الشعوب العربية في جوار إسرائيل؟

حجم الخط
0

يدرك القائمون على صنع الخرائط الجغرافية/السياسية ان الزمن لم يعد يسمح بتكرار سايكس بيكو بنفس الصورة المأساوية التي تمت في بدايات القرن الماضي مجددا. ربما تعلمت الشعوب الدرس وربما الخوف من التقطع والتفسخ المجتمعي من جديد وان كان فُرض عليهم التقطيع مجددا بآلة المذهبية والطائفية وليس بآلة الاستعمار. لكن الثورة الاتصالية والمعلوماتية التي استقى منها الجميع كانت ولا تزال حائلا امام العديد من الاساليب الاستعمارية الخفية القديمة ؛ واستطاعت الشعوب أن تزعج حكوماتها المحلية والحكومات الاجنبية ربما وهي جالسة امام لوحات التواصل الالكترونية.
وآلة الحرب ليست قادرة على صنع المجد الامبريالي وحدها ولكن آلة الدعاية تقدر ما لم يقدر عليه السلاح، فهي موجهة ناحية الروابط النفسية والمجتمعية وتنخر فيه كما لو السوس، وقادرة ان تصنع التشويش واللامُثبت على الاقل ما لم يكن بإمكانها ان تصنع ثوابت مغايرة سواء في العقل الجمعي او الوجدان الفردي. وليس مجالنا هنا الحديث عن الطرق التي ابتدعتها الانظمة الشمولية العربية في تحويل المسار الفكري والعقائدي عبر وسائل اعلامها .
المنظومة السياسية الامريكية الجديدة تحت إدارة ترامب تقتضي على جميع اللاعبين والحلفاء السياسيين في الشرق الاوسط التعامل مع إسرائيل والتطبيع اللامشروط معها كمقدمة أولية ، وهذا يقتضي بالضرورة تغييرا في المفاهيم الشعبية حول كنه العداوة مع إسرائيل واجراء مراجعات حول جدوى العداء معها. الانظمة التي تمارس التطبيع بلا ظهير شعبي ليست آمنة والشعوب التي تستعدي إسرائيل هي الاخطر من أنظمتها الحاكمة.
في السنوات الخمس الاخيرة انهالت كل المكونات السياسية العربية باسلحتها ودبلوماسييها واعلامها تجاه قضية تنظيم الدولة وخطره الذى سيقضي على الجميع ؛ ومعها قضية التسلل الايراني الشيعي الى المنطقة وخطره على العقيدة السنية لشعوب العرب. فالجمهور العربي تعرض لضغوطات وتوجيهات معرفية ونفسية شديدة في السنوات السبع الاخيرة تجاه أعداء جدد لا يقلون خطرا وربما أكثر من إسرائيل.
في هذه الاوضاع تجد إسرائيل لنفسها منفذاً في العمق الشعبي العربي عندما تقدم نفسها ضحية شريكة للعرب في مظلوميتهم وفزعهم القائم ،فهي تخشى تنظيم الدولة وتواجه ايران وتجابه الارهاب. ولكن هذا لن يحدث ذاتيا ما لم يكن هناك تحديث للقناعات وترتيبات جديدة لقائمة الاعداء الجدد وغرس فكرة «الوجود الإسرائيلي هو نوع من الضرورة السياسية وليس مجرد تسليم لوقائع القوة على الارض». وجدنا هذا بالامس القريب في السعودية عندما تنادت الاصوات المحسوبة بالطبع على النظام بضرورة التعايش مع إسرائيل لأننا –كسعودية- لم نتعرض بأي أذى من إسرائيل طيلة وجودها.
في الامارات وبقية دول الخليج العربي تجري الآن محاولات تبييض التطبيع الرسمي مع إسرائيل على أنه حلف الضرورة في مواجهة الارهاب وايران؛ وفي مصر استطاع النظام ان يرسم الصورة الذهنية لدى الجماهير بأن من يعادي أعداءنا فهو حليفنا؛ ومادامت حماس ربيبة جماعة الإخوان فهي ارهابية وتعرضها للاضطهاد الإسرائيلي والعربي الرسمي يعد نوعا من العقاب العادل. الحلف السني التي تقوده السعودية بالمنطقة يقتضي بالضرورة نفي اي منظمات وجماعات سنية مقابلة، فلا يوجد سوى كيان سني واحد يحارب ويعادي ويطبّع بما يراه مناسبا وشرعا؛ بالحقيقة الجميع يقود حروبا منافسة على الداعشية وليس للقضاء عليها.
قطاع غزة وسكانه لا يزالون الشوكة التي تقف في حلق إسرائيل وعثرة مع التطبيع الكامل معها ؛ والحروب الشعواء والهمجية التي قادتها إسرائيل ضد القطاع وحماس وحركات الجهاد لم تضع خط النهاية للقطاع وسكانه والحصار المتعمد والتجويع والترهيب جعل القطاع أمثولة عالمية في المقاومة وجلب العطف الدولي للقطاع؛ الآن تجري تجربة استراتيجية جديدة يكون فيها سكان القطاع هم الاساس وليس مكانة حماس أو مكانة إسرائيل : هناك اتفاق في لحظات الرتوش الاخيرة حاليا، يُصاغ بين الامارات ومصر وغزة والقدس. وهدف الاتفاق هو وضع محمد دحلان على رأس حكومة موحدة في غزة، ورفع معظم الحصار عن القطاع من قبل مصر وإسرائيل واقامة محطة كهرباء جديدة في رفح المصرية بتمويل من الامارات وبناء الميناء فيما بعد.
الخطة ستفصل غزة عن رام الله وستكرس العداوة وتجعل القطاع اكثر سلما واقل مقاومة تجاه إسرائيل وستضع حدودا لراديكالية حماس في مقابل رفع الحصار عن السكان وفتح المعابر وتلبية المطالب الحياتية للسكان وعزل قطر وتركيا عن القطاع.
اذن هي صياغة جديدة لسكان القطاع وحياتهم تجعل من السلام مع إسرائيل مرادفا للأمن والرغد في مقابل الحرب والتشرد والتجويع اذا استمر العداء لإسرائيل. نوع من تزييف الوعي الذي يستتبعه بالتدريج تزييف للذاكرة ومن ثم للتاريخ.
التحول في القناعات يجري تمريره الآن من منظور براغماتي وسياسي ، تمليه الاوضاع الفوضوية والتشويش الذي يحيط بالعقل الجمعي العربي ، لكن الأخطر ان تتحول القناعة الجديدة إلى ضمير أو معيار في الحكم والاشتباك مع قضايانا. لكن هل سيكولوجيا اللااستحقاق التي يجري زرعها عنوة في الشخصية العربية من الممكن ان تقدم جمهورا مستعداً لمقايضة التاريخ والهوية مقابل رغيف خبز وشرطي يحفظ له أمنه المعروض في أسواق شايلوك العربي؟

كاتب مصري

الشعوب العربية في جوار إسرائيل؟

أحمد إسكندر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية