في الجزائر… تاريخ ملغّم ووقائع لم تُرو

حجم الخط
0

في ذكرى استقلال الجزائر (5 يوليو/تموز)، يبرز سؤال شائك، مُقلق ومثير للحساسيات، عن التّاريخ الظّاهر والتّاريخ الخفيّ للبلد، عما كتب وعما ما لم يُكتب، من سيرة ثورة شعب، ما قبلها وما بعدها، عن مساحات الفراغ، التي تتّسع في الذّاكرة الجمعية، عن وقائع مرّت ولم تدوّن، عن أحداث انتهت دون أن ينتبه إليها مؤرخون، عن سجالات تتكرّر، كلّ عام، حول قضايا يُعتقد أنها طُويت، لكنها لم تحسم كتابيا.
تاريخ الجزائر الحديث والقديم أيضا، ليس ملك الجزائر وحدها، الكثير من الأرشيف ومن الوثائق المهمّة، لا يزال محجوزا في الضّفة الأخرى، في أرض المُستعمر السّابق، أي فرنسا، يُمنع الوصول إليه أو التّصرف فيه، ووثائق وشهادات موجودة في الدّاخل، لكن غير مسموح نشرها في العلن، بالتّالي فإن «الحقيقة» تبقى غير مكتملة، مجزّأة، نصف منها مرئي وآخر خفيّ، ومعرّضة لخلافات في الرّأي، ورغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال البلد (1962)، فهو لا يزال غير متحكّم في تاريخه، لا يمتلك ماضيه كاملا، حسم الثّورة لصالحه، وحرّر الأرض، لكنه لم يحرّر أرشيفه ـ بشكل تامّ ـ ولم يكسب معركة الذّاكرة المستمرة من عقود.
صحيح أنّ الجزائر صنعت تاريخا، لكنها لم تكتبه كما يلزم، مازال محكوما على جزء منه بالتّداول الشّفوي، ضاعت منها خيوط، وبقيت الحقيقة الكاملة مؤجّلة. «بعد الاستقلال بات التّاريخ يعني عند أقوياء اللحظة امتلاك شرعية حرب التّحرير والحيازة على رمزيتها، التي تحوّلت إلى مصدر القوة والشّرعية الجديدتين، المبرّرة لاحتكار السّلطة، ومن هنا ارتبطت الكتابة عن التّاريخ بمسألة المقدّس الذي تحوّل في حدّ ذاته إلى معين السياسة الحاكمة وبالتّالي صارت مقدّسة، كونها تقوم على قداسة التّاريخ. على هذا الأساس كانت الكتب التاريخية النّقدية محرّم دخولها وتناولها في الجزائر ونذكر منها كتابات المؤرخ محمد حربي – التي لم يُسمح بتداولها إلا بعد تداعي نظام الحزب الواحد وبروز التعددية الحزبية في البلد. ثم إن إشكالية الكتابة التاريخية اختزلت في فترة محدّدة، وهي فترة حرب التّحرير، مقصية من دائرتها – وذلك لسنوات – كلّ الفترات القديمة، قبل وبعد الحقبة الاستعمارية، وغلبت عليها النّظرة الرّسمية والأيديولوجية وهذا ما جعل العمل التّاريخي في الجزائر يبدو شاحبا وباهتا وتقليديا، خاليا من الجدّة ومن الطّرح النّبيه وبعيدا عن التّناول العلمي، إلا في ما ندر من الكتابات» يقول الكاتب احميدة عياشي. الجزائر لا تنظر سوى لجزء من وجهها، لأن الجزء الآخر معتّم عليه، وفي عتمة التّاريخ تُصيبنا لعنات ومُفاجأت، ومرارا يجد الجزائري البسيط نفسه في مواجهة تناقضات، يقف على قراءات لروايات متناقضة في ما بينها، عن تاريخ لم يُكتب كما يجب، هذا ما يجعله يدخل في دائرة مغلقة من الشّكوك ومن التّساؤلات، التي لا إجابات لها، يشعر بأنه ليس سيّد ماضيه، بل هو ضحية الهوّة، التي تمدّدت في فراغات التّاريخ الوطني، لذلك يمكن القول إن تاريخ الثّورة الجزائرية لم ينته، بل هو مستمرّ، بحكم أنه لم يكتب كاملا، وأن فصولا منه تبقى مغيّبة، بعيدا عن الأعين، في الضّفة المقابلة من البحر المتوسط، وبين أيدي آخر الشّهود الأحياء، الذين لم يقولوا كلمتهم. هذا ما يجعل من سؤال «كتابة الذّاكرة» أو إعادة كتابتها مسألة ضرورية وحرجة في الآن، لدحض الشكّ باليقين، وليكتمل مشروع تحرير الفرد الجزائري من المغالطات، ومن تضارب الآراء حول تاريخه الشّخصي والوطني. «الجزائريون لا يعترفون بتاريخهم كاملا ولست أدري لماذا، مثلا نحن لا نعترف بأننا في مرحلة ما من التّاريخ كنا «خوارج» ثم «شيعة»، قبل أن نصبح مالكية على النّهج الأشعري الصّوفي. هذا من دون الحديث عن التّاريخ ما قبل الإسلامي الذي كانت الحركة الوطنية والدولة الوطنية (ومعهما الجامعة الجزائرية) ترفضان الاعتراف به إلى وقت قريب. وتاريخنا بقي غير كامل أيضا لأسباب سياسية ترتبط بصراع العصب السلطوية منذ الاستقلال، خاصّة تلك التي تاريخها الثّوري أسود، ولا يليق أن يخرج للجمهور حتى لا تسقط شرعيتهم». يعلّل الباحث في التّصوّف السّعيد جاب الخير.
الأحاديث والنّقاشات حول التّاريخ الحديث من البلد، لم تتوقّف يوما، في الخمسين سنة الماضية، لكن التّاريخ وحده، بقي بعيدا عن الأنظار، ما ساعد على ترويج الفرضيات والاحتمالات والأكاذيب أحيانا. «الكتابة التّاريخية الجزائرية حديثة النّشأة، فالمحاولات الأولى بدأت في الفترة الاستعمارية، وهي كتابات بسيطة وبدائية، تندرج في خندق الدّفاع الأيديولوجي عن الهوية الجزائرية، مُقابل الآلة الكولونيالية التي كانت خطّتها تتمثّل في طمس هذه الهوية واستئصال جذورها، ومن هنا كان التّأكيد على الطّابع الإسلامي للهوية الجزائرية أساس المحاولات الأولى في كتابة التّاريخ الوطني، مع أسماء كان بعضها ينتمي إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل توفيق المدني ومحمد مبارك الميلي، وبعد الاستقلال تمّ التّركيز على الطّابع الوطني الضّيق في مجال التّاريخ مع كتابات محفوظ قداش والعربي الزبيري ومحمد عباس وأبو القاسم سعد الله في إسهاماته، التي امتدت إلى نهاية السبعينيات». يُضيف احميدة عياشي.
«كانت فكرة الانتقاء والتّمجيد، في مقابل الرّفض والتّشكـــــيك أساسية في كتابة تاريخ الجزائر، سواء ذلك المكتوب بالعربـــية، الذي أضاف إلى نفسه ـ بالإضافة إلى إنتاج المعرفة بالماضي ـ مهمــــة تعزيز الهوية الوطنية، أو ذلك المكتوب بالفرنســـية الذي ينتظم ضمن مدرسة علمــــانية وطنية، ولكنها مرتبطة بشكل كبير بالمصادر الفرنسية حول تاريخ الجزائر، لهذا وُجد شرخ بين المدرستين أدى إلى وجود رؤيتين أساسيتين لتاريخ الجــــزائر، كلّ رؤية تغــــيّب الأخرى» يقول الباحث في علم الاجتماع عمار بن طوبال.أ من الوارد أن غياب جزء من تاريخ البلد يضع أشخاصا ما في راحة نفسية، يُجنبهم النّقد، من المُفيد لهم أن تظلّ الأمور مغيّبة وغير متاحة، لا للدّراسين ولا للقراء العاديين، فالتّاريخ وحده من شأنه أن يفتح صندوق باندورا، أن يُعيد النّظر في ما حصل، ويفرّق بين الجلاّد والضّحية، قد تسبّب لهم الكتابة الجادّة للتّاريخ صدمة وكوابيس وخيبات وخسارات، لهذا فإن تعطيل مشروع كتابة كاملة للتّاريخ يخدم هذه الطّبقة من النّاس، التي يشترك فيها سياسيون وأصحاب نفوذ، كلّما أاستبعدت صفحات من تاريخ البلد، زاد شأنهم وعلت مكاسبهم، وكلّما كتبت خسروا شيئا من حظوتهم. «المستفيد من تغييب التّاريخ ومنع كتابته كاملا، هو من له سوابق غير مشرّفة في الحركة الوطنية وفي الثّورة. وقد رأينا كيف عمل نظام الرّئيس هواري بومدين مثلا، على تبييض سيرة «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين»، التي تحالف معها بعد انقلاب 1965، والتي تحوّلت بقدرة قادر من تيار اندماجي، إلى قوة ثورية، في المقرّرات المدرسية وحتى في الدّراسات التّاريخية الأكاديمية. لهذا فإن استعادة ورأسملة تاريخ الجزائر لا يمكن أن تكون إلا بإعادة قراءة التّاريخ بعيدا عن التّقديس والأدلجة الدينية والسياسية» يقول السّعيد جاب الخير. وهو ما يذهب إليه احميدة عياشي، الذي يُطالب بتحرير كتابة التّاريخ من السّياسة، بحكم أن السّلطة وحدها المستفيد من تعثّر مشاريع كتابة التّاريخ كاملا، في البلد، ويفسّر: «كتابة التّاريخ كاملا يعني كتابة تاريخ التّعددية الدينية والثّقافية والاجتماعية، وكتابة الصّراع الذي دارت رحاه بين المذاهب الدينية في الجزائر، بين الشّيعة والإباضية في القرن التّاسع ميلادي، وما انجر عنه، وبالتالي التّعرض إلى تاريخ المسيحية ودورها في الحياة الجزائرية، وكتابة التّاريخ كاملا يعني أيضا التّغطية على مناطق الظلّ في تاريخنا وإثارة الأسئلة المزعجة للسّلطة، لأنها تجرّدها من شرعيتها التي تحكم بها وتبسط من خلالها هيمنتها على المجتمع بأسره».
تغييب الكتابة الجادّة للتّاريخ يزيد من عزلة الجزائري، ويرفع أسهم السّلطة، وفي هذا السّياق، يضيف عمار بن طوبال: «المستفيد الأكبر من هذا التصميت للتّاريخ هو النّظام القائم، لأن إنطاق التّاريخ بالحقيقة التي لا حدود لها، هو هدم للشّرعية الثورية التي يتأسّس عليها، وتفتيت للأساطير الوطنياتية التي قامت عليها الدولة الوطنـــية خلال خمسين سنة من الاستقلال».
كلّ إسهام جديد أو إضافة في «تاريخ الجزائر» هو تحرير له، تحرير للمواطن من كبت ما، هو استعادة لماضٍ، فالجزائر تسير نحو مستقبلها، وقدرها، وتاريخها لم يكتب كاملا. تاريخها ليس يصنع حاضرها، بل هو حاضرها نفسه. التّاريخ يحفظ مصيرها، ويحدّد وجهتها.

٭ روائي جزائري

في الجزائر… تاريخ ملغّم ووقائع لم تُرو

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية