مع بدء إعلان مشروع المصالحة إعلاميا ومعرفة طبيعة وانتماء الشخصيات التي دعيت إليه، بات المشهد السياسي العراقي المقبل أكثر وضوحا، اذ ما زالت النوايا السياسية الفئوية تتجاوز مصلحة النظام السياسي، في عملية تشكيل الائتلافات الانتخابية للكيانات السياسية، مع بدء انتهاء فصول معركة الموصل، الذي ذهب ضحيتها الآلاف من القتلى والملايين من المشردين من أبناء المدينة، وقتلى منتسبي المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية.
لا بد من التذكير بأن عملية إقامة مؤتمر المصالحة المرتقب عقده في الخامس عشر من الشهر الجاري يوليو، هو برعاية أممية وتأييد ومباركة أمريكية، ودعم عربي خليجي لبحث ترتيب مرحلة ما بعد تنظيم «داعش» للمشاركة في العملية السياسية عبر انتخابات عام 2018.
في الظاهر يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى من خلال تنظيم هذا المؤتمر، إلى وضع حد للمأساة والشتات السنّي في المشهد السياسي العراقي، من خلال إجبار قادة ممن تعتبرهم زعماء لهذا المكون العربي، على ترك مرحلة العمل السياسي في الخارج والعودة إلى العاصمة العراقية بغداد، للمشاركة في إعادة صياغة العملية السياسية، أسوة بالمكوّن الشيعي الذي يمثل النظام السياسي الرئيسي في النظام الحاكم، على الرغم من رفض العديد من الشخصيات القريبة من طهران، إقامة المؤتمر.
في المقابل، تبقى طبيعة الموقف الإيراني غامضة من عقد وأهداف هذا المؤتمر، ومن المشاركين في أعماله، من خلال الصمت الرسمي لقادة الجمهورية الإسلامية ومن الحملة الإعلامية المعادية والرافضة لانعقاده من قبل العديد من قيادي حزب «الدعوة»، الذين هددوا باستهدافه ومنع إقامته بعد وصفه، بأنه «مؤتمر خيانة ومؤامرة على العراق مدفوعة من قوى خارجية»، حيث وصف رئيس الوزراء السابق نوري المالكي هذه المشاريع الخارجية في معالجة الخلافات الداخلية، بأنها مشاريع «لا تريد الخير للعراق»، وهذا ما يذهب في الاتجاه المعاكس للهدف الذي رسمه رئيس الوزراء حيدر العبادي، بالاتفاق مع إدارة دونالد ترامب، والمتمثل في إعادة رسم المشهد السياسي، من خلال نظام يجمع العراقيين ويضمن للولايات المتحدة استمرار وجودها في العراق.
وهنا لا بد من العودة قليلا إلى الوراء والتذكير بالعبارة المهمة التي أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي، خلال حضوره اجتماع وزراء التحالف الدولي ضد تنظيم داعش» في 3 ديسمبر 2014 في بروكسل، حين أعلن «أن العمل العسكري وحده لن يهزم تنظيم الدولة، وأنه ينبغي اتخاذ خطوات إيجابية نحو الإصلاح الحكومي والمصالحة الوطنية وإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع».
من هنا يبدو واضحا، أن المشهد السياسي العراقي، من خلال رفض القوى والأحزاب العراقية التابعة لإيران، قد يصبح أكثر تعقيدا وأكثر صعوبة، على الرغم من الدعم الأمريكي والخليجي لهذا المؤتمر، حيث لا تزال حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي غير قادرة على الخروج من نفق الطائفية والتبعية، اللتين أفشلتا مؤسسات الدولة العراقية في إدارة الملفات الخاصة بالمصالحة الوطنية.
من جانب آخر، أظهرت قائمة اختيار المشاركين من المكون السني في مؤتمر المصالحة الوطنية المقبل، على وجود اختلاف خطير في الأهداف والرؤى الوطنية، وتباين في الآراء للمشاركين أنفسهم، في ما يتعلق بالمستقبل السياسي والاجتماعي المقبل للبلاد، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار خطورة التباين في موضوع مستقبل العراق ووحدته، بين الشخصيات العربية السنية المعارضة، التي تتواجد في كردستان العراق، والتي وصلت تصريحات البعض منها إلى حد القبول بتقسيم العراق والبدء بأقلمته، فور الانتهاء من تحرير مدينة الموصل، توددا للضيافة في سياق رد الجميل للأخوة الأكراد.
وكما لا ندري كيف سيتم إيجاد قاعدة وطنية موضوعية مشتركة بين المشاركين، من المجاميع المدعومة ماليا وسياسيا، من السعودية وقطر اللتين أعلنتا رسميا دعمهما لهذا المؤتمر، وعن كيفية النجاح في الوصول إلى نقطة التقاء وتفاهم بين أمراء العشائر، الذين تدعمهم وتمولهم الرياض وبين أبناء أعمامهم من الذين وجدوا من الدوحة، مكانا آمنا ومصدرا داعما لهم في هذا الفترة الخطيرة من الخلاف السعودي ـ القطري، ناهيك عن التداعيات والانقسامات المحتملة التي ستلقي بظلالها على جدول أعمال المؤتمر، بعد تحفّظ الجانب الإماراتي على وجود شخصيات من حزب «الإخوان المسلمين» العراقي، واختياره رسميا للنوعية التي تراها الامارات العربية المتحدة مؤهلة للمشاركة في النظام السياسي المقبل للعراق.
لقد أصبح من الواضح لكل من له بصيره وطنية، في أن إعادة ترتيب هيمنة أحزاب المحاصصة الأولى وشيوخ أحزاب الدين السياسي، والاضافات الأخيرة التي جاءت بها قائمة المشاركين، من تجار الأغنام والإعلام لتمثيل المكون السني، وسعيهم في تقليد الأحزاب الحاكمة كوسيلة للوصول للحكم، عن طريق السيطرة على الانتخابات العراقية المقبلة، من خلال الإمكانيات المادية التي تحصل عليها هذه الشخصيات لإبعاد الغالبية الشعبية التي تـُمثلها التيارات والقوى الوطنية الطامحة لبناء عراق مدني متسامح وعابر للطوائف.
إن مشروع المصالحة الوطنية بشكله ووجوهه المعلنة، لا يمثل إلا حالة من الاستسلام وضياع الوقت، للمضي لإعادة عملية المحاصصة الطائفية، وهذا يعني بالتالي القبول باستمرار العنف والقتل اليومي، الذي تساهم فيه عصابات الاجرام المستفيدة من الفوضى وغياب مؤسسات الدولة الوطنية، وهذه النخبة الفئوية الضيقة هي المعنية بإدامة حالة الاحتقان المذهبي، مقارنة بوسع واجهة التيار الوطني المستقل وقاعدته الشعبية، التي هي وحدها المعنية بالحلّ الذي يرجع للعراق هيبته وسلامة شعبه.
٭ كاتب عراقي
أمير المفرجي