الفساد ؟ لماذا لم تكمل حكومة عباس الفاسي ولايتها ؟، ولماذا نص الدستور على تقوية مكانة الوزير الأول كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي؟ وما يزكي هذا الطرح أيضا، هو أن الممارسة السياسية للمؤسسات المنبثقة عن دستور 2011 لم تلتزم بفلسفة التصور الدستوري، فحكومة السيد بن كيران في الكثير من خطاباتها تؤكد على أنها تنفذ توجيهات الملك وهو ما أكده خطاب العرش الأخير. كما أن بعض المفردات التي استعملها رئيس الحكومة من قبيل ‘العفاريت و التماسيح’ للدلالة عن عجزه وعدم قدرته على تنفيذ برنامجه السياسي، يؤكد أن إصلاحات ما بعد 2011 هي إصلاحات شكلية لم ترق إلى مستوى تطلعات الشارع المغربي . كما أن تحالفات الأغلبية الحكومية لم تخرج عن النسق التقليدي القديم، بل إن أعداء الأمس أصبحوا حلفاء اليوم، وأن رموز الفساد أصبحوا بقدرة وتكييف رئيس الحكومة شركاء في عملية الإصلاح ومحاربة الفساد؟ إن هذه التساؤلات التي يعجز العقل السياسي عن إيجاد إجابات لها خارج نطاق البؤس والفساد السياسي يدفع بالفعل إلى الإقرار بمنطقية و جرأة وفرادة التحليل الذي تبنته أمينة الحزب الاشتراكي الموحد وهو الأمر الذي عرضها وحزبها لحقل من البلاء دفاعا عن فكرة الولاء لملكية برلمانية نادى بها المغاربة قبل وبعد 9 مارس 2011.