يبدو أن بعض اللواتي والذين يعلقون على ما أخطه هم من عشاق الشعر الجميل مثلي..
أحببت هدية القارئ «أحمد» للقراء ولي القصيدة الشهيرة:
جاءك الغيث إذا الغيث همى
يا زمان الوصل في الاندلس
لم يكن وصلك إلا حلما
في الكرى أو خلسة المختلس
بالمقابل أحب أن اتوقف أمام الاعتراض على ما كتبته حول موسوعة «مختارات من روائع الشعر العربي 1997» – الدار العربية للكتاب ـ ليبيا للأديب الكبير الراحل خليفة التليسي الذي لم أعرفه شخصيا.
شعراء المقاومة الفلسطينية في القلب
يكتب الفلسطيني غاندي حنا ناصر/كوريا الجنوبية/متسائلا عن موقفي من شعر وشعراء المقاومة الفلسطينية الذين غابوا عن مقالي حول «مختارات التليسي». ويكتب ما يشبه ذلك تقريبا ولكن على نحو مباشر محسن سليمان ويسألني باختزال: «لا أعرف لماذا تستثنين محمود درويش من خارطة الشعر العربي. ليست هذه الحالة الأولى فكأنك تعتبرينه حالة عابرة لا يستحق حتى أن يذكر اسمه وهو من هو».
ولا بد لي من التذكير بأن وقفتي مع الرائع التليسي كانت عن كتابه «مختارات خليفة محمد التليسي: من روائع الشعر العربي» وأضع خطا أحمر تحت عبارة «من».. إذ ما من مختارات تستطيع أن تفي بحق المبدعين الشعراء جميعا والأمانة الأدبية تقضي بعدم إضافة اسم إلى ما جاء في «مختارات التليسي». وبالمقابل، لا ألوم محسن سليمان إذ ليس من مهمة كل قارئ مطالعة كل ما سطرته (وهو كثير جدا، خمسون كتابا ومئات المقالات) وتحدثت فيها مرارا عن الصديق العزيز المبدع الشاعر محمود درويش. وثمة كتاب تكريمي صدر بعد رحيله ضم مقالة مطولة لي عن ذلك الشاعر الكبير والإنسان المحبب.
درويش وشعراء المقاومة
لعلي كنت من الأوائل الذين تعارفوا مع شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة «بالنازية الإسرائيلية» حين حدثني عنهم الشهيد غسان كنفاني وقال لي إنه يعد كتابا عنهم ـ وهو ما فعله وصدر عن «دار الطليعة»، وكان يحلو له أن يردد قصيدة: «سجل أنا عربي» لدرويش كما قصيدته العاطفية «خذيني تحت عينيك/خذيني أينما كنتِ/خذيني كيفما كنتِ» وتعارفت عبره من زمان مع سميح القاسم وتوفيق زياد وجمال قعوار وسواهم من المبدعين المطعونين بالاحتلال.
وذكرتني كلمات اللوم غير المحقة من محسن سليمان بلقائي الأول مع محمود درويش في مقهى «سكوتش كلوب» على شاطئ الروشة البيروتي وكنت «حاملا» بابني وضرب الموعد الشاعر أدونيس بعدما أبديت له حماسي للقاء درويش..
وفي تلك الجلسة بين شاعرين كبيرين، أي أدونيس ودرويش، وطفلي الذي (يلبط) في بطني دون صوت ويتحرك جيئة وذهابا دون أن أدري أهو مسرور باللقاء أم يحاول الهرب، تعارفت مع روح التمرد لدى درويش (روح التمرد لدى أدونيس كنت أعرفها)، وكرر لي درويش موقفه الذي دونه في صرخته الشهيرة «إرحمونا من هذا الحب القاسي» وكان يعني رغبته في كتابة شعر يبقى لا شعر منابر عابرا له قيمة وطنية فقط كما يطلبون منه بحب.
جمهور درويش يومئذ كان يرغب في الاستماع إلى قصيدته «سجل أنا عربي» أو قصائد على منوالها، وكان درويش يطمح إلى كتابة قصيدة المقاومة في كل زمان ومكان وبالمعنى الإنساني عبر المقاومة الفلسطينية.
المختارات لا تغطي الجميع
رؤوف بدران من فلسطين (وللرسائل الآتية من الأرض المحتلة قيمة استثنائية عندي) يتساءل عن عدم ذكري لاسم محمود درويش.. وأظن أنني أجبت على سؤاله.. وأعادني ذلك من جديد إلى عالم الذكريات.
ففي سهرة في بيتنا البيروتي قام زوجي بدعوة محمود درويش واختطفت سماعة الهاتف وذكرت لمحمود (لأنني منذ اللقاء الأول حدست مزاجيته وفهمت ذلك لأنني أشبهه) ذكرت له أسماء بعض المدعوين المبدعين وبينهم يوسف إدريس وأحمد بهاء الدين والطيب صالح ونزار قباني وآل الرحباني منصور وزوجته تيريز وعاصي والرائعة فيروز..
وفقط حين سمع اسم فيروز قال: سأحضر..
قلت له كي لا يخيب أمله: فيروز لا تغني في السهرات الاجتماعية لدى الأصدقاء.. أو في بيتها. أجاب مكررا: سأحضر..
بعدها التقيت بمحمود متزوجا من الجميلة الموهوبة الدكتورة رنا صباح قباني (عمها الشاعر الكبير نزار) ووالدها فنان كبير إلى جانب أنه مؤسس التلفزيون السوري وبعدها السفير السوري في U.S.A.. وكنا نخرج للعشاء معا رنا ومحمود وزوجي ونصطحب أحيانا ابننا وكان طفلا يدلله حقا محمود ويداعبه في حضنه في مطعم (ماندارين) أو (مروش) وسواهما. ولذا دهشت لأنه رحل دون أن يرزق بأبناء. وقد تمنيت على الكاتبة المبدعة رنا قباني نشر مذكراتها عن محمود في كتاب. وكررت لها ذلك في لقاء على الغداء في فندق «روايال مونصو» الباريسي ضم شاميات مقيمات في فرنسا، كما في مخابرة هاتفية.
وزيرة إسرائيلية تشهر مسدسها
اتفق مع قول خوان غويتيسولو عن درويش، الذي نقله الزميل صبحي الحديدي، وجاء فيه إنه «أحد أفضل الشعراء العرب في هذا القرن، ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، استطاع تطوير هموم شعرية مؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا».
وفي زيارتي الأخيرة إلى بيروت تصادف أن مررت في الشارع المتفرع عن «الحمرا» حيث كان محمود يقيم أيام زواجه ورنا، وتذكرت زياراتنا لهما: بلقيس الراوي، قباني وأنا، ومجموعتهما من الأصداف البحرية. ولا يدهشني أن وزيرة الثقافة الإسرائيلية تشهر مسدسها كلما أنشد أحدهم قصيدة لدرويش!! وتحاول عبثا قتل كلماته علنا..
وإلى اللقاء في الأسبوع المقبل أيضا مع القراء.
غادة السمان