سمة الشعر التحول والتغير، فهو يجترح الوسائل التعبيرية والقوالب التي بإمكانها احتواء نداء الذات والوجود، والبحث الأبدي عن تأسيس خطاب شعري منبثق من عمق الجرح الكينوناتي؛ النازف لغة تعبّر عن التوتر والقلق والاحتراق، تلك سيرة الشعرية العربية التي لم تستسلم للعقلية الثبوتية، لكونها تجد حياتها في التمرّد ضد القوالب الجاهزة، والمروق عن السكونية، بل تجنح صوب المغامرة، وارتياد أفق شعري يكتب تاريخ كتابة شعرية ممتدة في ذاكرة الإبداع الكوني. فنداء الذات والوجود هو نداء إشكالي مادام سلّم الإبداع طويلا – كما قيل – لكن ديوان «سلالم ضوء « للشاعر رشيد الخديري نتسلقه عبْر قراءة تحاول القبض على مُمْكِنِهِ النَّصي والتَّنقيب عن جمالياته، رغم استحالة الإلمام بهذا المعطى، لأن الشعر عاص على التحديد واستكناه غوامضه وكوامنه. هكذا نروم الولوج إلى عوالم تجربة شعرية لها ميزتها في الكتابة، لأن الشاعر رشيد الخديري ينطلق من تصور نابع من رؤية عميقة للعملية الشعرية، الشيء الذي يجعلنا نقف حائرين من أي الأبواب القراءاتية يمكن أن ندخل؟ وما هي الآليات الممكن توظيفها لسبر البئر الشعرية العميقة لهذا الديوان الذي يعدّ ثمرة جهد يبذلهما في الكتابة، سواء نقديا أو شعريا، فالشاعر خبر المناطق الخفية للمتن الشعري.
فـ«القصيدة مشروع مادي وروحي وثقافي خلاق من أهم المشاريع التي يتبنّاها الشاعر في حياته، وهذا المشروع مستمرّ في حركة دائبة من أجل البحث عن وهم الاكتمال» كما يقول محمد صابر عبيد؛ ومن تم فالشاعر رشيد الخديري يخلق القصيدة من عمق المكابدة الأبدية التي ترافقه وهو يبدع تجربته، تجربة الاحتراق التي يكتوي بنيرانها اللافحة الحارقة للبواطن وللهاجس الإبداعي الذي يساور الذات في حالة مخاضات القصيدة.
هو شاعر مسكون بالسؤال الفلسفي المشتعل باليقينيات المشكوك فيها، التي يساورها العديد من الشقوق الوجودية، التي تحتاج من الشاعر المبدع ترميمها بكتابة الجراحات والندوب التي خلّفها بروميثيوس رهينة الشعراء الأسلاف المجدّدين في الحياة والشعر، وهو الوارث لضياء مصباح ديوجين ليبحث عن الحقيقة في واضحة اليقين.
شعرية تستقي وجودها الشعري من التأمل الذي يحتّم على الذات التوالج، وهي في حالة سُكْر وفناء مع كائنات الكون، رؤية لا تلبث أن تتشبث بالعين/ البصر؛ لكنها تتخلص من النظرة القريبة التي لن تزيد الرؤية إلا عماء على الرؤية، باعتبارها انسكابا داخليا يرجُّ الكوامن الدفينة المقيّدة بجنون التآويل، فالشاعر يطارد المجازات والظلال التي تجسدها (إيمولا) محاولا القبض على هذا المنفلت من الظلال، حيث الأشواق والعشق والتاريخ واستحضار الأسلاف من الشعراء، تضيء عتمات الكون والداخل الجسدي تعبيرا عن كون الشاعر، وهو يجابه هذا التشظي الفردي والكوني، منذورا لهذا الرجّات الباطنية تجاه الخارج النصي يقول:
(ما الذي تراه العين تنكره الحواس
وما هذا الذي يُرى أفقٌ سجّادةٌ
فصول من سِفْر الرؤيا
غابة أشواق
طيور النيلوفر
أنصعق أنسكب أدخل إلى ذاتي
أحرّرها من حمق التآويل
وأنخطف خلف مجازاتها
وإيمولا،
الظل ونقيضه
اندلاع العشق في أعين الجميلات)
فالسؤال الشعري، كمفتتح نصي للديوان، هو بحث أبدي عن الذات المسيّجة بقيود عالم باللاكتمال، ومن ثم يغدو الشعر اكتمالا للنقص الوجودي.
