خصائص الفقاعات الإعلامية المفبركة ودورها في تجييش الشعوب

حجم الخط
0

يبدو أن دولة قطر قد وقعت في شرك الفقاعات الإعلامية المفبركة لتمرير قرارات مدروسة مسبقا من قبل دول كانت ـ وما زالت ـ تُوصف من قِبَل دولة قطر بأنها شقيقة.
لن أتطرق إلى أهداف هذه الفبركة الإعلامية وأسبابها، فهذه أمور خاض فيها كثير من الكتاب في الفترة الأخيرة وما يزالون. ما أنا بصدده هنا هو تحليل خصائص الفقاعة الإعلامية من وجهة نظر إعلامية، التي كانت بمثابة الشرارة التي تبعتها قرارات سياسية وإجراءات لا يمكن أن تطبق بهذه السرعة، إلا بعد تحضير مسبق ومدروس لها. والمقصود بالفقاعة الإعلامية هو حدث إعلامي خاطف ومدروس ومعد مسبقا (ما يلبث أن يزول هو نفسه كفقاعة الصابون في الهواء وتبدأ تأثيراته بالتراكم ككرة الثلج المتدحرجة) وهو مواز لحدث مفتعل، لخلق جو عام وأرضية مناسبة لتمرير قرارات سياسية أو عسكرية مدروسة، وتجييش الرأي العام حولها لدعمها من دون تفكير.
أسلوب الفقاعات الإعلامية ليس جديدا، بل يمكن القول إنه سياسة ثابتة ووصفة علاجية لها عناصر محددة تتبعها الدول باستمرار لما تحققه من نجاح متكرر. فمن الأحداث التاريخية المرافقة للفقاعات الإعلامية، ما قام به فلاديمير بوتين عام 1999 (وكان وقتها رئيسا للوزراء) بتفجير أربع عمارات سكنية في مدن روسية راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، اتهمت بها جماعة مسلحة شيشانية رغم نفيها ذلك، وكانت الشرارة التي أشعلت الحرب الشيشانية الثانية. هذه التفجيرات ساعدت بوتين في الوصول إلى الرئاسة الروسية، بعد تجييش الرأي العام الروسي عبر وسائل الإعلام وإظهار بوتين برجل الدولة القوي. ومن الفقاعات الإعلامية أيضا ما وقع في مصر من خطف سبعة جنود مصريين زمن حكم محمد مرسي، لتبرير ارسال قوات كبيرة من الجيش المصري إلى سيناء، بعد انتشار جماعات إسلامية مسلحة فيها شنت هجمات على إسرائيل وقوات الأمن المصرية. فعند العودة إلى تفاصيل الحادثة نجد أنها كانت مفبركة، من أجل تبرير دخول الجيش إلى سيناء تحت تجييش شعبي. فقد اطلق سراح الجنود السبعة المختطفين من دون أي مقابل، ولم تعلن أي جهة مسلحة رسميا عن خطفهم، كما أن الشريط المصور الذي ظهر فيه الجنود المختطفون بعيد كل البعد عن طبيعة الأشرطة المصورة للجماعات المسلحة الإسلامية. لقد ذهبت فقاعة الاختطاف أدراج الرياح، إلا أن تأثيراتها ما زالت قابعة حتى اليوم. وكذلك حادثة تفجير أحد الأعراس في مدينة غازي عنتاب التركية عام 2016 والتي اتهم بتنفيذها تنظيم «الدولة الإسلامية» عبر إرسال فتى يبلغ من العمر 13 عاما ليقوم بالتفجير، وهو أمر لم يعلن عنه التنظيم كما يفعل عادة. وكان من تبعات هذه الحادثة التي راح ضحيتها 50 شخصا أن أرسلت تركيا قواتها برضا شعبي إلى داخل الأراضي السورية لمحاربة ما أسمته بالإرهاب. عند تحليل جميع هذه الحوادث وفقاعاتها الإعلامية نجد أنها تمتاز بخصائص تتكرر باستمرار:
ـ إن الجهة المستهدفة بالحادثة تنفي ضلوعها بها بالمطلق، إلا أن الجهة المُتَهِمَة تصر على إلصاق التهمة بها.
ـ الملاحظ أن وجهة نظر الجهة المستهدفة تغيّب تماما في الحملة الإعلامية أو لا يلقى لها بالا، ويكون الثقل الإعلامي للجهة المُتَهِمَة.
ـ إن الفئة المستهدفة في الحادثة تعكس طبيعة الفقاعة الإعلامية المرافقة والهدف من الحملة، ففي حالة وجود نية لشن حرب ما، تكون الفئة المستهدفة هي من عامة الشعب، لتجييش الشعب للقبول بالحرب، كما في حالة تفجير الشقق السكنية الروسية، وإن كانت الفئة المستهدفة هي وسيلة إعلامية أو شخصية سياسية، فيجري استهداف الوسائل الإعلامية للطرف الآخر وسياسيه، كما في حالة اختراق وكالة قطر الإخبارية والشريط الإخباري لقناتها الرسمية، وتلفيق تصريحات مفبركة لأمير قطر. وبناء على ذلك يمكن القول إن الهدف الرئيس من اختراق وكالة الأنباء القطرية هو استهداف الآلة الإعلامية القطرية وقيادتها السياسية بصورة خاصة.
ـ تعد الشخصنة من العناصر الملازمة للفقاعات الإعلامية، والمقصود بها هنا توجيه اتهامات لشخصيات بعينها وتحميلها المسؤولية المباشرة عن الحادثة.
ـ عنصر المفاجأة مهم في خلق الفقاعة الإعلامية، حيث إن الجهة المستهدفة لا تجد عادة الوقت الكافي لتبرئة نفسها، بسبب سرعة القرارات السياسية والعسكرية التي تتبع تصاعديا شرارة انطلاق الحملة. فبهذه الطريقة لا يَعُدْ أمر إثبات ضلوع الجهة المستهدفة بالحادثة أو تبرئتها المسألة الرئيسية، بل يتحول التركيز إلى الإجراءات التصعيدية التي تتخذها الجهة الباغية على الأرض.
ـ من خصائص الفقاعات الإعلامية أيضا أنها فريدة من نوعها وخارجة عن العادة. كمسألة تفجير غازي عنتاب في تركيا مثلا، إذ إنها لم يسبق أن قامت بها الجهة المستهدفة تنظيم «الدولة الإسلامية» من قبل رغم طول مدة الصراع السابقة، وكذلك لا يعاد تكرارها مرة أخرى من الجهة المستهدفة مرة أخرى رغم قدرتها على ذلك! فما الذي يمنعها من تكرار هذه الحادثة مرات ومرات بعدها إن كانت بالفعل من يقف وراءها؟ وهذا الأمر ينطبق أيضا على المسألة القطرية.
ـ في الغالب يأتي الاتهام من رأس الهرم السياسي نفسه، ما يدلل على أن قرار التبلي والفبركة اتخذ من القيادات العليا للدولة مباشرة.
ـ لا تلجأ الجهة الباغية إلى الفقاعة الإعلامية إلا بعد أن ترسخ لديها يقينا أن الجهة المستهدفة لن تنصاع لإرادتها بالطرق السلمية والحوار. وبهذا يكون أسلوب الفقاعة الإعلامية الخيار الأخير لها ولا رجعة عنه، ما يضع الجهة المستهدفة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع لإرادة الفئة الباغية وإما تحمُّل العواقب الوخيمة لذلك.
فهل ستنصاع دولة قطر وتنحني لإرادة خصومها؟ أم ستواجه العواقب الوخيمة بشجاعة ورباطة جأش؟

كاتب فلسطيني

 

خصائص الفقاعات الإعلامية المفبركة ودورها في تجييش الشعوب

د. فايز شاهين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية