حراك الريف: هل تتجه الأمور نحو التهدئة؟

خرجت في الأيام الأخيرة بالمغرب عدة أصوات مؤثرة لتطالب بتهدئة الأمور بمنطقة الريف، ما بين مقتنع بضرورة تدخل ملكي ومعارض له.
فعبد الإله بنكيران زعيم العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، أكد في لقاء مع عمداء المدن الكبرى التي يسيرها حزبه، على خطورة الأوضاع بالريف على سلامة البلاد. أكد بنكيران كذلك على ضرورة عودة الهدوء حتى يمكن للكل أن يساهم بما يستطيع في حل مشاكل المنطقة. إن هذا يعد أول تصريح مباشر وواضح لبنكيران حول أزمة الريف منذ إعفائه من لدن الملك كرئيس معين للحكومة في أواسط مارس/آذار الأخير. قال زعيم العدالة والتنمية، الذي كان يتكلم كعادته بالدارجة المغربية، ما معناه «إنه لابد من الهدوء … فليس من المعقول أن نترك المنطقة فريسة للتوتر الذي يمكن لا قدر الله أن يشعل (الحرائق) بالبلاد كلها. وأنا متأكد أن الناس هناك لا يريدون ذلك. نعم هناك ضحايا وجروح والوقت سيعمل على اندمالها وكل واحد سيساهم بطريقته لتجاوزها لأن البلاد مثل الباخرة، إما أنك تحافظ عليها أو تهددها بالغرق وحينها سيغرق الجميع.» لاشك أن نداء بنكيران هذا سيلقى بعض الآذان الصاغية هناك فالحزب يتوفر على علاقات قوية بالمنطقة خصوصا وأن زعيمه السابق، الراحل عبد الكريم الخطيب، كان رئيسا لأركان جيش التحرير المغربي المتمركز بالشمال في أواسط الخمسينيات كما أن الخطيب ساند انتفاضة الريف لسنة 1959. بنكيران يعرف شخصيا عدة شخصيات مؤثرة بالمنطق بما في ذلك والد ناصر الزفزافي زعيم الحراك.
هناك عدة مؤشرات أخرى على إمكانية توجه المنطقة في الأيام والأسابيع المقبلة نحو التهدئة اللهم إلا إذا -ولسبب طارئ- رجعت المقاربة الأمنية بكل قوتها وصلابتها كما كان الحال خلال شهر رمضان. ومن هاته المؤشرات أن المعتقل رقم 74823 وهو السجين الأكثر شهرة وشعبية بالمغرب قد وجه رسالة خطية من داخل زنزانته الانفرادية «إلى أبناء الريف والوطن وأحرار العالم» حسب تعبيره. رسالة السجين هذا والذي ليس إلا ناصر الزفزافي تقول إن «صوت الحرية» المجلجل بالريف يهدف أساسا إلى «فضح المفسدين من سلطات محلية ومنتخبين ومسؤولين حكوميين و»دكاكين» سياسية عملت على مدى سنوات على نهب خيراتنا وقمع وتركيع إخواننا وأبنائنا…ولم يسلم من كذبهم ومؤامرتهم حتى ملك البلاد، الذي كان أملنا أن تنكشف حقيقتهم المخزية أمامه ليطبق في حقهم ما يحتمه القانون من عقاب ومحاسبة». إن زعيم الحراك هنا يمد يده للملك ويعبر عن ثقته فيه ويضعه خارج من يسميهم «المفسدين» و»الدكاكين السياسية» و»الحكومة السليبة» بل أنه يرى أن الحل يمكن أن يأتي على يده وذلك بقطع دابر الفساد بالمنطقة. وفي الحقيقة فإن عدة محللين مقربين من السلطة قد أعلنوا في الأيام الأخيرة بأن الملك سيبادر إلى حملة تطهير لا سابق له بالحسيمة. كما أن الدولة قد عينت هيئة رسمية للتحقيق حول عدم إنجاز مشاريع التنمية في الآجال المحددة بل إن الملك كان قد منع بعض الوزراء من التمتع بعطلتهم الصيفية وذلك للسهر على إتمام المشاريع المعنية. ومن بين علامات التهدئة أن عامل (محافظ) إقليم الحسيمة قد استبدل بعامل جديد هو فريد شوراق. هذا الأخير دكتور في الاقتصاد وخبير متخصص في الاستثمار الجهوي كما أنه يعتبر، وهذا هو الأهم، شخصية مقربة من فؤاد عالي الهمة، رجل النظام القوي. كانت من أولى قرارات العامل الجديد هو تخفيض الحضور الأمني بالمنطقة ومباشرة المتابعة الميدانية لمشاريع التنمية والاستثمار بالإقليم. صرح شوراق بأن قراره الخاص بالأمن قد اتخذ بناء على تعليمات مباشرة من الملك.
من بين الأمور الدالة كذلك هو تسريب وثيقة من لدن أوساط مقربة من المجلس الوطني لحقوق الأنسان  وهو هيئة رسمية ودستورية. اعتبر الإعلام المحلي الوثيقة بالغة الخطورة، فهي عبارة عن تقرير لطبيبين شرعيين كلفهما المجلس المذكور بالتحقيق في شكاوى معتقلي الحراك حول التعذيب والمعاملة القاسية. التقرير أكد أن العديد من المعتقلين قد تعرضوا فعلا للتعذيب من لدن قوى الأمن ليس أثناء التوقيف فحسب وإنما كذلك بعد اعتقالهم، وأن شهادات السجناء ذات مصداقية بسب الآثار الجسدية المبرهنة عليها و»المتناسبة جدا مع المزاعم بوجود تعذيب». أما ناصر الزفزافي فقد شهد أمام الخبيرين انه ضُرب بشكل مبرح على رأسه ووجهه وبأنه أهين جنسيا كما أنه اطلعهما على آثار جرح غائر برأسه قطره ستنتيمتران.
طبعا ما كان بإمكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن ينشر بشكل رسمي مثل هذا التقرير ذي المحتوى المزلزل وذلك حتى يترك ورقة توت رفيعة للمديرية العامة للأمن الوطني التي بادرت لاستعمالها قائلة بأن الوثيقة جزئية وغير رسمية وأنها لهذه الأسباب تعتبر أنه لن يكون هناك متابعة قضائية «مادامت الوثيقة المسربة تعوزها الصفة». إن تسريب الوثيقة اعتبره جزء من الرأي العام تعبيرا عن تذمر من أوساط داخل الدولة من المقاربة الأمنية المتشددة وأن هذه الأخيرة باتت مرغمة على التكيف مع ميزان قوى جديد يفرض عليها وضع حد للتدخلات العنيفة ضد الساكنة والتزام القانون في التعامل مع نشطاء الحراك.
كان رد فعل المرتضى إعمراشا على هذا السياق الجديد بما فيه من مبادرات رسمية وغير رسمية هو توجيهه نداء إلى رفاقه بالحراك لوقف الاحتجاجات مؤقتا وإعطاء الدولة الفرصة للتعبير عن حسن نواياها وذلك بالبدء في تحقيق مطالب المحتجين. إعمراشا هو أحد أبرز قياديي الحراك كما أنه متابع بتهم ثقيلة تتعلق بالإرهاب، فهل ستستجيب له أغلبية المحتجين أما أن الخلافات قد بدأت تدب في جسم الحراك مما قد يضعفه أو يأتي عليه.

٭ كاتب مغربي

حراك الريف: هل تتجه الأمور نحو التهدئة؟

المعطي منجب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية