وهم الشاعر في ديوان «ذاهب لاصطياد الندى» لعلي جعفر العلاق

حجم الخط
0

الإقامة في الما بين …. من البدء، نتلقّى رفيف المغامرة من الدروب الغائمة التي تسلكها ذات الشاعر، وهي تتعاطى مع أشياء العالم وتُفكّر فيها بمنطقٍ تلتبس فيه الحدود التي يُقيمها الدليل وثنائيّاته، بشكلٍ يجعل الأخيرة عاطلة عن أن تعمل، ويُحلّ محلَّها منطق الكتابة، الغائم والمُشعّ، داخل تجربة الما بين التي بها يختطُّ المعنى مساره، ويُنْشئ فعاليّته في غفلةٍ من الحدود، ومن الذّات نفسها. نكتشف هذا الالتباس الحيويّ بين الإقامة والسفر ابتداء من المقتبس الذي صَدَّر به الشاعر عمله:
«حين ناولني سلّة الخوصِ
ريّانة، قال لي:
لك هذا العذابُ،
وهذا التشهّي، لك اسْمٌ
شبيهٌ بأوّل هذي البلادِ
أعني: السفر..»
في خضمّ القراءة، نتلقّى صيغا أخرى من التباس الحدود التي تتماهى مع بعضها الآخر سواء بين الموت والحياة، المجاز والحقيقة، النشوة والعذاب، الدم والحبر، الجسد والذكرى، القرب والبعد، الحضور والغياب، الأسطورة والواقع. يتمُّ ذلك داخل سيرورة المعنى الذي يجترحه الأنا الشعري، في علاقته بالمكان المتهاوي الذي يُعاد تشكيله باستمرار، وبموازاة مع السفر لَيْلا في هذا المعنى لا إليه؛ إذ تبدو العلاقة المجروحة بالأثر كأنَّها تُصعّد مكبوتها الهاجع في الروح والذاكرة، والقابل لأن يُعاش بصيغٍ نوعيّةٍ تطفح بالحياة والرغبة فيها بتسميةٍ جديدة:
«وحيدا،
ليس لي ليْلٌ لنمضي
ليلنا سويّة..
لا قوْسَ
لا نُشّابْ
إلّا صحارايَ التي يكسرها الوهمُ إلى نصفَيْن:
أيّ امرأةٍ تفوح من أصابعي
الآنَ، وأيّ حيرةٍ
تشعّ في الأكوابْ؟»
من هنا ينشأ الوهم الذي يغرف شعريّته المتوتّرة من روح الإنسان، والذي يسكن الشاعر ويسير معه جنبا إلى جنب، فيشطر ذاته، ويُفجّز دخائله عبر تقنية المرآة التي يصطنعها، ويتّخذ منها ذريعة الشبيه الذي يُحاوره ويُوجّه إليه الكلام؛ لأنّ مثله في منفاه لا يملك من سلاحٍ إلّا حيرته البيضاء وحزنه الصافي خارجا للصيد، أو مواجها البحر، أو مُصغيا لِلّيْـل، أو مُسْتـدرّا غيوم الذكرى والجسد:
«كان كلانا يُغذّي حُزْنَ
صاحبه منذ التقينا بلا قصدٍ..
ومُذْ/ كُسِرتْ
أيامنا كالمرايا
ذات كارثةٍ..
ومُذْ
تناااااءَتْ،
وغامت بيننا..
الطُّرقُ..
نَدْنو،
ونفترقُ»
*شعرية السيمولاكر
في عالم من مرايا تقترب وتنأى، تسكن الذات آخرها وتُفوّض أمرها إليه، كذريعة داخل الخطاب، ولا يكون هذا الآخر إلا بمدى بُعْد الذات عن نفسها، وبما يجعلها في اختلافها شبيهة بالآخر، بمقدار ما هي تتجلى وتتوارى، وتقترب وتنأى في آن. وفي هذا المعنى المستأنف باستمرار، فإنّ هذا العالم يحكمه العود الأبدي الذي لا وجود فيه للشيء إلا في عودته، خارج خطّية الزمان وتقدُّمه. وباستيهامه، يصير هذا العود الأبدي كإيمان بالمستقبل، وليس مثل الذات في الشعر من يُقيم فيه على حوافّ المغامرة والخطر:
«هو واللّيلُ
كانا معا يسهرانْ
ويُطيلان عمرهما
بِالسَّهرْ..
ثُمّ يذهبُ كلٌّ إلى وِجْهةٍ:
يذهب الليل للنّوْمِ،
والريح تُمْضي بقيّة ليلتها
في أعالي الشَّجرْ»
فذات الشاعر عندما تجترحُ شبيهَها المختلف، فإنّ ذلك ما يفتأ يُظْهر كينونتها غير قارّة، بل تتجاوز نفسها؛ أي تبتكر هُويّتها على الدوام. ويتجسّد لنا ذلك في أكثر من معنى داخل نصوص بعينها، مثل «غبطة الحجر»، و«هذه القصيدة»، و«يرفو ثياب قصيدته»، و«ربّما..»، و«ما بين وهم وآخر». من معنى أن تتحقّق الذات بالوهم وتعبر في الما بَيْن كتجلٍّ خطابيٍّ لمأزق كينونتها، ومعنى الاستمراريّة في الحياة المحلوم بها في المجهول، إلى معنى أن يكون الشاعر هو آخره في طريقٍ لم يختَرْها، أو فاتَتْه لسببٍ قاهر. وفي قصيدةٍ لا تكتمل، يتصادى صوت الأنا مع أصواتٍ جريحة مقبلة من القديم والحديث، ومن الشرق والغرب: امرؤ القيس، أبو العلاء المعري، السياب، محمد عفيفي مطر، سركون بولص، أوكتافيو باث، آرثور رامبو، خوان رامون خيمينيث، جنبا إلى جنب.
تذاوُتٌ يحفر في جينيالوجيا النصوص ويتمُّ كترجيع ودوار لا ينتهي. لكن يبقى صوت أبي العلاء الأنقى بسبب البحّة العطشى التي فيه؛ بحيث يتجسّد فيه بعد الشبيه، ويُسْتدعى كقناعٍ في آخر العمل، فيبني عليه الشاعر رؤيته المُفارقة التي تسأل وتُواجه وتتّهم عالما من القتل والخراب. لا يعود القناع قناعا، إنّما هو الآخر يتحوّل من راءٍ قد «انتفضت في حناياه شمسٌ من الشكّ» إلى مجرّد شاهد تعطّلت رؤياه وعجزت عن الفعل والاستبصار:
«قالت الرّيحُ:
مرّ النبي
على هذه الأرض ثانية
فرأى كلّ طاغيةٍ
وثنا، يترنّح بين ضحاياه
مُنتشيا، ومدى ما ترى العينُ
شمسٌ مُخضّبةٌ
أو قتيلْ»
قد يكون أبو العلاء يوقظ الشاعر من وهمه، إلا أنّه من خلال الترسيمة التي يتجلّى فيها قد يزيد وعيَ الشاعر حدّة وانتباها، ويُطلق معانيه في رياح الشكّ والحيرة من جديد، حتّى لا يتكلّس كـ«معتقد جماليّ» ويسترخي بالاطمئنان إلى الوهم نفسه.
ومن جهة أخرى، يصير المعري بوصفه سمة سيرذاتية، تدلُّ على أنا الشاعر في ضوء مفهوم السيمولاكر، الذي يضعنا في صلب التجربة، ويعبر بنا من الواحد المُتعيّن إلى المُتعدّد، ومن الذات إلى الآخر، فيبدو عبر النص بوصفه انعكاسا، ظِلّا. فالذات المتلفِّظة مُتعدِّدٌ في حركة متواصلة، وهي تعبر بهُويّتها من قناع إلى آخر داخل تجربة الكتابة، وليست – كما في الظاهر- حركة مجزَّأة أو منقسمة على نفسها. ومن هنا، تخترق بنيةَ اللغة علاقةٌ جدليّةٌ نلمحها على الدوام، تُعيد التوازن لما يتمّ داخلها من توتُّرٍ واختراق. هي علاقة الأنا في وعيه المتوتّر بآخرها القَلِق والمسكون بالتغيير، إلى الأنا المُبتهج بجسده – جسد الأنثى حيث يثوي موطن كينونتها، الذي يعطر ويتوهّج. فعلى «تقاسيم» الجسد وصنائع الأنثى العجيبة التي تُحيي الميت وتسكر الغافل، يُفلسف الشاعر الحبّ وأهواءه حيث تصير المرأة معادلا للانطلاق إلى الحياة، كما يشدّ خطابها اللافح إلى الموت متوتّرا بين نشوة العذاب وليل الماء اللامتناهي:
«فلا ليْلَ لهذا اللّيْل
إلّا ليلها النّديانُ
يبعثُ في دمي رُسُلَهْ»
فالجسد يصير شبيها، أنا- آخر؛ فهو ذات الشاعر ومرآته في آن، ما يجعل من الجسد حَقْلا مثيرا يستضيء برمزيّة الماء واستعارات اللغة:
«قال لها:
يداكِ ما أشهاهما
حين تمرّان على حُلْمي،
هذا الأشيبُ القاحلُ،
أو حين تجرّان قطيعا من غيوم الله للغرفة..