إن شعرية التأمل الشعري تستلهم جمالياتها من العمق الفلسفي، الذي يعدّ مرجعا أساسا في تجربة الشاعر، وقد أسهمت في تثوير الخطاب الشعري وجعله يُدمَغ بسمات فلسفية، حيث السؤال البوابة التي تقود الذات إلى الغوص بعيدا في الذاكرة الجمعية للثقافة الكونية، ومن ثم يعمد إلى الأسطورة لتطعيم التجربة بأبعاد جمالية تؤسس لملهاة الإنسان، في وجود باطل يحفّز الذات على الإقامة في اللانهائي، أي البحث عن السديم الكوني يقول:
(عذرا
أنكيدو لم أخط فيك غير الملهاة
لا شيء كل نص حجاب
وكل سؤال سفر في اللانهائي
كل شيء باطل:
الحب في الممرّات العسلية، عينا هيلين وهما تمسحان وجه
العدم. المجاز المبلل بدمع الأكاسيا،
كل شيء ملهاة أنكيدو، وحدك حقيقتي، ممشاي في دروب
الحلم).
فالذات الشاعرة تتخذ من أسطورة أنكيدو مطية للتعبير عن الحيرة الوجودية والتشظي الكينوناتي بعدما أضاعت البوصلة أمام هذا العدم المستشري في الذات والعالم. وليس غريبا أن نقول إن الشعر ما هو إلا سؤال عن المداخل المفضية إلى عالم البواطن، للكشف عمّا ينتابها من احتراق واغتراب وتيه يعبّر عن فظاعة التشظي .الشاعر يستبطن المخبّأ في الدواخل، بلغة متخفّفة من ظلال الأساليب البلاغية القديمة؛ خالقة بلاغتها الجديدة المنبنية على الانزياح الذي يشحن النصية الشعرية بطاقة تأويلية، لا يتم القبض عليها إلا بإعمال مشارط النقد، ولعل هذا ما يجعل التجربة أكثر عمقا وممتلئة بجمالية تسعى لمجابهة التآكل الروحي، والبحث في الكون عن أسراره الدفينة في تمدده اللامنتهي والتباساته التي تدفع الذات إلى مراودة الغامض فيه انسجاما مع أن «مكان الإنسان في محور الأشياء إنّما يتخذه لغاية واضحة ليواجه سر الكون ليواجه العالم، ليرى العالم، فمن هذا المحور تنبلج ملايين الأشياء واضحة مرئية – هذه الأشياء التي يحملق أغلبنا فيها طوال حياتهم ولا يرونها مطلقا، ومن هذا المحور يلاحظ الفنان تعقيد العالم، ذلك التعقيد الذي ينجح أغلبنا في تجاهله بسهولة، وفي هذا المحور يشعر الفنان بالحركة والاندفاع في تيار الزمن الكاسح». هكذا هو الشاعر لا يتوقف عن الغوص في أسرار الكون، والسفر في ملكوته لفتق حجبه، هذا الفتق ينطلق من الكشف عن بواطن الذات ببصيرة متأمّلة وقنّاصة لكل ما هو مهمش فيها وفي الكون، فتمزيق الذات تعبير عن هذا التشظي الذي يخفّف عنه برتق ثقوب الجسد بيد الدهشة، أي بوساطة لغة الحلم التي تنبثق من سيرة الذات، كمتواليات شعرية تزيد من معاناة الذات وهي تجابه حقيقة وجودها، والمقصدية من وراء ذلك تعرية شمس الباطن يقول:
(أمزّق ذاتي
وأستضيء بالشمس التي بداخلها
في مقتبل التكوين
أُصبت بحمق الفلسفة
سأُكثر الآن من شطحات التأمّل
أليس في ذاتي
منفذ للشمس؟
أليس في جسدي ثقوب
ترتّقُها
يد الدهشة؟)
ما يميز التجربة الشعرية للشاعر رشيد الخديري كونها تتكئ على السيرذاتي، باعتباره المنبع الأول الذي يعطي للنصية دينامية وحيوية لخلق شعرية تكتب تاريخ الذات المفعم بوقائع يحوّلها شعريا الشاعر عبْر الانغماس في سردية تأملية لكون ذاتي ضاج بشقاوة الطفولة، حيث كانت الذات حالمة في سماء الوجود. لذلك نجد القصيدة تجترح لنفسها مسارا تعبيريا بدلالات موغلة في جمالية القول الشعري، وكاشفة عن مكابدة الذات وهو العارف المدرك بخوافي الزمن المتكلس في قارورة الرمل، بيانا على أزمة الذات وهي تعرّي الأنا الشعرية الملتهبة بسؤال الوجود يقول:
(أنا غيري في مرايا السحاب
غيري أنا
حين آخيت ليل النرجس
وانصهرنا يا أمي
في غبش المساءات، نحكي لشهرزاد أجمل الحكايات:
جلس الحب مثل شحاذ
وجلست إلى نفسي أحدّثها
ستجيء
على جناح فراشة
أو على صهوة وتر من ضياء).
هكذا تعلن الأنا الشعرية كينونتها في رحم الحكاية، حيث الحكي وسيلة من الوسائل التعبيرية للإفصاح عمّا يعتور الذات من خيبة في الحب، فإذا كانت شهرزاد أنقذت نفسها والمرأة من موت حقيقي عبر السرد، فإن الشاعر رشيد الخديري لم تسعفه الحكاية إلا في حصاد الخيبة في حرب الحب، وتلك سيرة الشعراء المكتويين بجمرة العشق، فكانت الوحدة لسان الحال من خلال الحديث مع النفس لتضميد حرقة الانكسار. ومن ثم يبقى الشعر ملاذ الشاعر المشعرن بسردية موغلة في بنية تعمّق مأساة الذات، التي تغامر في العوالم الخفية للذاكرة المثقوبة، مستجلية ما تبطّن فيها من ندوب الكينونة وهي تتخلّق في رحم حياة شقية يقول:
(ها أنا أستعيد شريط الذكريات
تسامرنا حدّ الحبّ
انحدرنا إلى دارة جُلْجُل
سحرتني
خُصْلات شعرك
ها كُم ما خسرت وما ربحتُ
قبل عشرين عاما
من ولادتي)
فعودة الذات إلى الطفولة ما هو إلا لحظة للتأمل في مصير كينونة متعبة جراء أوجاع الحياة، وحماية من الامّحاق الوجودي الذي يهدّدها، ولعل الاحتراق ملفوظ دال على محاولة الشاعر التَّطهُّر من دناسة الواقع حتى يقي وهج الداخل من ظلمة الخارج.
إن الذات الشاعرة وهي في سعيها نحو التعبير عمّا يعتمل في الأعماق، تسترفد من تاريخ الطفولة ما يعضد هذا المسعى عبر آلية الاسترجاع التي تمنح للخطاب الشعري جمالية فنية، ويتجلى استحضار ما هو سيرذاتي في وعاء شعري يصب في جوهر الروح الإنسانية، ذلك أن الطفولة ما هي إلا ترجيع لصدى الذات المفعمة بالحياة، والكاشفة عن الولع الوجودي بسردية تعتمد على ما هو شعري جمالي لصوغ خطاب شعري متخلِّق من رحم الحنين يقول الشاعر:
(قديما كنّا… في المدرسة
إذا مسّنا وترُ الحنين
من بعيد،
اكتفينا بذكريات اللقاء،
تذكّرت هيلين
كانت أليفة مثل قطط البيوت الباذخة
وكان برْد المساء
يقيس نبض البحر
بآهة الرمال
كان هذا المساء يقرف روّاد المقهى)
هذه المراوحة بين ما هو سيري وواقعي سمة من سمات شعرية التأمل، إذ أن الشاعر، وهو في حالة تأمل وسفر في الذات، هو في اللحظة ينقل بعين البصيرة ما يحيط به من حياة أخرى، وفي هذا ضرب لما يشاع حول الشعر العربي المعاصر، إنه بعيد كل البعد عما هو واقعي، وتلك حسنة إبداعية من حسنات الشاعر رشيد الخديري المقيم في جسده عاشقا مُتَوَلّها بمسالك الشك في زمن البهتان والخطايا، مادام الليل يرخي سدوله على الروح، لكن الشاعر يبحث عن الضياء/ النور في جسد المخاطَبة ليرتقي مدارج اليقين حتى يعانق رؤاه الشعرية، راسما حيرة البدء في عتمة السؤال كوسيلة تعبيرية عن القلق والاغتراب الوجوديين اللذين يشعر بهما الشاعر، يقول:
( لِمَ عَلَيّ أن أحمل
جسدي معي
من أوّل تأتأة
حتى آخر شهوة للخراب
…نِعْمَ المرأة التي أحبّ
علّمتني أن الحياة لعبة نرْد
منتهى النبل
ما فعلت بي أيها النهر الحكيم )
هكذا يبقى للشاعر رشيد الخديري سوى حمل الجسد/ الذاكرة/ رحلة الإنسان من البدايات إلى النهايات متأمّلا الذات والعالم برؤية شعرية مدموغة بسؤال الشعر الحارق والمتقّد بالبحث الأبدي عن الكينونة.
رشيد الخديري: «سلالم ضوء» (شعر)، منشورات بيت الشعر في المغرب
٭ شاعر من المغرب
صالح لبريني