ما أدراكِ ما الغرفةُ؟
محضُ صخرةٍ
عاريةٍ من دونما اثنيْنِ
يُضيئانِ على السريرِ، أو يفوحان
على السريرْ»
وفي سياقٍ مُوازٍ للحركة المومأ إليه أو منبثقٍ عنها، تتجاوز ذات الشاعر ما هو فرديّ – شخصانيٌّ فيها إلى ما هو جمعيٌّ يستدعي الوطن مُشْبعا بمفردات التاريخ والأسطورة مثلما في نصوص «لغةٌ للقطا والحمام»، وعندئذٍ يكون لملفوظ الذّات طعم الصعق. فالشاعر، وهو ابن واسط الخصيبة، بقدر ما يذكر للوطن نعمته التي لولاها لم يكن شيئا، ويتذكّر ما كان يفعله ماء دجلة في الجسد والأرض، من عنفوان به يرتوي نسغ الحياة وترتقي آداب الحبّ والحكمة فيها، بقدر ما يتحسّر على ما آل إليه الوطن في «مهرجان الكراهة» بعد الاحتلال وما صاحبه من مأساة حقيقيّة، كأنّ أرضه طُويت «طيّ السجلّ»، ويُناديه من قاع خوفه لكي لا يفقد الأمل في حيرته العالية الناجمة عن الشعور بالاغتراب والحنين إلى الوطن المفقود والمحلوم به:
«كَمْ كنتُ أحميك منّي:
أمشّط أيامك البيضَ،
أغمر أحزانها بالحُليّ، أعلّقها
عاليا، فوق نهْرٍ صغيرٍ
صغيرْ
وطنا قاسيا
كالحريرْ»
ولكن «عبثا ينصبون كمائنهم للنّدى.. عبثا يسرقون أسامي الينابيع..».
ذلك ما يجعل الشاعر، في متاعه الشحيح، يبحث عن «قمر ذابل فوق أوروك»، ويجعل روحه الحائرة تطفح بالأمل عبر صيررورة ذاته في المعنى الذي يتطلّب واجب التذكُّر والحنين لمواجهة العزلة والنسيان، ومقاومة الشعور بالخوف واليأس وسط أكوام الخراب، وهو ما نجده يكثّف سيرورته في «مديح الرمل»، عندما يصرخ من بطن الحوت وينتفض مثل اللديغ، ضدّ «الطغاة، القساة، الجناة، الغزاة، الذئاب».
وراء هذا الانفعال الذي يصطرع بداخل الذّات ويصبغ رؤيتها الوجودية المحفوزة بسخاء الأمل، ما يُقوّي وهم الشاعر ويجعله مُسْتأنفا باستمرار، فيصير كضرورة عندما يستضيء بلغة الشاعر الخاصّة جدّا، وهي اللغة نسلها من بابل وربّاها بالماء وعطّرها بدم الأضحيات:
«نحن شتّانَ:
لي لغتي،
ولكم لغةٌ..
أنتمُ ذهبُ الرمْلِ،
أو فضّةُ
القاع باردة،
وأنا ابن العذابْ»
*فضيلة الإيقاع السليم
من ذات إلى ذات بوصفها آخر، تُكرّس نصوص ديوان «ذاهب لاصطياد الندى» جهدها الجماليّ والموضوعاتي، دفاعا عن الوهم وتعمل على شعرنته متوتّرا، في لحظة حادّة من الوعي، بين الحضور والغياب؛ فما الوهم إلّا وجه الحقيقة الغائبة التي يذهب إليها الشعر ويلوذ بها، مثلما تذهب أنا القصيدة وآخرها القرين إليه باستمرار:
«كم حاولتُ أن أستدرج النّدى
لكي يسيل من شجرةٍ
توشك أن تلفظ خضرتها
الأخيرةْ»
فالنّدى هو نسغ الوهم؛ ذلك الذي لا يزال يرفُّ عالقا بالذاكرة، والمكان، والجسد، والكتابة نفسها. إنّه ما يجعل الشاعر يواصل البحث في أسئلة كينونته، كأنّه يُصْغي إلى «بَطْنٍ حُبْلى»، ويُحرّض شعره على الغناء والبوح، بما يُبْقي الأمل لديه حيّا. فالعنوان نفسه يُقيم، أيقونيّا واستعاريّا، في هذه اللحظة المُفارقة من بحث الذات لكينونتها وزمنها العصيّ والمتفلت دائما، وهو ما يجعلها تشتبك بآخرها، وتعود بقصيدتها إلى زمن البدايات الأولى في صفائها والاندهاش بها.
بهذا المعنى، يجب أن نفهم لماذا يلحُّ علي جعفر العلاق بوعيه الشعري والنقدي معا، على أنّه يكتب قصيدته الخاصّة به، القصيدة الصافية. فهي لا تنتمي إلا له، ولا تُذكّر إلا به، عبر لغته هو فحسب. في فضاء الصفحة المُشظّاة والممضاة بحبر دمه ورفيف أنفاسه، يُمارس تصوُّره الخاصّ للغة، وبالتالي للشعر، كنداء حيث تسرح متوالياتها كسرب ظباء جافلات يُسمع لها صوت، وحشرجة، وإيقاع خافت؛ وحيث يتناوب المعلوم والمجهول، المقول واللامقول، الثابت والصدفوي. وهذه الصفحة، المتعدّدة بخطّيتها، تُعطي للبيـــت إمكاناتٍ/ تشكُّلاتٍ لا حصر لها من التوقيع الذّاتي الذي تخترقه القوافي والتوازيات والبياضات، وأشــــكال التكرار والترقيم والتفقير والتقطيع، ضمن عمل اللغة وأساليبها المشدودة إلى حركة المعنى، مثلما إلى علاقات التناظر والترجيع والتدوير الناشئة عن أعاريض البحور البسيطة (المتدارك أوّلا، ثم الرجز فالرمل والوافر) والبحور المركبة (البسيط تحديدا).
وإذا كانت قصائد الديوان تنتظم في سياق شعر التفعيلة، باستثناء قصيدة نثر بعنوان «ما بين وهم وآخر»، إلا أنّها تُعقِّد الوضعية الوزنية للبيت الحُرّ، وتخرق نظام الوحدات الثلاث (العروضية، النظمية والدلالية)، وتُعيد بناء القافية وترتيب ثنائية المكتوب والشفاهي داخل القصيدة برمّتها. فنحن، بهذا التصوُّر، أمام إيقاعٍ نوعيٍّ، لاواعٍ، متقطّع ومُدْرك بشكْلٍ يُظهر حالات الذّات داخل اللغة التي لا تُختزل، هنا، إلى التواصل والإعلام اللذين لا يهتمّان سوى بتجريد الذات المتكلمة.
هكذا، يبحث الشاعر أفكاره لا عن طريق العقل، بل عبر فضيلة الإيقاع السليم الذي ينتظر معجزة الكلمات، إذ تقع كما يجب، سواء كانت طولا أو جرسا أو معنى، وفي ما بعد، تحت مسحة الحزن، يجد العاطفة الوارفة التي تُطلق الأفكار جميعا. لهذا، فقصيدته تتطلّب منّا – كقرّاء ومؤوّلين – إصغاء من نوع خاصّ يصلنا بتردّدات الجوهر الإنساني، عبر طرق الوهم الجميل التي نسلكها. وليس هذا الوهم في نهاية المطاف سوى رديف الأمل الذي ينادينا عبر العصور والأزمنة، ويجعلنا نتطلّع باستمرار إلى الحياة حتى تظلَّ قلوبنا قادرة على الانفعال بها.

٭ كاتب مغربي

وهم الشاعر في ديوان «ذاهب لاصطياد الندى» لعلي جعفر العلاق

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية